في عام 2011 وضعت إثيوبيا حجر أساس بناء «سد الألفية العظيم» المُلقب اختصارًا بـ«سد النهضة»، ليكون أكبر مشروعٍ قومي لإنتاج الطاقة في أفريقيا، والذي سينتشل البلد المُظلم من الفقر المدقع والسواد الذي يطرق بيوت 70% من السكان، إضافة إلى أن الحكومة ستجني من ورائه ملياري دولارٍ سنويًا خلال تصدير فائض الكهرباء للدول المجاورة؛ ولأن السد يستمد طاقته المائية من نهر النيل الأزرق الذي يُغذي 85% من مياه النيل، فإنه فتح باب الخلافات مع مصر التي هددت في البداية بالحل العسكري، لإثناء أديس أبابا عن المُضي قُدمًا في المشروع الذي قد يصيب القاهرة بالجفاف جرّاء السد.

وبعدما وصل المشروع إلى نقطة اللاعودة بعد انتهاء أكثر من 60% من أعمال البناء، اعترفت مصر رسميًا على لسانٍ رئيسها في الأمم المتحدة بفشل المفاوضات مع الجانب الإثيوبي الذي بدوره حمّل القاهرة المسئولية كاملةً عن النهاية.

هذا التقرير يشرح لك قصة فشل مصر في مفاوضات سد النهضة؛ بداية بالدبلوماسية والتهديد والتفاوض وصولًا للاستسلام والاعتراف بالهزيمة.

البداية.. كيف تعامل الرؤساء المصريون مع الحُلم الإثيوبي؟

في عام 1953 اعتزمت إثيوبيا إنشاء سد كبير على النيل لتوليد الكهرباء، ولأن علاقة الرئيس المصري جمال عبد الناصر بأديس أبابا كانت قوية، أرسل خطابًا إلى الإمبراطور هيلا سيلاسي، جاء فيه: «نطالبكم بوقف أعمال بناء السد، لأننا نعتبره تهديدًا لحياتنا؛ مما يستدعي تحركًا مصريًا غير مسبوق»، فامتثلت إثيوبيا بعد نصيحة الرئيس الأمريكي أيزنهاور، وقللت ارتفاعه من 112 مترًا إلى 11 مترًا فقط.

عام 1979، اعترضت إثيوبيا على قرار الرئيس السادات مد نهر النيل إلى سيناء لاستصلاح 35 ألف فدان، ولوحت ببناء السدود، وقدمت شكوى رسمية ضد مصر في منظمة الوحدة الأفريقية، وحين علمت مصر بعزم إثيوبيا على بناء سدود على مجرى النيل، أرسلت القاهرة رسالة رسمية عبر وزير خارجيتها: «إذا قامت إثيوبيا بعمل أي شيء يعوق وصول حقنا في الماء كاملًا، فلا سبيل إلا استخدام القوة».

وبوصول الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك إلى السُلطة تأزمت العلاقات أكثر حين شرعت إثيوبيا في استئناف خططها التنموية لمواردها من مياه النيل، وإقامة السدود لتوليد الكهرباء وحل مشكلة المجاعات، وهو ما قوبل بتهديد مصر بإعلان الحرب، عبر تسريبٍ صوتي منسوب لمبارك قال فيه إنه مُستعدًا لضرب السد بطائرة «توبوليف» – قاذفة قنابل سوفيتية تسبق سرعة الصوت – في حال أقدمت على تنفيذ تهديدها.

وبحسب وثيقة سربها موقع «ويكيليكس» عام 2013 جاء فيها أن مبارك طلب في أواخر حُكمه من الخرطوم إنشاء قاعدة عسكرية تستخدمها القوات الخاصة المصرية إذا أصرت إثيوبيا على بناء سد.

وفي عام 2009 أجرت الحكومة الإثيوبية مسحًا لمواقع على ضفاف النيل تصلح لبناء سدود، قبل أن تعلن رسميًا في العام التالي بدء تدشين المشروع رسميًا، لكنها استبقت الخُطوة بدفع دول حوض النيل – تضم 11 دولة – لتوقيع اتفاقية «عنتيبي» التي تنص في إحدى بنودها على الاستخدام المنصف لجميع الدول، وهو ما فسره الجانب المصري بأنه يعني إلغاء حصته الأكبر من النيل البالغة 55 مليار متر مكعب، وكذلك حصة السودان البالغة 18.5 مليار متر مكعب، وهو ما يمثل 90% من مياه النيل.

وبموجب القانون الدولي فمن الممكن أن تدخل اتفاقية عنتيبي حيز التنفيذ في حال «مصادقة ثلثي دول حوض النيل، أي سبعة دول من أصل 11 دولة»؛ وبالرغم أن بوروندي وافقت على الاتفاقية، إلا أنها لم تُصدق عليها؛ مما يعني أن النصاب القانوني لن يكتمل إلا بتوقيع دولة واحدة، على جانبٍ آخر، قدمت مصر شكوى رسمية إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي عام 2010 تطالب فيها بعدم تمويل السد الإثيوبي.

وعقب الثورة المصرية في يناير (كانون الثاني) عام 2011، وضع رئيس الوزراء الإثيوبي حجر الأساس للسد، وأنشأ مهبط لطائرات النقل السريع، كما أعلن أنه سوف يُطلع مصر على مخططات السد لدراسة مدى تأثيره على دولتي المصب، ولأنّ المجلس العسكري الذي أدار الفترة الانتقالية في مصر عقب الثورة كان مشغولًا في الحراك الثوري الذي طالبه بسرعة تسليم السُلطة لرئيس مدني، اكتفى بإرسال وفد «الدبلوماسية الشعبية» لأديس أبابا، والذي ضم نجل الرئيس جمال عبد الناصر، في محاولة بدت إحياء إرث الزعامة الضائع، قبل أن يتجاهل المجلس الأمر.

قبل شهرين من عزله زار الرئيس الأسبق محمد مرسي إثيوبيا لمناقشة ملف المياه، وتشكلت لجنة وتكونت من 10 خبراء مصريين، وإثيوبيين، وسودانيين وأربعة خبراء دوليين محايدين، وكانت مهمتها فحص ومراجعة الدراسات الإثيوبية الهندسية ومدى مراعاتها للمواصفات العالمية وتأثير السد على دولتي المصب السودان ومصر، لكن المفاوضات توقفت بعد حركة الجيش في يوليو (تموز) عام 2013، لتعلن أديس أبابا بعدها بدء العمل رسميًا في بناء سد النهضة، وبدء تحويل مجرى النيل الأزرق.

 إرث الزعامة الضائع.. كيف تخلت مصر عن حُلم عبد الناصر في أفريقيا؟

 رحلة التفاوضات الخاسرة.. كيف خسرت مصر جميع أوراق الضغط؟

أثناء استضافة القاهرة الاجتماع الوزاري الذي ضم مصر والسودان وإثيوبيا بشأن دفع مفاوضات سد النهضة المتعثرة، حمّل السيسي خلال مؤتمر الشباب الي انعقد الشهر الجاري ثورة يناير، أزمة بناء سد النهضة قائلًا: «لم يكن أبدًا لإثيوبيا بناء سد على نهر النيل لولا 2011، (في إشارة للثورة المصرية).. وبعدين تقولوا يا سيسي حل الأزمة.. أنتم يا مصريين من فعل ذلك».

على جانبٍ آخر تتحمل حكومة السيسي جزءًا من سبب فشل المفاوضات بحسب الاتهام الإثيوبي الرسمي؛ فمنذ تولى الرئيس المصري الحالي الحُكم في يونيو (حزيران) عام 2014، تعامل النظام المصري مع السد على أنه واقعٌ يمكن قبوله والتعايش معه كأمر واقع لا مفر منه، والبداية كانت في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور الذي أعلن رئيس الوزراء في عهده حازم الببلاوي أن السد قد يكون مصدر رخاء لإثيوبيا والدول المُحيطة، ومنها مصر.

وحين حضر السيسي أول قمة أفريقية له في غينيا طلب من الرئيس الإثيوبي استئناف المفاوضات مرة أخرى، ليدخل السودان مرة أخرى على الخط، وتبدأ مفاوضات الدول الثلاث لتنفيذ توصيات اللجنة الدولية المشكلة في 2012  والتي خرجت بـ«توصيات هندسية» تتعلق تتعلق بارتفاع السد وسعة تخزينه، و«دراسات ميدانية» تتعلق بموائمة السد مع المياه التي يقف أمامها ونسب التسرب، بالإضافة إلى «دراسات بيئية» مرتبطة بتأثير المشروع اقتصاديًا واجتماعيًا على الدول المُحيطة.

كانت إثيوبيا في تلك الفترة تواجه أزمة تمويل السد؛ فبينما تكفّل رجل الأعمال السعودي محمد حسين العمودي بالمشاركة في النسبة الأكبر لتمويل المشروع الذي يتكلف ميزانيته نحو 5 مليار دولار، رفضت بقية الشركات الأوروبية تمويل المشروع قبل موافقة بقية الدول المُتضررة، وهي نقطة القوة وأكبر ورقة ضغط فقدتها مصر بتوقيع الرئيس السيسي  في مارس عام 2015 على وثيقة «إعلان مبادئ سد النهضة»، مع نظيره السوداني ورئيس الوزراء الإثيوبي، وتتلخص الاتفاقية بسماح الدول الثلاث ببناء السدود على نهر النيل لتوليد الكهرباء، وهو ما يعني اعترافًا مصريًا سودانيًا بشرعية بناء سد النهضة.

