*مقال للكاتبين ستيفن ايه. كوك، وحسيب جي. صباغ الزميل البارز لدراسات الشرق الأوسط لصالح مجلس العلاقات الخارجية

 

مقدمة

تواجه مصر أزمة اقتصادية عميقة، فاحتياطيات النقد الأجنبي التي تمتلكها البلاد تقل عن نصف ما كانت عليه قبل اندلاع انتفاضة يناير عام 2011، مما هدد قدرة مصر على شراء الغذاء والوقود، كما أن عجز الموازنة في مصر بلغ 14 % من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يزيد دينها العام، الذي حدث نتيجة العجز المتراكم، على الناتج الاقتصادي للبلاد، وفي هذا المناخ الاقتصادي الصعب، يعيش ما يقرب من 45 % من المصريين على أقل من دولارين في اليوم الواحد، في حين أن التضخم الذي وصل إلى 12.97 % بعد الانقلاب العسكري الذي وقع في يوليو 2013، ويبلغ حاليًا حاجز 11.4 %، بينما تنخفض إيرادات السياحة – التي تعتبر تقليديًّا مصدرًا رئيسيًّا للعملة الأجنبية جنبًا إلى جنب مع عائدات قناة السويس وتحويلات المصريين العاملين في الخارج – عن نصف ما كانت عليه في آخر سنة كاملة قبل الانتفاضة، كما جفّت عائدات الاستثمار الأجنبي المباشر عدا في قطاع الطاقة، ولا يزال معدل البطالة مرتفعًا عند حاجز 13.4 %، وتشكل الفئة العمرية بين 15 – 29 سنة نسبة 71 % من العاطلين عن العمل، ولذلك فإن هذا الضعف الاقتصادي يجعل من الصعب سياسيًّا تحديد المشاكل التي تسهم في أزمة سداد الديون المحتملة لأن الإصلاحات اللازمة ستفرض قيودًا على السكان الذي يعانون بالفعل من صعوبات اقتصادية.

ولكن على الرغم من هذه المشاكل، فإن الحالة الاقتصادية للبلاد لم تحظ باهتمامٍ كافٍ منذ انقلاب يوليو 2013 بسبب تدفق الدعم المالي من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت.

ومع ذلك لا تزال حالة الاقتصاد المصري هشة والتهديد الذي تمثله أزمة سداد الديون ما زال قائمًا، وبالطبع فإن استمرار العنف والاحتجاجات السياسية، والضبابية التي تحيط بالمشهد السياسي – حتى بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المزمع إجراؤها – فضلاً عن خليط من السياسات الاقتصادية غير المتماسكة، تنذر جميعها باستمرار التدهور الاقتصادي العام، وهذا بدوره يمكن أن يخلق حلقة مفرغة من المزيد من عدم الاستقرار السياسي والعنف والتدهور الاقتصادي، وبالتالي زيادة فرص وقوع الكارثة الاقتصادية والاضطرابات السياسية، بما في ذلك المظاهرات الحاشدة وحملات اعتقال أشد ضراوة ومعاناة لدى قيادة الدولة مما قد يؤدي إلى تفكك سلطة الدولة.

التمويل الطارئ

إن المقصود بالعجز هو عدم قدرة كيان ما – شخص أو مؤسسة أو بلد – على الوفاء بالتزاماته المالية تجاه المقرضين، ويأتي في شكلين: عجز الميزانية العمومية وعجز التدفقات النقدية.

الشكل الأول يحدث عندما تتجاوز إجمالي التزامات كيان ما قيمة الأصول التي يملكها، أما مصر فيحيط بها خطر مواجهة الشكل الثاني، وهذا يعني أنها عاجزة عن تلبية التزامات محددة مثل مدفوعات الديون المستحقة، وبالتالي التخلف عن السداد، وعلى الرغم من تنوع أسباب ذلك، فإن أزمة الديون السيادية في اليونان والتي بدأت في عام 2009 تقدم مقارنة مع دولة مثقلة بالديون كان اقتصادها الكلي يؤدي بشكل جيد في بعض الفترات، ولكن في نهاية المطاف لم تكن قادرة على الوفاء بالتزاماتها.

إن الصورة العامة للاقتصاد المصري تبعث على القلق الشديد. فاحتياطيات مصر من العملة الأجنبية تصل إلى تتراوح ما بين 16-17 مليار دولار، وليست كلها أموالاً سائلة. وهذا يعني أن مصر تقع بالضبط فوق حاجز الحد الأدنى الحرج الذي يبلغ 15 مليار دولار من الاحتياطيات الأجنبية، وهو المبلغ المطلوب لتغطية تكاليف المواد الغذائية والوقود لمدة ثلاثة أشهر تقريبًا.

الشكل رقم 1 – احتياطيات النقد الأجنبي لدى مصر

المصدر: موقع TradingEconomics.com/البنك المركزي المصري

وبسبب البيئة السياسية غير المستقرة والعنيفة، انخفضت عائدات السياحة بشكل حاد في عام 2013، وفي أوائل عام 2014، قال وزير السياحة هشام زعزوع لصحيفة الحياة إن “عام 2013 كان أسوأ عام على الإطلاق لصناعة السياحة في مصر”، كما تراجع الاستثمار الأجنبي والمحلي، بالمقارنة مع السنوات الخمس التي سبقت انتفاضة يناير 2011. بالإضافة إلى ذلك، أعلن البنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة دون سابق إنذار في أواخر عام 2013، كجزء من جهود تحفيز الاستثمار المحلي/ وهذا يعد جيدًا من الناحية الاقتصادية، ولكنها خطوة يحتمل أن تكون تضخمية أيضًا، بما يسبب الضغط على العملة والاحتياطيات الأجنبية وكذلك على المستهلك المصري.

ويبلغ حجم الدين الحكومي 89.2% من الناتج المحلي الإجمالي بينما يبلغ الدين العام أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المهم أن نلاحظ أن الدين القومي والعجز المالي يعتبر إشكالية خاصة بالنسبة لمصر بسبب تصنيف ديونها (على الرغم من أنه تمت ترقيتها مؤخرًا من CCC+ إلى B-)، وخلافًا للولايات المتحدة وألمانيا وكندا – فكل من الدول الثلاث لديها مستويات عالية من الديون – فمن المكلف بالنسبة لمصر أن تقوم بتمويل عجزها وديونها من خلال الاقتراض، ونتيجة لذلك، موّلت مصر عجزها من خلال الاقتراض المحلي من بنوك القطاع العام والبنك المركزي، ووفقًا لتصنيفات مؤسسة فيتش “تبلغ مطالبات البنوك على حساب الحكومة 67 ٪ من إجمالي الأصول البنكية”.

ومباشرة عقب الإطاحة بمحمد مرسي، سددت المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت مبلغ 12 مليار دولار لمصر، كما سددت دول الخليج 8 مليارات دولار إضافية اعتبارًا من مطلع عام 2014، كما يمكن للمصريين أيضًا الاستفادة من منحة قدرها 8.8 مليارات دولار من دول مجلس التعاون الخليجي والتي يعود تاريخها إلى أوائل التسعينيات، وكان الغرض من هذه المساعدة توفير دعم للميزانية وتجديد احتياطيات العملات الأجنبية ومشاريع البناء والتمويل ودفع عجلة إنتاج الأدوية وإتاحة الموارد النفطية (على الرغم من استمرار تقنين الوقود).

ورغم ذلك، فجميع هذه الموارد التي قُدمت كمساعدات من دول الخليج إلى مصر لم تكن سوى حد أدنى من المساعدة، فعلى سبيل المثال، لا تزال هناك فجوة سنوية تقدر بـ10 مليارات دولار في تمويل العجز الحكومي، وثمة سببان وراء عدم قدرة المزيد من الدفعات المالية من المانحين الأجانب على إصلاح المشاكل الاقتصادية في مصر؛ أولهما: من خلال تمويل الإنفاق الجديد عبر المنح المقدمة من الخليج، وبهذا الشكل ترحّل مصر المشاكل المالية إلى المستقبل القريب.

ثانيهما: هو أن تلقِّي المزيد من المساعدات سيغطي على المشاكل التي تضرب بجذورها في السياسات الاقتصادية الغير عقلانية والمتضاربة، هذه السياسات – التي تشمل دعم المواد الغذائية والوقود والتي تمثل قطاعًا قويًّا لا يزال مملوكًا للدولة، فضلاً عن السياسة الضريبية التي لا تنتج ما يكفي من الإيرادات – هي الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى نزف الحكومة لما يقدر بمليار إلى 1.5 مليار دولار من احتياطياتها هذه شهريًّا تُدفع لتلبية الاحتياجات الحرجة والدفاع عن العملة، وتمثل هذه السياسات ضغطًا كبيرًا على ميزانية الحكومة، والإعانات على سبيل المثال، تمثل 29.67% من النفقات الحكومية.

الشكل رقم 2 – حجم الإعانات في السوق المصري

المصدر: وزارة المالية المصرية، تم الحصول عليها في 3 مارس 2014 https://www.mof.gov.eg/

ومع ذلك، فإن حالة عدم اليقين السياسي السائد في مصر يجعل من الصعب على الحكومة إجراء إصلاحات ذات مغزى. على سبيل المثال، يشكل جمود نظام الدعم في مصر عنصر حسم في شبكة الأمان الاجتماعي المصري ووسيلة هامة للسيطرة السياسية، وقد يؤدي إجراء تغييرات جوهرية في خريطة الدعم إلى مخاطر وقوع مظاهرات حاشدة مشابهة لمظاهرات الخبز عام 1977، والتي اندلعت بعد أن اقترح الرئيس الراحل أنور السادات تعديلات على دعم المواد الغذائية بما يتفق مع التوصيات الصادرة عن صندوق النقد الدولي.

وعلى الرغم من التعهدات بالحد من العجز في ميزانية الحكومة إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي (والذي بلغ 14%من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2012 – 2013)، فقد عمد المسؤولون المصريون إلى زيادة الإنفاق، وقد شمل ذلك برنامج تحفيز وإدخال حد أدنى لأجور العاملين في القطاع العام، ومع ذلك، سيكون من الصعب خفض العجز في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة استخدام سياسة مالية توسعية، فالحد الأدنى للأجور الجديد البالغ 172 دولارًا شهريًّا وضع المزيد من الضغوط على الميزانية، وبالمثل فإن حزم التحفيز الاقتصادي الإضافية ستؤدي أيضًا إلى زيادة العجز، وقد يكون وجود سياسة مالية توسعية أمرًا ضروريًّا، ولكن المصريين لم يكن لديهم وسيلة لتمويل ذلك، بالإضافة إلى ذلك، فعلى الرغم من الكثير من النقاش حول إصلاح الدعم وحدوث بعض التقدم في وسائل متواضعة لاختبار دعم الطاقة، فإن الجهود المبذولة لمعالجة هذه المشكلة الكبرى تعتبر نظرية أكثر منها حقيقية، بالإضافة إلى استمرار التشوهات في الأسواق من أجل الخبز والفاكهة والخضروات، ولكن من غير المرجح أن تكون موجهة لأسباب سياسية، هذا النوع من السياسات المخصصة يهدف أكثر إلى تهدئة مؤقتة للمصالح المختلفة بدلاً من تدشين الاستدامة الاقتصادية وهي تمثل علامة على عدم قدرة قادة الدولة على وقف التدهور الاقتصادي في مصر.

إن مشكلة الاحتياطيات الأجنبية في مصر تتفاقم بسبب حساسية البلاد للتغيرات في أسعار السلع الأساسية، نظرًا لأنها تستورد النفط الخام والغاز الطبيعي وهي أكبر مستورد في العالم للقمح.

لننظر على سبيل المثال للارتفاع غير العادي في أسعار القمح، والذي له أهمية حاسمة بالنظر إلى التزام الحكومة المصرية بدعم الخبز، وقد تؤدي صدمة خارجية مثل الجفاف والحرارة الشديدة وحرائق الغابات وعدم الاستقرار السياسي أو أي سبب آخر يؤدي إلى ضعف المحصول لدى كبار منتجي القمح العالميين مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وأوكرانيا وروسيا إلى زيادة كبيرة في الأسعار العالمية للقمح، مما يضع عبئًا إضافيًّا على وزارة المالية المصرية.

صدمة محتملة أخرى هي الانخفاض السريع في قيمة الجنيه المصري، والذي يحدث بسبب أي عدد من العوامل بما في ذلك قرار البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة، تحرك الجهات المانحة الأجنبية لتقليل (وليس إنهاء) المساعدات المالية للقاهرة، أو حدث سياسي غير متوقع قد يشجع المصريين على تغيير الجنيه إلى دولارات، ومع انخفاض الاحتياطيات الواقعة تحت تصرفه، فإن البنك المركزي المصري سيواجه ضغطًا هائلاً في الدفاع عن العملة، مما سيؤدي إلى التضخم.، وفي ظل هذه الظروف، فقد تضطر مصر لطباعة المال، وهو ما من شأنه أن يفاقم الضغوط التضخمية المرتبطة الاستهلاك.

لا يؤدي وقوع حدث واحد وحده إلى أزمة في سداد الديون، ولكن يمكن لعوامل سياسية واقتصادية متعددة موجودة بالفعل أن تجعل مصر تتخلف عن السداد، ويبدو أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت على استعداد لضمان للتكفل بديون مصر مع وضع عدد قليل من الشروط أو القيود، ورغم ذلك، فقد لا يكون الدعم الخليج دائمًا على المدى الطويل، وذلك في حالة ما إذا ثبت أن الاحتياجات المالية لمصر أكبر مما كان متوقعًا، أو تطورت الخلافات السياسية مع القاهرة، أو تغيرت أولويات السعوديين والإماراتيين والكويتيين، أو إذا واجهت أي من الدول الخليجية الثلاثة ضغوطًا مالية أو سياسية خاصة بهم، فمن شأن تخفيض أو تعليق المساعدات أن يعجل بالتأكيد من أزمة سداد الديون، ومع ذلك، فإن أكثر ما سيُبقي على عجز السداد هو استمرار السياسات الاقتصادية الحالية، والتي تضع ضغوطًا كبيرة ولا يمكن تحملها في نهاية المطاف على الموارد المالية للبلاد.

قد يتمتع المصريون بفترة راحة مع الانتخابات الرئاسية المقبلة ويمكن بث شعور زائف “بتحول المسار”، وفي الوقت الذي تواصل فيه الحكومة المصرية اتباع سياسات مالية ونقدية غير متماسكة، فإن وضع احتياطي النقد الأجنبي يتدهور، مما يجعل مصر معسرة، وقد تبدأ هذه الأزمة على المدى الطويل، ولكن من المرجح أن تظهر آثاره بسرعة، ومجددًا سيصبح المصريون عاجزين عن شراء الوقود والأدوية والمواد الغذائية الأساسية والسلع الهامة الأخرى، يمكن لمثل هذا الوضع جذب أعداد كبيرة من الناس إلى الشوارع لمعارضة للحكومة.

ونظرًا لميل الأجهزة الأمنية الداخلية لمصر للرد على المظاهرات بكثير من القوة – وهو ما قد يشجع الناس على الانضمام للاحتجاجات – فقد تنتشر المسيرات في جميع أنحاء البلاد، وقد تطغى هذه الحالة الثورية على الحكومة، ولكن هذه المرة ستزيد الصعوبة بالنسبة للجيش للحفاظ على الاستقرار والسيطرة على الدولة، ومن المرجح أن تلجأ دول الخليج إلى تقديم الدعم المالي إلى القاهرة لتجنب هذه النتيجة، ومع ذلك فإن دفعات المساعدات لن تُحل أو تخفف من وطأة الآثار السلبية للسياسات الاقتصادية التي أدت إلى أزمة في سداد الديون.

نواقيس الخطر

من شأن نواقيس الخطر التالية أن تساعد المسؤولين الأمريكيين وغيرهم من المراقبين على تحديد ما إذا كانت مصر تواجه أزمة سداد ديون وشيكة:

  • – تشدد الحكومة السيطرة على العملة: إذا أقدمت الحكومة على منع الأفراد والشركات من نقل كميات معينة من العملة الصعبة خارج مصر، فسيشكل ذلك إشارة واضحة على أن المسؤولين المصريين يشعرون بالقلق من الحالة المالية للبلاد، وبدءًا من يناير 2014، سُمح للأفراد بنقل ما يصل إلى 100.000 دولار من العملة الصعبة إلى خارج البلاد، وهو تخفيف للقيود السابقة التي وُضعت خلال المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي قاد البلاد في الفترة الانتقالية بعد الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك الذي حدد التحويلات بمبلغ 100.000 دولار على مدى العمر، وقد ترك المسؤولون المصريون باب إمكانية تغيير ضوابط سعر الصرف في عام 2015 مفتوحًا، ومن شأن تشديد القيود الحفاظ على احتياطيات العملات الأجنبية، ولكن ذلك سيكون على حساب إخافة المستثمرين الحاليين والمحتملين.
  • – عملت الحكومة على إعادة هيكلة ديونها مما يضطر البنوك لشراء أدوات الدين: إن إعادة هيكلة الدين الحكومي يتطلب الحكومة المصرية القيام بإجبار البنوك على استبدال الديون القديمة بديون جديدة أو فرض ضرائب جديدة على عوائدها؛ حيث إن فرض إعادة هيكلة الديون على البنوك يضع ضغوطًا إضافية على القطاع المالي في مصر.

     

    بالإضافة إلى ذلك، فإن المدى الذي ستبلغه السلطات في إجبار البنوك على شراء السندات وأذون الخزانة لتمويل العجز، أو تمويل البنك المركزي المصري لمشتريات الحكومة، يشير إلى أن البلاد تقترب من أزمة سداد في الديون.

  • – ارتفاع أزمة المستحقات المتأخرة في مصر: ينبغي على المراقبين أن يعطوا اهتمامًا كبيرًا لأزمة المستحقات المتأخرة في مصر، فارتفاع الديون المتأخرة على القاهرة ربما يكون أوضح مؤشر على أن مصر تتجه نحو أزمة مالية طاحنة، وارتفاع المستحقات المتأخرة قد يكون نتيجة لتسوية التزامات معينة قبل الآخرين، لكنه لا يشير إلى أن التأخر في السداد احتمال قوي.
  • – أظهرت مصر فجأة اهتمامًا بالتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وتعول الحكومة المصرية على المساعدات الخليجية لتعويم الاقتصاد. بالإضافة إلى ذلك، فإن اتفاق صندوق النقد الدولي هو اقتراح صعب من الناحية السياسية للقاهرة. وبالتالي، فإنه على الرغم من توقيع الاتفاق مع الصندوق يبدو من الخارج خطوة جيدة، فهو أمر صعب من الناحية السياسية. وفي ظل هذه الظروف، فإن الاهتمام المصري المفاجئ بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي يشير إلى أن القاهرة قلقة حيال أزمة سداد الديون.

الآثار المترتبة على المصالح الأمريكية

إن أزمة الديون في مصر تضر بمصالح الولايات المتحدة، وتهدد سلامة المواطنين الأمريكيين والممتلكات التابعة للولايات المتحدة، وتعرض أصول الولايات المتحدة للخطر، فقد قامت أكبر مستثمر أمريكي في مصر، شركة أباتشي كوربوريشن للتنقيب عن النفط وإنتاجه ومقرها هيوستون، بتقليص وجودها في مصر عن طريق جلب شركة سينوبك كشريك في أواخر عام 2013، كما انخفضت حصة مصر الإجمالية من الإنتاج الشامل لشركة أباتشي من 26 إلى 16 في المائة، بينما لا تزال الشركات متعددة الجنسيات الكبيرة الأخرى مثل كوكا كولا تعمل في مصر مع قليل من العقبات، ولكن الأزمة الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي الذي يصاحبها قد يؤثر سلبًا على تلك الشركات.

كما أن الانهيار في مصر سيؤثر أيضًا على القوات الأمريكية والموقف العسكري في الخليج الفارسي، فالبحرية الأمريكية تتمتع بامتياز العبور المعجل عبر قناة السويس، بالإضافة إلى ذلك، فإن عبور طائرات سلاح الجو الأمريكي اليومية فوق الأجواء المصرية في طريقها إلى الخليج يمكن تقليصها أو وقفها نتيجة لانهيار الدولة المصرية. وأخيرًا، فإن الولايات المتحدة وغيرها من الأطراف المعنية، بما في ذلك الدول الأوروبية والخليجية، ستواجه أزمة إنسانية كبرى في مصر، الأمر الذي سيسبب متاعب في تأمين الضروريات الأساسية لـ86 مليون نسمة.

إن الانهيار الاقتصادي الناجم عن الإعسار والتداعيات السياسية اللاحقة له في مصر تهدد أيضًا الأمن الإسرائيلي، فمنطقة شمال سيناء؛ حيث يقاتل الجيش متمردين مجهولين، أصبحت نقطة انطلاق لشن هجمات على مدن وبلدات في جنوب إسرائيل، وإذا سبب أحد هذه الهجمات قتل أو جرح أعداد كبيرة من الإسرائيليين، فإن ذلك سيجبر الإسرائيليين على الرد، مما قد يحتمل المساس بمعاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية التي هي ركيزة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

بدائل احترازية

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لديها مشاكل مالية خاصة بها، فإنه لا يزال بمقدورها متابعة العديد من التدابير المنفصلة التي يمكن أن تساعد في منع وقوع أزمة الديون المصرية ويحتمل أن تمنع الانهيار الاقتصادي في مصر.

  • – توفير ضمانات القروض: فيمكن للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وحلفائهم من الآسيويين تجميع الموارد وتقديم ضمانات قروض لمصر، فقد اتبعت الولايات المتحدة بنجاح سياسة مماثلة في الأردن، فضمانات القروض تقدم اثنين من فائدتين رئيستين للجهات المانحة والمتلقية: فهي وسيلة فعالة للاستفادة من كميات كبيرة من المال مع التزام محدود من الموارد – ما لم تتخلف مصر عن السداد – كما تسمح للقاهرة بالاقتراض في الأسواق التجارية بمعدل فائدة منخفض بشكل كبير عن ما ستكون دولة ذات تصنيف B- قادرة على الحصول عليه، وبالنظر إلى حساسية الولايات المتحدة من تقديم ما يعتبره البعض “شيكًا على بياض” للمصريين، فلا بد أن هناك حاجة إلى أن يكون هناك اتفاق مسبق مع القاهرة يقضي بأن القروض سوف تستخدم لتحقيق أقصى مصلحة لمصر، وتحديدًا المواد الغذائية والوقود والدواء، وهناك أيضًا بعض المشاكل العملية المرتبطة بضمانات القروض. فهذه الضمانات تنطوي على النفقات التي تتطلب الحصول على إذن من الكونجرس الأمريكي وخفض الإنفاق اللاحق لتعويض الموارد التي تنفق لضمان قروض مصر. بالإضافة إلى ذلك، وحتى مع دعم الولايات المتحدة وأوروبا والصين واليابان وكوريا الجنوبية وجهات اقتصادية عالمية أخرى فاعلة، فإن قدرة مصر على الاقتراض من الأسواق التجارية مع تصنيفها الضعيف يمثل تحديًا كبيرًا.
  • – تقليل الديون: بلغ حجم الدين الخارجي لمصر 47 مليار دولار أمريكي بنهاية يناير عام 2014، من بينها 3.5 مليارات دولار تستحق للولايات المتحدة. هذا الدين الخارجي يعتبر ضئيلاً نسبيًّا كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة مع الدين الداخلي.

     

    ومع ذلك، فإنه قد يبعث بإشارة هامة إلى أصحاب الديون المصرية إذا اتخذت الولايات المتحدة خطوات لتخفيف العبء المالي على القاهرة، ففي عام 2011 سعت الولايات المتحدة إلى “مبادلة” الديون المقومة بالدولار الخاصة بمصر والسماح بدفعها بالجنيه المصري وهو ما من شأنه أن يستخدم بعد ذلك لدفع برامج مثل التعليم وتوفير فرص العمل للشباب، وقد أُلغِيَ هذا المخطط على خلفية اعتراضات من الحكومة المصرية، ولكن إدارة أوباما اقترحت مبادلة الديون لأسباب جيدة، وذلك لتشجيع المصريين على الاستثمار في المناطق التي هي في حاجة ماسة إلى الموارد وستفيد مصر في المستقبل.

     

    وبالنظر للتطورات الحاصلة خلال السنوات الثلاث الماضية وحالة الاقتصاد، فإن التخفيف من وطأة الديون المصرية للولايات المتحدة ما زالت تخطو بحذر، ومن المهم أن نلاحظ أن تخفيف عبء الديون، مثل ضمانات القروض، يتطلب تفويضًا من الكونجرس وخفض الإنفاق لتعويض هذه المساعدة، على الرغم من أن هذه المساعدة ستكون أقل من مبلغ الدين.

  • – سداد الديون المحلية: يجب على الولايات المتحدة أن تشجع المصريين على استخدام المساعدات الخارجية لسداد الدين المحلي العام، والذي يقف عند حاجز 240 مليار دولار بدلاً من زيادة الإنفاق على الإعانات والحد الأدنى للأجور وحزمة التحفيز التي لا تملك القاهرة وسيلة لتمويلها.
  • – المحافظة على مستوى خدمات الكهرباء: على الرغم من أن الأزمة لم تكن حادة كما كانت في الربيع وأوائل الصيف من عام 2013، فإن انقطاع التيار الكهربائي وأزمة نقص الوقود في مصر مستمرة، في أوائل شهر يونيو عام 2013، وقع السعوديون والمصريون اتفاقًا لتبادل الطاقة من خلال ربط شبكات الكهرباء بين البلدين، وهذه تعتبر خطوة نحو تخفيف الأزمة، ولكن المشروع سيستغرق سنتين إلى ثلاث سنوات حتى يكتمل، وقد ساعدت عمليات نقل الوقود من الخليج منذ الانقلاب في تخفيف المشكلة، ولكن لا يزال الطلب مرتفعًا وإنتاج مصر من الغاز الطبيعي يتراجع، وبدلاً من ترك المشكلة للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، يمكن للولايات المتحدة أن تنشئ مجموعة من المانحين الدوليين لتسهيل استيراد مصر للغاز الطبيعي اللازم لتوليد الكهرباء، وتحرير أموال الميزانية للتركيز على ما يهدد تحقيق الاستقرار الاقتصادي في مصر على المدى الطويل. ومجددًا، قد يكون الكونجرس الأمريكي مترددًا في مساعدة مصر في هذا الشأن نظرًا للحاجة إلى إجراء تخفيضات في الميزانية لأي نفقات جديدة.

بدائل تخفيف حدة الأزمة

في حال تخلف مصر عن سداد ديونها، فإن الولايات المتحدة لديها العديد من الخيارات للتخفيف من العواقب والحد من احتمال الانهيار السياسي في البلاد والمشاكل الإستراتيجية والإنسانية الملازمة لها.

  • – دعم الجيش: في حالة حدوث أزمة في سداد الديون والعواقب السياسية المصاحبة لها، فمن المرجح أن الجيش سيتدخل في السياسة، وينبغي على الولايات المتحدة تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي للقيادة العليا لمنع تحول مصر إلى دولة فاشلة. وهذا يعني الاعتراف بأي حكومة جديدة تنتج من مثل هذا التدخل واستخدام نفوذ واشنطن الدبلوماسي مع حلفائها في المنطقة وأوروبا وآسيا لدفعهم نحو فعل الشيء نفسه. كما أن ذلك سيتضمن أيضًا دعمًا اقتصاديًا إضافيًا.

    ولا يزال الدعم الأمريكي للجيش المصري فضلاً عن رد واشنطن على الانقلاب العسكري الذي وقع عام 2013، يثير الجدل في كل من مصر والولايات المتحدة. ومع ذلك، فالحقيقة غير السارة هي أن القوات المسلحة لا تزال المؤسسة الوطنية الوحيدة الحقيقية التي تمتلكها مصر. فالطبقة السياسية المدنية تفتقر إلى الحيوية ووزاراتها الحكومية الأخرى تعمل بالكاد وتتحكم بموارد قليلة. وفي حالة الإعسار، فإن الضباط يكونون القوة الوحيدة المنظمة نسبيًا والمتماسكة والقادرة على منع الانزلاق إلى الفوضى.

  • – توفير دفعات فورية من المساعدة المالية: يمكن للولايات المتحدة أن تنشئ مجموعة اتصال مع مصر بحيث يمكن للبلدان الغنية تقديم مساعدات مالية فورية لها، وتشمل المجموعة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الآسيوية الكبرى ودول الخليج.

     

    وكما ذكر أعلاه، يمكن أن تواجه مصر أزمة سداد ديون حتى مع تلقي المساعدات من الدول الغنية في الخليج، وهو ما يحمل بقية العالم مسئولية حشد المزيد من الموارد لتعويم الاقتصاد المصري.

  • – استعادة المعونة الغذائية: توقف تقديم المساعدات الغذائية إلى مصر في عام 1992؛ لذا يمكن إعادتها من جديد؛ حيث إن لدى مصر حساسية خاصة للتغيرات في أسعار القمح العالمية، وفي الواقع بين عامي 2009 و2011، زاد انعدام الأمن الغذائي في مصر بنسبة 3% وسيؤدي الانهيار الاقتصادي فقط إلى زيادة انعدام الأمن الغذائي.

توصيات

إن لدى الولايات المتحدة أدوات دبلوماسية واقتصادية محدودة تقع تحت تصرفها لمساعدة المصريين، وحتى إذا جلبت واشنطن مليارات للتأثير على الصعوبات الاقتصادية في مصر، فإنها لن تفعل شيئًا يذكر لتخفيف المشاكل الاقتصادية الأساسية التي تضع البلاد في خطر الدخول في أزمة سداد الديون، والأمر متروك للمصريين لإجراء إصلاحات لتجنب هذه النتيجة.

وبالنظر إلى حقيقة أن المصريين لم يفعلوا شيئًا يذكر في هذا الصدد، فإن احتمال وقوع الأزمة منطقي تمامًا، وبالتالي فإن الولايات المتحدة لديها مسؤولية إستراتيجية لبذل كل ما في وسعها مع مصر لمنع أسباب الأزمة والعواقب السياسية المصاحبة لها، وبالإضافة إلى تنفيذ التدابير الوقائية المبينة أعلاه، يجب على إدارة أوباما القيام بما يلي:

  • – العمل مع الكونغرس الأمريكي لدعم مصر بمساعدات إضافية: هناك معارضة في الكونجرس لفكرة زيادة المساعدات لمصر، ولكن الـ250 مليون دولار المخصصة للدعم الاقتصادي تعتبر مبلغًا تافهًا بالمقارنة مع احتياجات مصر، ومجددًا، لن تحل أموال إضافية المشاكل الاقتصادية في مصر من تلقاء نفسها، لكنها ستعطي صانعي السياسة المصرية الوقت لإجراء إصلاحات مثيرة للجدل سياسيًّا.

     

    من الناحية المثالية، فإن الولايات المتحدة تربط هذه المساعدات الجديدة بالإصلاح الاقتصادي الذي تشتد الحاجة إليه، هذا من غير المرجح أن يفلح بالنظر إلى أن المساعدات الخليجية متاحة من دون شروط مسبقة واضحة، ولهذا السبب يجب على واشنطن تركيز جهودها الدبلوماسية على إقناع الدول العربية الغنية وغيرها على تشجيع القاهرة لإجراء إصلاحات ذات مغزى، ومع ذلك، يجب على إدارة أوباما والسلطة التشريعية النظر إلى مصر على المدى الطويل؛ ففي حين أن وضع الأقباط في مصر والتزامات الحكومة بحقوق الإنسان والديمقراطية، وعلاقات مصر مع إسرائيل تعد عناصر مهمة، فهي تعتبر ثانوية بالنسبة إلى أزمة الديون التي تهدد بانهيار مصر، والتي من شأنها أن تؤثر بالتأكيد على كل القضايا التي أعرب الكونغرس عن قلقه حيالها.

  • – تدشين مجموعة مراقبة مشتركة للأزمة المصرية: يتعين على كل من وزارة الخارجية الأمريكية، ووكالة الاستخبارات المركزية، ووزارة الدفاع ووزارة الخزانة زيادة مراقبتهم للاقتصاد المصري من أجل الاستعداد بشكل أفضل للرد على الأزمة المصرية، وستكون لهذه المجموعة المشتركة بين الوكالات أهمية خاصة بالنظر إلى أن الحكومة المصرية لا تميل إلى إصدار بيانات اقتصادية دقيقة، ويجب على الولايات المتحدة تبادل المعلومات والاستنتاجات مع الحكومات الصديقة التي تلتزم أيضًا بمنع حدوث أزمة ديون في مصر.
  • – حث الآخرين على القيام بدورهم: يتعين على الولايات المتحدة الاستعداد للحظة التي ستطغى فيها المشاكل الاقتصادية في مصر على المساعدات في منطقة الخليج وأن تستخدم نفوذها الدبلوماسي في أجزاء أخرى من العالم لتأمين مساعدات إضافية لمصر.

     

    ثمة دول في آسيا وأوروبا يترددون في الالتزام بتقديم دعم إلى القاهرة دون إصلاح السياسة المصرية وهو أمر مفهوم، وهو ما يحتم على واشنطن أيضًا أن تشجع المسؤولين المصريين لاستئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وينبغي للصندوق أن يلعب دورًا هامًّا في مساعدة الحكومة المقبلة لإعادة رسم العقد الاجتماعي في مصر بطريقة مقبولة سياسيًّا في الداخل ويمكن أن تحظى بدعم قويّ من بقية العالم. ومحور هذه الخطة هو تطوير جسر لنظام جديد أفضل للإعانات مع توفير شبكة أمان لأولئك الذين لم يعودوا مؤهلين للحصول على السلع المدعومة وخطة أخرى تدشن آلية شفافة ومنتظمة من الأسعار والتغييرات في سياسة الدعم، وبالتالي تقليل مفعولهم الضار على السياسية. وهذا يعني أن المانحين الأجانب سوف يحتاجون إلى قبول تخفيض الإعانات بشك أبطأ في إطار برنامج برعاية صندوق النقد الدولي من أجل زيادة احتمال إحراز المصريين تقدمًا بشأن الإصلاحات بطريقة منسقة وأكثر تماسكًا.

استنتاج

تقترب مصر بشكل خطير من أن تصبح دولة معسرة، وعلى الرغم من المساعدات الخليجية، فإن تشكيلة الاحتياجات الاقتصادية للبلاد وموروثات السياسات الاقتصادية غير المتماسكة التي اتبعتها القاهرة في الماضي فضلاً عن استمرارها اليوم، والتحديات السياسية للإصلاح الاقتصادي واحتمال حدوث صدمات اقتصادية خارجية تجعل حدوث أزمة الديون احتمالاً كبيرًا، ويتعين على الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج الفارسي وأوروبا وآسيا الاستعداد لهذه النتيجة، ويركز الاهتمام المتزايد بهذه المسألة بين واضعي السياسات والخطط الموضوعة لمنع أو تخفيف عواقب تخلف مصر عن السداد أساسًا لدفعات إضافية من المساعدات. وبالتأكيد سيساعد هذا مصر على لشراء الغذاء والوقود والسلع الحيوية الأخرى، ولكن المساعدات الخارجية لن تحل المشكلة. بل في أحسن الأحوال، فإنها ستعطي صناع السياسة المصرية الفرصة لالتقاط الأنفاس، وبالتالي تمنحهم فرصة لإجراء إصلاحات اقتصادية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد