أحمد طلب

16

أحمد طلب

16

1,286

دائمًا ما تبحث الحكومات عن مصادر جديدة لزيادة الإيرادات، وخاصة إذا كانت هذه الدولة تعاني من عجزٍ كبير في الموازنة، وغالبًا ما تكون هذه المصادر متعلقة بطبيعة الاقتصاد في البلاد، ففي حال كانت هذه الدولة صناعية تبحث عن طرق جديدة لإنعاش الصناعة وزيادة إيرادات القطاع، وفي حال كانت تعتمد بشكل أكبر على قطاع الزراعة تسعى كذلك لإنعاشه، وكذا بالنسبة لطبيعة الاقتصاد، سواء كان معتمدًا على السياحة أو التجارة أو خلافه، ويؤتي هذه الاتجاه دائمًا نتائج جيدة على المدى البعيد والمتوسط، ويحقق كذلك التنمية المستدامة، التي تعد هدف جميع الحكومات في الوقت الحالي.

ولكن في مصر ومع مطلع العام الجاري بشكلٍ خاص لجأت الحكومة المصرية إلى نوع جديد من المصادر تسعى من خلاله لجني أكبر قدر من الأموال، هذا النوع يمكن أن نسميه بـ«اقتصاد الرسوم»، إذ تسعى الحكومة لجني الأموال من خلال زيادة وفرض رسوم على كل شيء، ويحاول «ساسة بوست» رصد أنواع الرسوم المختلفة التي فرضتها الحكومة، أو في صدد فرضها، وكذلك الأثر الاقتصادي لهذه الرسوم خلال هذا التقرير.

استهداف الحكومة لتحقيق حصيلة جيدة من خلال هذه الرسوم أو الضرائب أحيانًا، ليس أمرًا مستحدثًا، ولكن في ظل الواقع الاقتصادي الحالي الذي يمر به المواطن المصري يكون هذا الأمر عبئًا إضافيًا، فيما لن يحقق عائدًا اقتصاديًا يذكر، وتأتي أبرز هذه الرسوم في:

تحريك أسعار رسوم جوازات السفر وتراخيص السيارات وخدمات أخرى

في 12 يونيو (حزيران) الجاري، وافقت لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب المصري، على مشروع الحكومة بتعديل بعض أحكام القانون رقم 147 لسنة 1984، بفرض رسم تنمية الموارد المالية للدولة، والذي يقضي بتحريك أسعار رسوم عدد من الخدمات، من بينها تراخيص السيارات والسلاح، وخدمات المحمول، وجوازات السفر، وإقامة الأجانب.

وجاءت الزيادات التي أقرتها اللجنة، بقيمة 0.5% من ثمن السيارة التي لا تزيد سعتها اللترية عن 1330 سي سي، و2% للسيارات (سعة محركها من 1330 سم 3 إلى 1630 سي سي)، و2.25% للسيارات (سعة محركها من 1630 سم 3 إلى 2030 سم 3)، و2.5% من السيارات (تزيد سعة محركها على 2030 سي سي)، بالإضافة إلى رسم تجديد رخص تسيير السيارات بفئاتها المختلفة.

وجاءت زيادة رسوم استخراج أو تجديد جواز السفر من 54 جنيهًا إلى 200 جنيه، وذلك بنسبة تقترب من 300%، وزيادة رسوم التصالح في مخالفة التأخير في تسجيل إقامة الأجانب من 20 جنيهًا إلى 500 جنيه، بالإضافة إلى فرض رسم جديد بقيمة 50 جنيهًا عند شراء خط تليفون محمول جديد، و10 جنيهات رسمًا شهريًا على فاتورة المحمول، على أن تلتزم الجهات التي تقدم هذه الخدمات بتحصيل الرسم مع قيمة الخدمة، وتوريده إلى وزارة المالية.

الزيادات شملت كذلك رفع رسوم طلب الحصول على الجنسية المصرية، من 50 جنيهًا إلى 10 آلاف جنيه، ورخص السلاح من 25 جنيهًا إلى 2000 جنيه، و1200 جنيه عند التجديد عن كل قطعة، فضلًا عن زيادة رسوم إذن العمل في الخارج من 50 جنيهًا إلى 100 جنيه، والتجديد من 100 جنيه إلى 500 جنيه عن كل سنة تجديد.

ومن جانبه، قال ياسر عمر وكيل لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب المصري: إن مصر تتوقع تحصيل سبعة مليارات جنيه (385.7 مليون دولار) من زيادة أسعار بعض الخدمات خلال السنة المالية 2017-2018، موضحًا أن اللجنة وافقت على تعديل أسعار 27 خدمة.

300 دولار على كل شاحنة أجنبية تغادر مصر

في نهاية الشهر الماضي، قررت هيئة الطرق والكباري المصرية، فرض رسوم بقيمة 300 دولار على كل شاحنة أجنبية تغادر الأراضي المصرية، محملة بالبضائع، مع تحصيل 50 دولارًا إضافيًا عن كل طن زائد على الحمولة المقررة لكل شاحنة.

وبالرغم من أن الخبراء أكدوا أن القرار يمثل خطورة على حركة الصادرات، إلا أن الحكومة كان لها مبرر آخر، وهو «وقف عمليات نقل البضائع المصرية لدول الخليج والدول المجاورة، إلا عن طريق الشاحنات المصرية»، فيما يُطبق القرار على الشاحنات ذات اللوحات المعدنية الأجنبية، حتى لو كان يقودها سائقون مصريون، على اعتبار أن القرار يطبق على الشاحنة بصرف النظر عن جنسية السائق، وعلى كل الشاحنات التي تحمل لوحات معدنية أجنبية، سواء كانت مملوكة لأجانب أو مصريين.

تحريك أسعار رسوم القمامة على فواتير الكهرباء

في نهاية مايو (أيار) الماضي، أعلن وزير البيئة المصري، خالد فهمي، انتهاء الحكومة من إعداد تشريع بشأن تحريك أسعار رسوم القمامة على فواتير الكهرباء، بعد موافقة مجلس الوزراء، رغم أنه أكد على أن الزيادة المنتظرة في الرسوم لن تمس محدودي الدخل من المواطنين، إلا أنه كشف عن إنشاء شركة قابضة؛ ككيان للتغلب على إشكالات أزمة القمامة، التي تعاني منها قطاعات عدة داخل جهاز الدولة، موضحًا أن الشركة الحكومية الجديدة لن تؤثر سلبًا على العاملين في مجال جمع القمامة من قريب أو من بعيد.

قريبًا.. رسوم تسجيل من مستخدمي فيسبوك

استكمالًا لمسلسل فرض الرسوم، قالت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية إن البرلمان المصري يسعى لإصدار قانون من شأنه فرض سيطرة غير مسبوقة على منصات التواصل الاجتماعي، إذ أوضحت الصحيفة أن مشروعي قانونين منفصلين قُدما للبرلمان مؤخرًا، ويخضع أحدهما حاليًا للنقاش بلجان برلمانية مختصة، يتضمنان إجراءات، مثل ربط حسابات المستخدمين بأرقام بطاقات الهوية الوطنية لإنشاء قاعدة بيانات، وأخذ رسوم تسجيل من المستخدمين، وإنشاء منصة لـ«فيسبوك» خاصة بمصر فقط.

تقرير الصحيفة أشار إلى أنه إذا تمت الموافقة على التشريعين، فإن مستخدم الإنترنت الذي لا يحصل على «رخصة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي» على المواقع التي يختاروها خلال ستة شهور سيُغرم حوالي 213 دولار، وبتكرار المخالفة ربما يتعرض للسجن ستة شهور.

يوليو المقبل وموسم الزيادات

مع اقتراب شهر يوليو (تموز) من كل عام، تسود حالة من الترقب داخل الشارع المصري، وذلك تزامنًا مع بدأ العمل بالموازنة الجديدة، إذ أعلنت الحكومة رفع «فاتورة الكهرباء» المتوقع عقب إجازة عيد الفطر، حيث تعتبر تلك الزيادة المرة الثالثة على التوالي التي تقوم فيها الحكومة برفع أسعار الكهرباء، بعد أن تم رفعها في التوقيت نفسه العام الماضي، في إطار الخطة التي وضعتها الحكومة المصرية لرفع الدعم حتى عام 2019.

وكان وزير الكهرباء المصري المهندس محمد شاكر، أكد مؤخرًا على أنه لا مجال أمامه سوى رفع «شريحة الكهرباء»، وذلك بسبب عدم القدرة على متطلبات رفع كفاءة المحطات الكهربائية في المحافظات، موضحًا أن نقص التمويل المادي سيؤدي إلى عدم تقديم الخدمة بشكل جيد.

وبعيدًا عن أسعار الكهرباء تنتظر البلاد حزمة من الرسوم الجديدة مع بداية الموازنة الجديدة، خاصة أنها الأولى منذ موافقة صندوق النقد الدولي على قرضه لمصر، بالإضافة إلى أنواع جديدة من الضرائب، إذ اقتربت الحكومة المصرية من إعداد نظام التأمين الصحي الجديد، والذي حدّد عدة مصادر للتمويل منها ضرائب على المقاهي ومدخني الشيشة والسجائر.

فيما قال نائب وزير المالية المصري للسياسات الضريبية، عمرو المنير، نهاية مايو (أيار) الماضي، إن مجلس الوزراء وافق على زيادة الحد الأدنى للإعفاء من ضريبة الدخل إلى 7200 جنيه (397.35 دولارًا) من 6500 جنيه سنويًا، وهو ما يعني أن الموظف الذي يتقاضى أكثر من 600 جنيه شهريًا، وحتى 2500 جنيه، سيخضع لضريبة دخل بواقع 10% على المبلغ الذي يتجاوز 600 جنيه.

ووفقًا لمشروع قانون الضريبة الجديد، فقد تم تقسيم الدخل إلى خمس شرائح، حيث يتم إعفاء الشريحة الأولى من الضرائب، وهي التي يقل دخلها السنوي عن 7200 جنيه، أما الشريحة الثانية، فتفرض عليها ضرائب بنسبة 10% لمن يزيد دخله السنوي عن 7200 جنيه وحتى 30 ألف جنيه، أي لمن يزيد دخله شهريًا عن 600 جنيه شهريًا، أما الشريحة الثالثة فتفرض ضريبة بنسبة 15% على الدخل السنوي لمن يزيد دخله عن 30 ألف جنيه (2500 جنيه شهريًا) إلى 45 ألف جنيه، أما الشريحة الرابعة فتفرض ضريبة بنسبة 20% على من يزيد دخله السنوي عن 45 ألف جنيه (3750 جنيه شهريًا) وحتى 200 ألف جنيه سنويًا، أما الشريحة الخامسة فتفرض ضريبة بنسبة 22.5% على من يزيد دخله السنوي عن 200 ألف جنيه، أي 16.666 ألف جنيه شهريًا تقريبًا.

وأهملت هذه الشرائح بشكل واضح معدل التضخم في البلاد، ولكن يؤكد الخبراء أنّ هذا الاتجاه يأتي لأن الحكومة تعتمد بشكل أساسي على الضرائب كأكبر إيراداتها، إذ أظهرت بيانات الإيرادات العامة في مصر عن ارتفاع نسبة الضرائب من جملة الإيرادات العامة للدولة لتمثل نسبة 72.88% خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) وحتى نهاية فبراير(شباط) الماضي، وهو ما تكشف عنه مصادر تمويل الموازنة العامة للدولة، المنشور بموقع وزارة المالية المصرية.

وقال تقرير أداء الاقتصاد الصادر عن وزارة المالية المصرية، إن جملة الإيرادات سجلت نحو 310.5 ملیارات جنیه، خلال الفترة، لترتفع بنحو 57.3 ملیار جنیه عن الفترة المناظرة بنسبة 22.6%، مقابل نحو 253.2 ملیار جنیه خلال نفس الفترة من العام المالي السابق، إذ حققت الإيرادات الضريبية نحو 226.3 ملیار جنیه ساهم في ارتفاع جملة الإيرادات لترتفع بنحو 43.4 مليار جنيه بنسبة 23.7% مقابل 182.9 ملیار جنیه، خلال نفس الفترة من العام المالي السابق.

ما هو تأثر رفع رسوم الخدمات على الاقتصاد؟

بالرغم من أن هذه الرسوم والضرائب تعد أهم إيرادات الدولة، ولكن زيادتها باستمرار، له آثار سلبية، إذ يرى محمد عبد الحكيم، خبير أسواق المال ورئيس قسم البحوث لدى شركة (ماسترز) لتداول الأوراق المالية، أن مقدار الرسوم يتناسب عكسيًا مع معدلات الاستهلاك، حيث تنخفض شهية المستهلكين، خاصة مع الثبات النسبي في الدخول، وفى اقتصاد يعتمد بشكل أساسي على الاستهلاك، فإن زيادة الرسوم تتسبب في تعميق الركود.

وتابع عبد الحكيم خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن معدلات الضرائب كذلك تتناسب عكسيًا مع معدلات الاستثمار حيث تنخفض رغبة المستثمرين كلما ازدادت الأعباء الضريبية وانخفض معدل الثبات النسبي في السياسة الضريبية، ولذلك فإن زيادة معدلات الضرائب يكون لها أثر سلبي على الاستثمار.

«زيادة في معدلات الركود وانخفاض في معدلات الاستثمار يتبعه زيادة في معدلات البطالة، ثم انخفاض الإيرادات الضريبية؛ مما يؤدي إلى تفاقم العجز في الموازنة على المدى الطويل»، هكذا لخص الخبير الاقتصادي الآثار الناتجة عن المبالغة في فرض الرسوم.

ومن جانبه، أكد مدحت نافع، أستاذ التمويل، والخبير الاقتصادي المصري، أن الحكومة المصرية تحتاج إلى رؤية أشمل لتنويع الإيرادات وتحفيز الإنتاج لكنها مازالت تتحرك برد الفعل وتحاول سد العجز من جيوب المواطنين، متسائلًا عن أهمية تعديل قانون رسوم التنمية؟، مؤكدًا على أنّ الـ ٧ مليارات جنيه المستهدفة لن تفعل شيئًا في عجز موازنة اقترب من ٣٢٠ مليارًا.

وتابع نافع خلال حديث لـ«ساسة بوست» أن هذا المسلك الذي تعتمد فيه الحكومة على الضرائب والرسوم سيثبط النشاط الاقتصادي ويأتي بحصيلة أقل في نهاية الأمر في وقت ينمو به الدين المحلي في مارس الماضي بنحو ٢٣٪‏، ولن تستطيع الحكومة الاعتماد على أوراق الدين بنفس المعدل في المستقبل، كما أنه لن يضيف سوى مزيد من الديون والكساد التضخمي وتراجع معدلات النمو.

ومع السياسية التي تتبعها الحكومة المصرية، فإن معدلات التضخم مهددة بعدم الانخفاض لمدة طويلة، بل ربما ترتفع أكثر، وذلك بالرغم من بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أظهرت أن معدل التضخم السنوي في مدن مصر تراجع إلى 29.7% في مايو (أيار) وذلك للمرة الأولى في ستة أشهر.

فيما قال البنك المركزي المصري إن معدل التضخم السنوي الأساسي تراجع إلى 30.57% في مايو (أيار) من 32.06% في أبريل (نيسان)، ولكن يرى المحللون أن موجة زيادة أسعار الرسوم قد تحرم المصرين من انخفاض حقيقي في معدلات التضخم، التي يؤكد البعض أنها أعلى كثيرًا من المعلنة.