مصدر حكومي كشف لموقع «مدى مصر» أن العديد من الجهات الرسمية – مستشارة الرئيس لشؤون اﻷمن القومي، ومختصين سابقين في المخابرات وفي وزارات الخارجية والدفاع والري – رفعت تقارير لرئيس الجمهورية قبل توقيع الاتفاقية، مُفادها أن التوقيع عليها سيضعف موقف مصر، التي كانت تطلب من الجهات الدولية آنذاك عدم تمويل السد، سوى بعد توصل القاهرة والخرطوم وأديس أبابا لاتفاق حول كيفية ملء السد، وكذلك بعد التيقن من تفاصيل فنية تتعلق بأمن جسم السد وطبيعة التداعيات البيئية الناتجة عنه، وتأثيره على مجرى النهر ونوعية المياه فيه.

المفارقة أنّ بعد أقل من ستة أشهر على توقيع الاتفاقية انسحب المكتبان الهولندي والفرنسي من إجراء الدراسات الفنية لسد النهضة الإثيوبي بدعوى عدم وجود ضمانات لإجراء الدراسات في حيادية، ومن جهة أخرى منحت الوثيقة إثيوبيا سُلطة كاملة في بناء السد بدون ضمانات أو أية رقابة.

من التحفظات التي يُبديها خُبراء مصريون على هيكل السد هو عدم وجود فتحات تصريف للمياه في أسفله لا تمنع مرور المياه حتى لو أُغلق السد، وتوضع تلك الفتحات في قيعان سدود دول المنبع لضمان استمرار تدفق المياه إلى دول المصب دون الحاجة إلى مرورها إلى الفتحات الكهربائية، وفي الشكل الحالي للسد فان الفتحات غير موجود وتدفق المياه سيكون فقط عبر تربونات توليد الكهرباء أو الطوارئ، وهو ما يعني فعليًا توقف نهر النيل عند حدود السد الإثيوبي.

إلى أين وصل الخلاف بين البلدين حول السد؟

أعلنت إثيوبيا مؤخرًا انتهاء نحو 70% من أعمال بناء السد، تزامنًا مع الاعترافات المصرية الرسمية بفشل المفاوضات بعد ثمانية سنوات، وبحسب ما صرح به وزير الري الإثيوبي فمصر قدمت مقترح يقضي بتمديد فترة ملء خزان سد النهضة – يسع 75 مليار متر مكعب من المياه، وهو مجموع ما تحصل عليه مصر والسودان في حصة النيل – أكثر من عامين بهدف الحفاظ على منسوب المياه في السد العالي، وهو ما اعتبرته إثيوبيا بأنه سيحول السد إلى مجرد خزان احتياطي للسد العالي.

(السيسي لرئيس وزراء إثيوبيا: أقسم أنكم لن تضروا مصر)

ومن وجهة النظر المصرية فإنه كلما زادت الفترة الزمنية لملء البحيرة، التي تبلغ سعتها 74 مليار متر مكعب، كلما أمكن تقليص المخاطر المحتملة، مثل الإفراط في استهلاك المياه، وبالتالي التأثير على مناسيب المياه في البلدان المعنية.

مصر أيضًا قدمت مقترح تمديد فترة ملء خزان سد النهضة أكثر من عامين بهدف الحفاظ على منسوب المياه في السد العالي على حدود 165 مترًا، مع تدفق ما لا يقل عن 40 مليار أمر غير عملي لأنه سيجعل مهمة السد الرئيسة تعويض العجز المائي لمصر، فضلًا عن اعتباره أمرًا غير عملي.

واعتبرت إثيوبيا أن رغبة مصر في تحويل سد النهضة إلى مجرد خزان احتياطي للسد العالي لن يحقق العائد الاقتصادي المتوقع من سد النهضة، إضافة إلى أن هذه الآلية تنتهك سيادة إثيوبيا في كيفية إدارة عمليات التدفق ومراحل ملء السد، وتتنافى مع حقوقها في الاستخدام العادل لموارد النيل، لذا جاء الرد الإثيوبي بالرفض لأنه يصطدم بمتطلبات التنمية المستقبلية التي تأسست عليها فلسفة المشروع التنموي.

إثيوبيا أيضًا اتهمت مصر بالإصرار على طرح اتفاقية عام 1959 في المفاوضات، والموقَّعة بين مصر والسودان، التي تمنح بموجبها القاهرة 55.5 مليار متر مكعب سنويًا من مياه نهر النيل، بينما تحصل الخُرطوم على 18.5 مليار متر مكعب، – 90% من مياه النيل – وردت إثويبا رسميًا على المقترح المصري بأنها: «اتفاقية لا تعنيها، وأن إعادة طرحها يعتبر خطًا أحمر، ولا يمكن أن تتفاوض أديس أبابا حولها، فلا يمكن أن نتحدث عن اتفاقيات لم نكن طرفًا فيها».

كيف ستفقد مصر سيطرتها على النيل بعد اكتمال السد؟

أعلنت إثيوبيا رسميًا على لسان وزير المياه والطاقة الإثيوبي بدء إنتاج الطاقة من سد النهضة الكبير في ديسمبر (كانون الأول) عام 2020، فيما سيدخل السد الخدمة بشكل كامل بنهاية عام 2022، وبينما تنتظر إثيوبيا في ذلك الموعد بدء جني أرباح المشروع، ستكون القاهرة على موعدٍ من الأخطار والخسائر التي ستلحق بالمصريين في أيام العطش.

تتمثل أولى المخاطر البيئية في التآكل المستمر الذي تتعرض له الأراضي اليابسة في شمال الدلتا باستمرار، إذ ينخفض ​​الثلث الشمالي منها بمعدل 4 إلى 8 ملم سنويًا، نتيجة تسرب المياه المالحة إلى الأراضي التي ترتفع مترًا واحدًا عن سطح البحر.

(النيل في مصر)

بحسب دراسة نشرتها «مجلة جامعة يال» وترجمها «ساسة بوست»، فإنه إذا ارتفع سطح البحر نصفَ متر فقط – وهو ما سيحدث سريعًا إذا انخفض منسوب النيل – فإنه سيؤدي إلى غرق 19% من مساحة الدلتا؛ ويعتقد الجيولوجيون أنه بحلول عام 2100، ستكون أجزاء كبيرة من الدلتا تحت الماء، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى فقدان ثلث كمية المياه العذبة في المثلث الأخضر الذي يسكنه نحو ربع سكان مصر.

وبحسب نموذج المحاكاة الذي أعده معهد الدراسات البيئية المصري؛ بغرض رصد الآثار المتوقعة للسدّ على حصَّة مصر، فإن ما تفعله إثيوبيا الآن من شأنه أن يخفض منسوب النيل نحو 25 مليار متر مكعب من المياه، وهو يمثل لمصر تقريبًا أقل من نصف حصتها، وهي 55.5 مليار متر مكعب؛ جدير بالذكر أن مصر تعد أفقر بلدان العالم من حيث نصيب الفرد من المياه العذبة، والتي تصل إلى 660 مترًا مكعبًا لكل شخص.

وعلى الجانب الاقتصادي، فطبقًا للأرقام الرسمية المصرية، فإن خسائر سد النهضة ستكون كارثية، خاصة في ظل حالة الركود التي يعاني منها الاقتصاد نتيجة هبوط الجنيه المصري أمام الدولار؛ وتتمثل أولى الخسائر المصرية على المستوى الزراعي في خطورة فقدان نحو 6 مليون مزارع لوظائفهم من أصل 8مليون ونصف، بعد فقدان 60% من أراضيهم، نتيجة انخفاض منسوب النيل؛ إذ تساهم الزراعة بنحو 14% في الناتج القومي، أي أن الدخل القومي سيخسر نحو 9.5%.

انخفاض منسوب المياه في الصيف من شأنه أن يلحق ضررًا كبيرًا أيضًا بالمواسم الزراعية الصيفية التي تبدأ في شهور السنة الحارّة، وهو السبب الذي دفع مصر لمطالبة إثيوبيا بعدم تخزين المياه في مواسم الزراعة الرئيسة، وأن تكون في أيام السنة التي تشهد فيها مصر فائضًا في حصتها المائية، وهو ما قوبل بالرفض التام.

خطرٌ آخر تعاني منه مصر بالأساس، وهو انخفاض الطاقة الكهربية؛ وبحسب دراسة نُشرت بمجلة المجتمع الجيولوجي الأمريكي، فإن السد العالي سيفقد ثلث طاقته الكهربية، وتلك النتيجة قريبة مما نشره معهد الدراسات البيئية، حيث توقَّع أن يحدث انخفاض في الطاقة بنسبة 10% حتى عام 2040، ثم يتزايد الانخفاض حتى يصل إلى ما بين 16% و30% في الفترة ما بين عامي 2040 و2070، ثم ينتهي بالنقص الحاد في الطاقة، حتى يصل إلى ما بين 30% و45% في 2070.

إثيوبيا: كيف تُخططُ دولةٌ فقيرةٌ لتحقيقِ نموٍّ اقتصاديٍّ بمعدلات عالمية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد