وافق، مساء أول أمس الجمعة،  صندوق النقد الدولي على إقراض مصر  12 مليار دولار، وتطرح تلك الموافقة عدة تساؤلات حول ماهية الحدث، وأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وخلفية المساعدات والقروض التي حصلت عليها مصر خلال الفترة الأخيرة، وتاريخ مصر مع صندوق النقد الدولي.

1. ما الذي حدث؟

بعد ثلاثة شهور من الموافقة الأولية ، وافق مساء الجمعة الماضي، صندوق النقد الدولي بشكل نهائي على إقراض مصر، قرضًا قيمته 12 مليار دولار، على مدار ثلاث سنوات، وأفاد الصندوق في بيان صحافي له انه سيعطي شريحة أولى من القرض، تبلغ  قيمتها 2.75 مليار دولار فورًا، على أن تتسلم مصر المبلغ الباقي على مراحل «رهنًا بخمس مراجعات في تلك الأثناء» للسياسات المطبقة.

وذكر صندوق النقد الدولي، أن موافقته جاءت «لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي وضعته السلطات المصرية»، وتهدف إلى «وضع عجز الموازنة والدين العام على مسار تنازلي، وإعطاء دفعة للنمو مع توفير الحماية لمحدودي الدخل».

وتأتي هذه الموافقة النهائية، بعد أيام قليلة من توصية مديرة صندوق النقد الدولي «كريستين لاجارد» المجلس التنفيذي للصندوق بالموافقة على طلب مصر، وقالت «على مدى الأشهر القليلة الماضية، شرعت السلطات المصرية في تنفيذ برنامج إصلاح طموح لوضع اقتصاد البلاد على مسار مستقر ومستدام، وتحقيق نمو يوفر الوظائف»، مُضيفة « تحرير سعر الصرف واعتماد المرحلة الثانية من إصلاح دعم الوقود كانا من التدابير الهامة في أجندة الإصلاح».

وقبل الموافقة النهائية بأسبوع، عوّمت مصر الجنيه في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) بتحرير  سعر صرفه وفقًا للعرض والطلب؛ لتنخفض قيمته الشرائية بنسبة 48%، وفي نفس اليوم، خفصت الحكومة دعم الوقود ليرتفع سعره بنسبة تتراوح بين 30% إلى 46%،  كما جمعت مصر ستة مليار دولار. وجاءت تلك القرارات الحكومية امتثالًا لشروط الصندوق؛ لقبول الطلب المصري بالقرض.

2. كيف سيؤثر القرض على الاقتصاد المصري؟

بعد الإعلان عن الموافقة النهائية للصندوق لإقراض مصر، رفعت وكالة ستاندرد آند بورز من التصنيف السيادي لمصر من سلبي إلى مستقر. وربطت الوكالة بين رفع تصنيف مصر السيادي بالقرض، وقالت في بيان لها «إنها راجعت نظرتها لمصر؛ بعد أن مدّ صندوق النقد الدولي خطوط ائتمان لتلبية احتياجاتها من العملة الأجنبية للعام القادم».

وأضافت الوكالة «إن تصنيفها السيادي لمصر في الفترة القادمة، سيظل مربوطًا بمراقبة الفجوة الكبيرة في عجز الموازنة، والدين الداخلي الكبير، ومعدلات الدخول المنخفضة». وأشادت بتعويم مصر للجنيه، متوقعةً أن يتخطى الدخل القومي لمصر 4% بحلول عام 2019.

وتمثل خطوة الوكالة برفع التصنيف السيادي لمصر هي أول خطوة ملموسة على أرض الواقع بعد القرض، الذي أعقبه موجة من التوقعات المتفائلة في أغلبها لتأثير القرض على الاقتصاد المصري، بحسب طرفي الاتفاق: صندوق النقد من جهة، والحكومة المصرية من جهة أخرى.

إذ رأى الصندوق، في بيان له أعقب التوقيع على القرض، أن تعويم الجنيه سيعمل على «تحسين تنافسية مصر ودعم الصادرات والسياحة وجذب الاستثمار الأجنبي». وتوقع بأن تساعد الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في برنامجها الإصلاحي «إعادة بناء البنك المركزي لاحتياطاته الدولية»

وتوقع  الصندوق زيادة الإيرادات الضريبية بنسبة 2.5% من إجمالي الناتج المحلي على مدى فترة البرنامج،  وبالأخص بعد تطبيق ضريبة القيمة المضافة في أغسطس (آب) الماضي، كما توقع الصندوق في المقابل تخفيض النفقات الأولية بنسبة 3.5% بعد تخفيض الدعم واحتواء فاتورة الأجور. ومن ناحية أخرى، لم ينكر الصندوق استمرار ارتفاع معدلات التضخم، وقال إنه يتوقع ارتفاع نسبة التضخم من 14% في العام المالي 2015- 2016، إلى 16.6% مع نهاية العام المالي الجاري 2016- 2017.

وفي سياق متصل، قال رئيس الوزراء المصري «شريف اسماعيل»، أمس السبت: إن نسبة الدين العام في الموازنة العامة الحالية ارتفعت لتتراوح ما بين 95 و100% من إجمالي الناتج المحلي، بعدما كانت تمثل 79% من إجمالي الناتج المحلي عام 2009- 2010 .

وقال إسماعيل: إن برنامج الاصلاح الاقتصادي يستهدف تخفيض نسبة الدين العام من إجمالي الناج المحلي، لتتراوح بين 85% لـ90%، ويستهدف أيضًا زيادة معدلات النمو بنسبة 6% خلال السنوات المقبلة، وخفض معدلات البطالة والفقر.

3. وماذا عن الديون؟

يأتي القرض الأخير الذي حصلت عليه مصر من صندوق النقد الدولي، وسط حزمة من القروض التي وافقت مصر عليها، خلال الأشهر الماضية، بعد مساعدات خليجية ضخمة حصلت عليها مصر خلال السنوات الماضية، في ظل تأزم وضع الاقتصاد المصري ومعاناته من الدين الخارجي، وانخفاض قيمة الجنيه المصري، مع ارتفاع قيمة الدولار، في ظل تعثر مصادر العملة الصعبة، سواء كانت من السياحة أو قناة السويس، أو من الاستثمارات الأجنبية أو تحويلات المصريين العاملين بالخارج.

ففي التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلنت «سحر نصر» وزيرة التعاون الدولي، تسلم مصر مليار دولار كدفعة أولى من إجمالي قرض تبلغ قيمته ثلاثة مليار دولار، من البنك الدولي، يُقدمه للقاهرة على مدار ثلاث سنوات؛ لدعم برنامج الحكومة الاقتصادي.

وقد شمل الاتفاق بين الحكومة المصرية والبنك الدولي، عدة شروط وإجراءات اقتصادية، من أبرزها: رفع الدعم عن الطاقة، واعتماد ضريبة القيمة المُضافة، وخفض الإنفاق الحكومي، وفاتورة رواتب القطاع العام، وفتح المجال لخصخصة قطاع الكهرباء.

وفي مايو (أيار) الماضي، أصدر السيسي قرارًا جمهوريًّا بالموافقة على اقتراض مصر من الحكومة الروسية قرضًا بلغت قيمته 25 مليار دولار؛ ﻹنشاء محطة الضبعة النووية، وتأتي هذه القروض الضخمة في الوقت الذي بلغ الحجم الإجمالي للمساعدات الخليجية التي حصلت عليها مصر، بعد عزل مرسي، وفقًا للتصريحات الرسمية، لا تقل عن 29 مليار دولار بحد أدنى.

وتأتي هذه القروض لترفع من الدين الخارجي التي تعاني منه مصر، ففي 26 أكتوبر (تشرين الأول)، أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع الدين الخارجي بنسبة 16%؛ ليصل إلى  55.8 مليار دولار، بعد أن كان 48.1 مليار دولار في نهاية العام المالي 2014-2015، كما  أعلن البنك المركزي في وقت سابق، ارتفاع الدين المحلي في نهاية يونيو (حزيران) الماضي؛ ليصل إلى 2.619 تريليون جنيه، مقابل 2.116 تريليون جنيه في نهاية يونيو (حزيران) 2015.

4. كيف يؤثر برنامج الإصلاح الاقتصادي على تركيبة مجتمع مصر؟

ابتعدت اللغة الرسمية المتفائلة في مجملها، عن النتائج السلبية الحقيقية للقرض وشروطه التي تمس المواطن المصري مباشرةً، وتؤثر بشكل كبير في تشكيلة المجتمع المصري وطبقاته لينضم ملايين المصريين إلى الطبقات الاجتماعية الدنيا، فامتثالًا لشروط الصندوق لتقديم القرض، اتخذت مصر قرارًا بتعويم الجنيه وخفض قيمته بنسبة 48%، ليرتفع السعر الرسمي للدولار من 8.88 جنيه إلى 16 جنيه، وسط موجة من غلاء الأسعار وخفض دعم الطاقة؛ لتكون الطبقة الفقيرة أكثر المتضررين من تلك القرارات، وينزل الملايين إلى ما دون «الفقر المدقع».

وتعاني مصر من ارتفاع نسبة الفقر المادي، والفقر المدقع، بحسب تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، صدر في 16 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ويُعرِّف التقرير الفقر المدقع بـ«الفقر الغذائي أي عدم قدرة الفرد أو الأسرة على توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية».

بينما يُعرف الفقر المادي بـ«عدم قدرة الفرد أو الأسرة على توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية وغير الغذائية «كالمأكل، والملبس، والمسكن، والصحة، والتعليم، والمواصلات، والاتصالات»، وأفاد التقرير بارتفاع نسبة الفقر المادي في المجتمع المصري، من 26.3% في عام 2012- 2013 – أثناء فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي – إلى 27.8% في عام 2015.

أما عن نسبة الفقر المدقع في المجتمع المصري، فقد ارتفعت من 4.4% في عام 2012-2013 – أثناء فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي – إلى 5.3% في عام 2015، وأحد أكثر الأرقام الصادمة التي كشفها تقرير «الإحصاء» أن 81.8% من الفقراء غير مشتركين، وغير مستفيدين بالتأمينات الاجتماعية، إذ يشترك في التأمينات الاجتماعية 8.7% فقط، فيما يستفيد من تلك التأمينات 8.9% من الفقراء.

وبحسب «الإحصاء» فإن مبلغ 322 جنيهًا شهريًا للفرد يمثل متوسط قيمة خط الفقر المدقع، بينما يمثل مبلغ 482 جنيهًا شهريًا للفرد متوسط قيمة خط الفقر المادي، وقيمة خط الفقر للفرد هي تكلفة حصوله على السلع والخدمات الأساسية، وبالأخذ في الاعتبار انخفاض القيمة الشرائية للجنيه بنسبة 48% بعد قرار تعويمه، تنخفض القيمة الشرائية لمبلغ 482 جنيهًا بنسبة 48%، لتصبح 250.64 جنيهًا، وبذلك ينخفض «الفقراء ماديًا» إلى فئة دون «الفقر المدقع» تلك الفئة التي يحتاج الفرد فيها شهريًا ما لا يقل عن 322 جنيهًا غير عائم، وبذلك تصبح نسبة من هم دون فئة «الفقر المدقع» في مصر بعد تعويم الجنيه 27.8%، أي ما يوازي 25.729.219 مواطنًا مصريًّا.

وقبل التعويم قال اللواء «أبو بكر الجندي» رئيس «الإحصاء»: إن 15% من سكان مصر ينفقون أكثر من 50 ألف إلى مليوني جنيه سنويًا، ولكن بعد قرار التعويم، يحتاج من ينضم إلى تلك الفئة أن يتقاضى ما لا يقل عن 74 ألف جنيه سنويًا، وقبل التعويم ذكر الجندي أن 67% من المجتمع المصري ينفق ما بين 20 إلى 50 ألف جنيه سنويًا، ولكن بعد قرار التعويم، يحتاج من ينضم لتلك الفئة أن يتقاضى ما لا يقل عن 29.6 ألف جنيه سنويًا، وبذلك يتقلص عدد المنضمين تحت تلك الفئة التي تُعد بمثابة الطبقة المتوسطة، ويرتفع عدد المنضمين لطبقات اجتماعية أدنى.

5. ماذا يعني حصول مصر على القرض سياسيًا؟

للإجابة على هذا السؤال، تواصل «ساسة بوست» مع المفكر القومي المصري، «محمد سيف الدولة»، الذي اعتبر حصول مصر على قرض البنك الدولية، بمثابة «شهادة حسن سير وسلوك اقتصادي»  لنظام الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي»، قدمها له من وصفهم بـ« أعداء الشعوب ومدمري الاقتصاديات الوطنية، وصناع الفقر من قادة نظام النهب العالمي المسمى بالنظام الرأسمالي العالمي».

وأضاف سيف الدولة «إنه الرضا والقبول والشرعية الدولية تنهمر على السيسي وتدعمه، وتثبت أركان نظامه، وتعترف به خليفة، وتلميذًا معتمدًا لمبارك والسادات، بل تشيد بتفوقه عليهما»، وتابع «إننا بصدد إعادة انتاج للتبعية الاقتصادية للغرب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة. والتي تنقل السيطرة على القرار الاقتصادي والمالي المصري إلى نادى باريس».

6. هل السيسي أول من يسعى ويحصل على قرض صندوق النقد الدولي؟

قبل حصول مصر على القرض الأخير، من صندوق مصر النقد الدولي، كان لمصر تاريخٌ طويلٌ مع قروض صندوق النقد الدولي، شهدت أربع محاولات منذ عام 1952، وحتى العام الذي تولى فيه الرئيس المعزول محمد مرسي حكم مصر، ولم تصل أي من تلك المحاولات إلى إبرام اتفاق نهائي، بدون تراجعات مع الصندوق، إلا في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك.

ففي الماضي القريب الذي أعقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، سعى المجلس العسكري إلى اقتراض 2.3 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، وكان الاتفاق على وشك أن يُبرم بين الجانبين بشكل نهائي، ولكنه لم يكتمل، مع انتقال السلطة للرئيس المعزول محمد مرسي، في منتصف 2012، وقد سعت حكومته أيضًا لاقتراض4.5 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، ولكن الاتفاق لم يرَ النور بعد عزله، بموجب بيان القوات المسلحة في الثالث من يوليو (تموز) لعام 2013.

وللذهاب ببوصلة التاريخ إلى ما هو أبعد، كانت أول محاولة مصرية للاقتراض من البنك الدولي في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ففي عام1977 أقدمت مصر على اقتراض185.7 مليون دولار من صندوق النقد الدولي، وفي 17 يناير (كانون الثاني) 1977، أعلن «عبد المنعم القيسوني»، رئيس المجموعة الاقتصادية لحكومة السادات، أمام البرلمان، اتخاذ قرارات اقتصادية «ضرورية»، تتضمن زيادة أسعار بعض السلع لنسبة 50%؛ مما أدى إلى موجة احتجاجات شعبية أجبرت السادات على التراجع عن تلك القرارات.

وفي عام 1991، أثناء فترة حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، اقترضت حكومة عاطف صدقي 375.2 مليون دولار من صندوق النقد الدولي، وفتح هذا الاتفاق الباب لخصخصة القطاع العام، امتثالًا لشروط صندوق النقد الدولي.

اقرأ أيضًا: الآثار الاجتماعية لـ«تعويم الجنيه».. أين تذهب الطبقة المتوسطة؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد