منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبداية عهدٍ عالمي جديد، مرّت العلاقات بين تركيا ومصر بمراحل ومنعطفات مختلفة صعودًا وهبوطًا، فالدولتان مراكز ثقلٍ إسلامي، تأثرت وانقسمت بتجاذبات القوى العالمية، وقطبي ما بعد الحرب العالمية الثانية: الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، طوال فترة الحرب الباردة.

وخلال العقد الماضي وصلت العلاقات الثنائية بين البلدين إلى مرحلةٍ ظنَّ البعض أنّها «مرحلة اللاعودة»، ومع بداية عام 2021 أصبح الإقليم يسمع همسًا وحسيسًا، تصريحات هُنا وهُناك، تشير بعودة التواصل بين الطرفين، بعد انقطاعٍ دام لسنواتٍ سبع منذ عام 2013.

في هذا التقرير نحكي لكم قِصَّة العلاقات التركية المصرية، منذ منتصف خمسينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، مرورًا بعدَّة مراحل رئيسة شهدتها العلاقات، وينتهي التقرير بشرح التطوّر الحالي في الأحداث في ظلِّ الاتصالات الأخيرة بين البلدين، والتي تدور بشكلٍ خاص حول منطقة شرق المتوسط. وقبل الخوض في عرض هذه المراحل، نبدأ بتمهيدٍ مختصر يشرحُ السياق الدولي والإقليمي والمحلي الذي تشكَّلت فيه العلاقات.

السياق الكبير.. فلسطين في مركزه

تشترك تركيا ومصر في خصائص عديدة، على مستوى الدولة والمجتمع. وقبل كل شيء يتمتّع البلدان بموقعٍ إستراتيجي مميز ونافذ، ومطلٍ على مضائق مائية هامة، مثل البوسفور في حالة تركيا وقناة السويس في مصر، تعبرُ من خلالهما خطوط التجارة الدولية. وكلتا الدولتين الحديثتين بنُيَتَا على يد حركاتٍ ثوريةٍ تحررية مناهضةٍ للاستعمار، بقيادة ضُبَّاطٍ من الجيش، ولذا لم تزل العلاقات المدنية – العسكرية حاضرةً فيهما بقوّة وتؤثِّر بشكل كبير على سياسة البلدين حاليًا وفي المستقبل، القريب منه على الأقل.

تبدأ قصتنا بنهاية الحرب العالمية الأولى، وتحديدًا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، وانعقادِ مؤتمر باريس للسلام عام 1919، اجتمعت فيه دول الحلفاء المنتصرين، بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، واليابان، ليرسم المؤتمر مستقبل وحدود ما نعرفه اليوم بـ«الشرق الأوسط». وفي المؤتمر وزّع المنتصرون غنائم الحرب، وخاصةً الأراضي السابقة للدولة العثمانية: كلّ تركيا المُعاصرة، وأجزاء واسعة من العالم العربي. وفضلًا عن تقسيم العالم العربي، تقرَر وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، أي تحت الحكم الاستعماري البريطاني المُباشر، وجاء هذا القرار بالتوازي مع وعد بلفور المعروف عام 1917 الذي وعدَ بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.

Embed from Getty Images

من مؤتمر باريس للسلام، الصورة الأولى للزعماء الأربعة الذين أخذوا معظم القرارات الحاسمة في مؤتمر باريس للسلام. من اليمين: وودرو ويلسون، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ثم جورج كليمنصو، رئيس وزراء فرنسا، فيتوريو إمانويلي أورلاندو، رئيس وزراء إيطاليا، وديفيد لويد جورج، رئيس وزراء بريطانيا. 

في تلكَ الفترة كانت «الجمعية الوطنية الكبرى» بقيادةِ مصطفى كمال أتاتورك، تخوض حرب الاستقلال التركية وتحاول الحفاظ على ما تبقى من أراضي تركيا المُعاصرة، وتسعى لاسترجاع ما احتُل منها على يد القوى الاستعمارية، واستطاع أتاتورك توحيد بلاده وإعلان الجمهورية التركية عام 1923. وبعدما تبين للعرب آنذاك أن وعود مؤتمر باريس للسلام كاذبة، وبدأ التواصل بين الحركة القومية التركية والحركة القومية العربية السورية، وحرّض أتاتورك السوريين على مقاومة القوى الاستعمارية، وفي ذلك الوقت كان أتاتورك وحركته مناهضين للحركة الصهيونية، وفقًا لباسكين أوران، دكتور العلوم السياسية بجامعة أنقرة، في كتابه المرجعيّ «السياسة الخارجية التركية 1919 – 2006».

سبقت تركيا العالم العربي بتأسيس دولتها الحديثة، ومعها انطلق مشروعها القوميّ الحاسم الذي أعلن قطيعته مع الماضي العثماني تمامًا، ووجه أنظاره لمستقبل تركيا «الناطقة باللغة تركية» فقط ودولتها الحديثة «بالمعايير الغربية». وبينما كانت تجربة الدولة التركية الحديثة تنضُجُ مع الأيام، كانت موجات القومية العربية ومطالب التحرر من الاستعمار تعصف بالعالم العربيّ بحثًا عن الذات والسيادة أثناء مواجهتها لمشاريع الاستعمار الغربي.

وفي هذا السياق نشأت العلاقات بين تركيا ومصر، الأولى اتجهت للمعسكر الغربي مبكرًا بعد توقيعها معاهدة لوزان عام 1923 التي رسّمت حدود تركيا الحالية بشكل نهائيّ. بينما كانت لمصر قصةٌ أخرى.

خلال الحرب العالمية الثانية، حاولت تركيا عدم الانحياز لفريقٍ دون الآخر، لكنّ الواقع كان أكبر منها، وجرّها أخيرًا إلى المعسكر الغربي مع نهاية الحرب عام 1945، بعد أن اتخذت تركيا طوال الحرب موقفَ الحياد، ولا شكَّ في أن تركيا الوليدة آنذاك أحسَّت الخطر القادم من عدوها الجغرافي والتاريخي القديم: روسيا، في ثوب الاتحاد السوفيتي.

Embed from Getty Images

عصمت إينونو، الرئيس التركي (1938 – 1950)، ورئيس وزراء تركيا بعد الانقلاب العسكري عام 1960 على عدنان مندريس، واستمر في رئاسة الوزراء أربعة أعوام: 1961-1965، وهو من أهم من رسموا السياسات الخارجية التركية منذ وفاة أتاتورك عام 1938 وحتى نهاية الستينات. 

لم تحدُث قطيعةٌ تركية كاملة مع العالم العربي، فقد شهدت الفترة بين عامي 1945 إلى 1948 تقاربًا بينهما؛ فقد رحَّبت أنقرة ببادرة جامعة الدول العربية، ووقَّعت معاهدات صداقة مع العراق، ولبنان، والأردن (جميعها تحت حكم انتدابي استعماري أو خرجت للتوّ منه)، ثم دخلت تركيا في اختبارٍ صعب وضعها على أول محكٍ لعلاقتها مع العالم العربي: النكبة الفلسطينية وتأسيس إسرائيل.

لم تتناول أنقرة كثيرًا المسألة الفلسطينية، ورغم تصويتها في الأمم المتحدة رافضةً لقرار تقسيم فلسطين عام 1948، وهو ما ترك انطباعًا عامًا إيجابيًا في العالم العربي، لكنّ إعلان الرئيس الأمريكي هاري ترومان عن عقيدته المشهورة بـ«عقيدة ترومان»، وهدفها احتواء توسُّع الاتحاد السوفيتي، ومن أدواتها «خطة مارشال» للتنمية الاقتصادية في دول عدّة بدعمٍ ماليٍّ ضخم من واشنطن، ومع احتياجات تركيا الاقتصادية الكبيرة، بالإضافة لمخاوفها الأمنية من الاتحاد السوفيتيّ المُطلّ على حدودها، قررت تركيا الانحياز الكامل للمعسكر الغربي، واعترفت بإسرائيل، لتحصِّل بذلك دعمًا ماديًا وعسكريًا أكبر. وكخطوةٍ مُعززة لانضمام تركيا إلى حلف الناتو الذي تأسّس عام 1949 وانضمّت تركيا له لاحقًا في عام 1952، كانت تركيا أول بلد مسلم على الإطلاق يعترف بإسرائيل.

سنوات الفوران في مصر والعالم العربي

في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية عاشت «المملكة المصرية» سنواتها الأخيرة، وجاءت نهايتها على يد تنظيم حركة الضباط الأحرار معلنًا «الثورة» ومسقطًا الملكيّة.

كان أغلب الضبّاط الأحرار ممن شاركوا في حرب عام 1948 وشهدوا النكبة والهزيمة العربية، ولم تكن فلسطين بالنسبة لهم/ أو لبعضهم على الأقلّ، مجرّد قضية مقدَّسة فحسب، بل قضية أمن قومي مصري، وعربي، وعليها بنيت تصوراتهم عن التحالفات والعداوات الدولية والإقليمية. ومع تولي الضباط للحكم رتّبوا بيتهم الداخلي: اجتمع مجلس قيادة الثورة، الذي تشكل بعد نجاح الثورة، ليناقش مستقبل الدولة المصرية، وأصدر حينها قرارًا بحلِّ جميع الأحزاب، وإعلان فترة انتقالية لمدة ثلاث سنوات، بحسب كتاب «السياسة الخارجية صانعةً للأمم: تركيا ومصر في الحرب الباردة»، لكاتبته ريم أبو الفضل، أستاذة العلاقات الدولية في جامعة «SOAS» البريطانية، ومختصة بالشرق الأوسط.

وبعد إعلان قيام الجمهورية المصرية العربية، اختار المجلس اللواء محمد نجيب رئيسًا للجمهورية، ولم يلبث عامًا وبضعة أشهر، حتى أحكم جمال عبد الناصر قبضته على الحكم، ووضعه تحت الإقامة الجبرية.

صورة تجمع قادة حركة الضباط الأحرار. مصدر الصورة: ويكيبيديا

وهنا بدأت الفجوة بين مسار البلدين تتسع، ففي تلك السنوات قطعت تركيا مسيرًا طويلًا للانضمام إلى المعسكر الغربي، ولكسب رضا الولايات المتحدة أكثر. وداخليًا، بعد صعود الحزب الديمقراطي في السياسية التركية بزعامة عدنان مندريس، كانت لديه رغبةٌ في تطوير سياسة خارجية جديدة. أرسلت حينها تركيا قواتٍ شاركت القوات الأمريكية في الحرب الكورية عام 1950 وسعت أنقرة للانضمام إلى «الناتو»، ولكنّ الطريق لم يكن سهلًا: طريقٌ يمرُّ من واشنطن ولندن معًا، فانضمت تركيا إلى «مشروع قيادة الشرق الأوسط» الذي يمثل عمليًا نفوذ بريطانيا في المنطقة، وبعد ضغطٍ حثيث انضمت إلى حلف الناتو رسميًا في فبراير (شباط) 1952.

ورث عبد الناصر ورفاقه موقفًا مُتحفّظًا من تركيا بعد اعترافها بإسرائيل وانضمامها إلى «مشروع قيادة الشرق الأوسط» الذين رأوا فيه امتدادًا للمشروع الاستعماري. فقد كانت بريطانيا حتى ذلك الوقت مسيطرةً على قناة السويس، وقد حاولت دول مشروع قيادة الشرق الأوسط أن تستميل مصر للانضمام، لأهميتها وثقلها الإستراتيجي في العالم العربي، لكنّها رفضت الانضمام في حال بقاء القوات البريطانية على الأراضي المصرية.

وبقيت مسألة استمالة مصر للمعسكر الغربي موضع خلافٍ أمريكيٍّ بريطانيّ. فواشنطن مقتنعةٌ بضرورة كسب مصر في سياق الحرب لمواجهة العملاق السوفيتي في المنطقة، لكنّ بريطانيا لم يكن لها الصبر والنَّفَس الأمريكي. ومع صعود الرئيس الأمريكي داويت أيزنهاور للسلطة (1953-1961)، لم يجد الرئيس أيّ فائدة من مشروع قيادة الشرق الأوسط، الذي أعيدت تسميته لاحقًا إلى «المنظمة الدفاعية الشرق أوسطية»، وشهدت تلك الفترة تصاعد التوتّر بين مصر وبريطانيا بسبب قناة السويس وصولًا لتحريرها عام 1956.

وصلت التوترات الدبلوماسية ذروتها بين مصر وتركيا بعد نجاح ثورة الضباط الأحرار وإقصائها للعائلة الملكية ومصادرة أملاكهم. حينها انتقد السفير التركي في مصر، خلوصي فؤاد توجاي، هذا التصرف من عبد الناصر، وقد كان السفير على علاقة نسبٍ مع العائلة الملكية، فزوجته الأميرة أمينة توجاي، وهي بنتُ نعمت هانم، ابنة الخديوي توفيق بن إسماعيل بن محمد علي باشا، أي أنها حفيدةُ الخديوي. ووفقًا لباسكين أوران في كتابه «السياسة الخارجية التركية 1919 – 2006»، فقد وصل التوتر إلى حد تبادل الشتائم بين السفير وعبد الناصر في إحدى الحفلات، وحينها أعلنت مصر أن السفير التركي «شخصٌ غير مرغوب به» وطردته.

عنوان صحيفة الأهرام المصرية: طرد سفير تركيا من مصر. مصدر الصورة: موقع معرفة

كان الأمل في استمالة مصر للمعسكر الغربي يتضاءل مع الأيام، فبدأت الولايات المتحدة وبريطانيا سعيهما لجذب دولٍ عربيةٍ أخرى ضمن حلفٍ عسكريٍّ جديد، ووكّلت تركيا بمهمة إقناع الدول العربية.

توجهت أنظار رئيس الوزراء التركي حينها، عدنان مندريس، إلى العراق، الذي كان رئيس وزرائها هو نوري السعيد، الملقب بـ«رجل بريطانيا»، وبعد ترحيب السعيد المتوقَّع، تلقّت بغداد مساعداتٍ عسكرية من واشنطن، ووقَّعت اتفاقيةٍ عسكريةٍ مع أنقرة، مفادها حماية العراق من أيّ ضرباتٍ من داخل المنطقة «إسرائيل» أو من خارجها «الاتحاد السوفيتي»، وانزعجت إسرائيل من هذا التقارب التركي العراقي وتخوّفت أن تكون هذه الخطوة بدايةً في مراجعات أنقرة لسياستها الودودة تجاه إسرائيل.

ومع هذا التقارب شُكّل «حلف بغداد» عام 1955، وضمَّ كلًا من: بريطانيا، وتركيا، والعراق، وباكستان، وإيران. ومع تأسيسه، انقسمت المنطقة بشكلٍ عام إلى معسكرين: الغربي، ممثلًا في حلف بغداد وتقوده تركيا، والشرقي، بقيادة مصر عبد الناصر بشكلٍ أساسيّ.

انتشر مشروع عبد الناصر في العالم العربي كالنار في الهشيم، وقبل إعلان الوحدة بين سوريا ومصر، أرسلَ عبد الناصر وحدة من الجيش المصري إلى سوريا لمساندة الجيش السوري في مناطق التماس الحدودي مع تركيا، تحسبًا لأي محاولات تدخل عسكري مباشر في سوريا بدعمٍ من حلف بغداد للإطاحة بالحكومة المقرّبة من عبد الناصر، ووقَّعت مصر مع سوريا اتفاقياتٍ عسكرية وسياسية واقتصادية؛ ما أزعج وأقلق أنقرة وأظهرَ عدم نجاح جهودها في إقناع سوريا بالانضمام لحلف بغداد، خاصةً بعد إعلان قيم الجمهورية العربية المتحدة في مطلع 1958، بالاتحاد بين مصر وسوريا. وأرادت أنقرة الرد على سوريا بسبب هذه الخطوة، ولكنّ واشنطن ضغطت للتهدئة مذكرةً بأنّ التوتر مع هذه الأطراف سيدفعها للانحياز أكثر تجاه الاتحاد السوفيتي.

تحقّق تخوُّف واشنطن يومًا بعد بيوم، فقد قادت موازين القُوَى مصر لتنحاز للمعسكر الشرقي، وعقدت حينها صفقات سلاحٍ مع الاتحاد السوفيتي. وأرادت أمريكا وبريطانيا استمالتها مرة أخرى، فأعلنت رغبتها في دعم مشروع السدّ العالي، ولكن مصر تحركت أكثر نحو الشرق، فاعترفت بجمهورية الصين الشعبية، واشترت الأسلحة من تشيكوسلوفاكيا، فقررت واشنطن الانسحاب من المشروع لاحقًا، ثم أمّمت مصر قناة السويس وسحبتها من يد الاستعمار البريطاني مُشعلةً ضجةً عالميةً كبيرة، في 26 يوليو (تموز) 1956.

كاريكاتير من صحيفة آق بابا التركية، ويظهرُ فيه الإمام سوفيتيّ، يلبس ملابس الجيش الأحمر، في إشارة إلى تبعية مصر للاتحاد السوفيتي. مصدر الصورة: موقع معرفة

بعد التأميم انعقد مؤتمر لندن لمناقشة الوضع القانوني لقناة السويس، ودعت إلى المؤتمر الدول الموقِّعة على «اتفاقية القسطنطينية عام 1888»؛ المملكة المتحدة، والإمبروطوريات الروسية والعثمانية حينها، ونصَّت الاتفاقية على حرية الملاحة في قناة السويس، مع الاعتراف بسيادة مصر عليها. دعت إلى عقد المؤتمر الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وكان الهدف منه الوصول إلى إجماعٍ دوليّ لتصبح قناة السويس تحت إشراف هيئة دولية مكونة من عدة دول منها مصر، وتركيا، وباكستان، وأثيوبيا، ولا تعطى مصر حق التحكم الكامل بمصير أهم المضائق البحرية التجارية في العالم، وقوبلت هذه الخطة بخطة هندية، بدعمٍ من المعسكر السوفيتي، ولم يشارك السوفيت ولا مصر في المؤتمر، ويقول المقترح بأنّ تكون السيادة والتحكم النهائي بالمضيق لمصر، مع وجود دور استشاريّ من الدول الخارجية، وانتهى المؤتمر بتصويت 18 دولة لصالح الخطة الأمريكية من أصل 22 دولة مشاركة.

وفي تلك الفترة طلبَ عبد الناصر من تركيا التوسُّط في أزمة قناة السويس، لكونها أزمةً شبيهة بأزمة المضائق التركية، إلا أنّ أنقرة لم تراها مسألةً قانونية بل مسألةً سياسية، ولم توافق على التوسُّط.

كانَ هذا قبل العدوان الثلاثيّ على مصر في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1956، وبعد فشل مؤتمر لندن في إيجاد حلٍ حقيقي لأزمة قناة السويس بسبب الانقسام العالمي، خطّطت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل لشنِّ هجمة هدفها ردع مصر عن بالقوة العسكرية عن تأميم قناة السويس، رغم الرفض الأمريكي لهذه الخطوة. وبالفعل بدأت إسرائيل الهجوم على مصر، وتدخلت القوات الفرنسية والبريطانية، ولكنّ قوبل هذا التحرك «الصبياني» برفضٍ دوليّ، وبعدها انسحبت بريطانيا وفرنسا من مصر، وإسرائيل من سيناء، واستُكمل تأميم القناة، وكشف العدوان الثلاثي، عام 1956، عن تآكل قوّة بريطانيا وفرنسا ومشاريعهما الاستعمارية في المنطقة.

Embed from Getty Images

لحظة احتفال الجماهير بعبد الناصر بعد انسحاب بريطانيا من قناة السويس

كان موقف أنقرة في هذه الحادثة غريبًا، فبالرغم من اعترافها بأنّ الموقف البريطاني والفرنسي مخالفٌ للقانون الدولي، إلا أنّها اتهمت مصر بأنّها السبب الرئيس لاندلاع الحادثة بسبب انحيازها التام لـ«مصلحة الاتحاد السوفيتي».

ونقلت حادثة تأميم قناة السويس الحرب الباردة إلى مرحلةٍ جديدة، ودفعت بواشنطن للاستثمار أكثر في حلف بغداد من جديد، وتقرّبت بعدها مصر وسوريا بشكل أكبر إلى الاتحاد السوفيتي.

بعد قرار مصر وسوريا الاندماج والإعلان عن الجمهورية العربية المتحدة في فبراير (شباط) عام 1958، رحَّبت أنقرة بهذه الخطوة، ورأتها أقلّ خطرًا عليها، فأن تكون دمشق تحت مظلة جارٍ إقليميّ مثل مصر، أفضل بكثير من المظلَّة السوفيتية المباشرة، واعترفت أنقرة بالجمهورية العربية المتحدة في مارس (آذار) 1958، ودعمت الفيدرالية التي قررت العراق والأردن إنشاءها لموازنة المد الناصري في المنطقة، وفي يوليو (تموز) 1958، مع ثورة عبد الكريم قاسم وإنهاء الملكية في العراق، خرج العراق من حلف بغداد، وعندها تغيّر اسم الحلف إلى منظمة المعاهدة المركزية «سينتو – CENTO».

وهكذا تموضعت كلٌ من تركيا ومصر، كلاعبين إقليميَّين أساسين في صراع المصالح الذي يخوضه القطبان العالميان الصاعدان: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

تركيا تشعر بالعزلة وتحاول الموازنة.. ومصر السادات «تبحث عن الذات»

انتهت سنوات حكم عدنان مندريس بانقلابٍ عسكري عام 1960، ثم حوكم محاكمةً عسكرية بتهمة مخالفة الدستور واختلاس أموال الدولة، وأُعدم أول رئيس وزراء تركي منتخب منذ تأسيس الجمهورية.

في كتابها: «السياسة الخارجية صانعةً للأمم: تركيا ومصر في الحرب الباردة»، تقول الباحثة ريم أبو الفضل: «بعد أشهرٍ من صعود الحزب الديمقراطي إلى السلطة في تركيا (عام 1950)، أقال الحزب العديد من الجنرالات والقيادات العسكرية المستمسكين بإرث أتاتورك الذي رسَّخَ بأنّ ولاء الجيش يجب أنّ يكون للسلطة المدنية»، وفي بداية انتخابه، أظهر الجيش في تلك الفترة تعاونًا مع مندريس، ولكنّ ترقيات مندريس لمن يوالونه، وإقالته لبعض الجنرالات (محاولًا بذلك حفظ سلطته المدنية)، أغضبت مجموعات من الضباط الأتراك ذوي الرتب المتوسطة، والذين كانوا لاحقًا نواةً أساسية لانقلاب عام 1960، وفي عام 1957 بدأت السلطة المدنية تتبع أنشطة تسعةً من الضباط المتآمرين، واعتقالهم واحدًا تلو الآخر، فيما عرف بـ«حادثة الضباط التسعة»، الذين يُقال أحيانًا إنّهم استلهموا تجربتهم من حركة الضباط الأحرار بمصر.

مع تردّي الأوضاع الاقتصادية التركية بعد الانقلاب، بدأت العلاقات العربية التركية في التحسن، خاصةً مع صعود القوة النفطية الخليجية، وبعدما رأت تركيا انحياز الغرب لليونان ضدّها في أزمة قبرص، وهي أزمة قديمة تعود إلى أيام الدولة العثمانية عندما احتلّت الإمبراطورية البريطانية جزيرة قبرص عام 1878، وبعد 82 عامًا استقلّت قبرص عام 1960، وبموجب معاهدة «زيورخ – لندن»، عاش القبارصة الأتراك واليونانيون لفترة قصيرة في سلام حتى بدأت المطالب بتوحيد قبرص مع اليونان، وعندها تدخلت اليونان بالقوة ودعمت حركات مسلحة للاستيلاء على الجزيرة، وبالرغم من خرق اليونان لمعاهدة السلام، كان الموقف الأوروبي والأمريكي ناعمًا تجاه اليونان.

ومع بدء المفاوضات القبرصية عام 1968، دعمت تركيا الحل المعروض لإنشاء دولة فيدرالية، ولكن اليونان تابعت التصعيد، وبات واضحًا للساسة الأتراك أنّ الاعتماد الكلي على المعسكر الغربي لن ينقذ تركيا من عزلتها، وهو ما أكّدته تطورات الأزمة القبرصية من جديد في وقتٍ لاحق، عندما دخل الجيش التركي عامَ 1974 إلى بعض المناطق في جزيرة قبرص، فردّت الولايات المتحدة بحظر بيع أسلحة ضدّ تركيا، وهنا بدا الانفتاح على الدول العربية أكثر أهمية بالنسبة لتركيا.

بعد الانقلاب تأسس حزب العدالة بقيادة سليمان دميرل وتم انتخابه عام 1965 ليكون رئيسًا للوزراء، وأعلن دميرل في برنامجه السياسي عن سياسة تقاربيّة من الدول العربية والمسلمة «الأخوية»، وأنتجت هذه السياسة توقيع اتفاقيات تجارية بين مصر وتركيا عام 1966، وانضمت تركيا لمبادرة الملك فيصل لتأسيس «المؤتمر الإسلامي».

لم تتخذ تركيا دورًا فاعلًا في القضايا العربية المشتعلة في تلك الفترة، واقتصرت على مواقف مساندة للعرب، ففي حرب عام 1967، لم تقبل استخدام قواعدها العسكرية ضد الدول العربية، وبالإضافة إلى الدعم الإعلامي، أرسلت معوناتٍ طبية وتموينية إلى سوريا، واصطفّت مع العالم العربي في الأمم المتحدة.

ظلّت العلاقات هادئةً حتى وفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر (أيلول) 1970، وتحسنت بمجرد تسلُّم أنور السادات السلطة، ففي سبتمبر 1973، قبيل نشوب حرب أكتوبر، زار مصر وفدٌ تركيّ بدعوةٍ مصرية، على رأسه هالوك بايولكين وزير الخارجية التركي، وناقش الطرفان عدة مسائل منها «تجديد معارضتهم لاستخدام القوة كوسيلة لكسب أراضٍ إقليمية ومزايا سياسية» مشيرين بذلك إلى إسرائيل واحتلالها لسيناء.

كانت هذه الخطوة جزءًا من حملة السادات المُمهِّدة للحرب، والتي كانت نتيجتها إخراج القوات الإسرائيلية من سيناء، وفي أيام الحرب أعلنت تركيا بأنّ الولايات المتحدة لا يمكنها استخدام قاعدة إنجرليك الجوية لمساندة إسرائيل، وسمحت للطائرات السوفيتية بالمرور عبر أجوائها لنقل إمداداتٍ للدول العربية، ولأنها لعبت هذا الدور استُثنيت تركيا من قرار قطع البترول الذي قادته السعودية وأدى لأزمة اقتصادية عالمية.

Embed from Getty Images

أثناء استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن لأنور السادات خلال زيارته لإسرائيل عام 1979

انتهت حرب أكتوبر وأمّنت مصر سيادتها على أراضيها، ولم تمض سنوات حتى زار أنور السادات إسرائيل معلنًا بذلك انضمامه بالكامل للمعسكر الغربي. وبهذا التقت أنقرة والقاهرة وطهران في معسكرٍ واحد، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، إذ لم تمر شهور حتى اندلعت الثورة الإسلامية في إيران وحلّ آية الله الخميني على إيران زعيمًا ومرشدًا، لتصبح إيران عدوًا شرسًا للمصالح الأمريكية بعد أن كانت في عهد الشاه ركيزةً أساسيةً لواشنطن في المنطقة. وبعد خروج إيران من منظمة السينتو، والعراق من قبلها خرجت من حلف بغداد، انهار الحلف، وفي مارس 1979 أعلن حلّ المنظمة على لسان الأمين العام لمنظمة السينتو، والدبلوماسي التركي كامران جورون، في اجتماع لأعضاء المنظمة.

التفاعل في ظلِّ القطب الأوحد

بعد اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 والغزو السوفيتي لأفغانستان في نفس العام، سعت واشنطن لتكوين حزامٍ أمني مكوّن من تركيا، ومصر، وإسرائيل، ليكونَ حافظًا للمصالح الأمريكية في المنطقة، واعتمدت على سياسةٍ أسمتها «الحزام الأخضر»، هدفها محاربة «الإسلام المتطرّف» المتمثل في الثورة الإيرانية، ودعم «الإسلام المعتدل» المتمثل بدولٍ عدة أخرى، مثل: السعودية، ومصر، وتركيا، وباكستان.

وبفضل هذا التقارب تعزَّزت الروابط التجارية بين تركيا ومصر من ناحية، وبين تركيا ودول الخليج من ناحيةٍ أخرى. ونشطت أنقرة أكثر في منظمة التعاون الإسلامي، وحاولت إقناع أعضاء المنظمة إعادة عضوية مصر بعدما انقطعت العلاقات معها بسبب تطبيعها مع إسرائيل.

في كتابه الشهير «العمق الإستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية»، يقول أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية ورئيس الوزراء التركي السابق، أنّه «في بداية عقد الثمانينات، أخذت العلاقات (التركية – العربية) في بناء مجالات مصالح مشتركة من خلال روابط اقتصادية مُكثَّفة، كان من نتائجها قيام مشروعات مثل خط أنابيب كركوك – يومورتالك، الذي قرَّب بين تركيا والعراق. وفي النصف الأول من عقد الثمانينات، عززت تركيا من تأثيرها في المنطقة بالعلاقات التي طورتها مع دول عربية مهمة، مثل مصر، والعراق، والمملكة العربية السعودية، بوسائل ومحاور مختلفة».

كان صراع الهوية الإسلامي – العلماني في الشارع التركي محتدمًا في تلك الفترة، ولم يزل إلى اليوم، وشهدت حينها تركيا انقلاباتٍ جديدة، كان أشرسها انقلاب عام 1980، ورغم الانقلابات، أثبت «الإسلاميون» في تركيا، بقيادة نجم الدين أربكان، أنّهم ورقةً صعبة في بانوراما السياسة التركية، إذ اكتسح أربكان وحزبه الرفاه انتخابات عام 1995، وشكلَّ حكومة ائتلافية مع حزب الطريق القويم، وتسلم أربكان بذلك رئاسة الوزراء.

Embed from Getty Images

نجم الدين أربكان في حشدٍ جماهيري عام 1980

رأى أربكان أنّ قوة وحيوية تركيا تكون بالأساس في إطار عالمٍ إسلاميّ قوي ومتماسك. وبعد تسلُّمه السلطة، تواصل مع قياداتٍ من جماعة الإخوان المسلمين مثل أحمد سيف الإسلام البنا في مصر، وراشد الغنوشي في تونس، وأزعجت هذه الاجتماعات الحكومات في مصر وتونس. وأقلقت هذه التحركات المعسكر الغربي، خاصةً بعد رحلات أربكان المكوكيّة إلى القارة الآسيوية وزيارة بعض الدول الإسلامية، مثل ماليزيا، وإندونيسيا، ومن ثم رحلاته إلى القارة الأفريقية لزيارة مصر، ونيجيريا، ليبيا.

خلال زيارته لمصر عرضَ أربكان مشروع «مجموعة الثماني الإسلامية»، الذي يهدف لزيادة التعاون بين الدول الإسلامية الثماني الكبرى، وعندها عرض المشروع على الرئيس المصري حسني مبارك الذي لم يوافق عليه، وأشار إلى أنّ كلمة «الإسلامي» قد تفهم بطريقة خاطئة، وحاول أربكان بهذا المشروع الخروج من علاقة بلاده الوطيدة مع إسرائيل، ولكن سرعان ما جاءت المذكرة الانقلابية عام 1997 من الجيش التركي، وهي قرارات صادرة عن جنرالات أتراك في مجلس الأمن القومي، لإنهاء حكومة أربكان الائتلافية، فآثر أربكان الانسحاب من السياسة تفاديًا لانقلابٍ دمويّ، واستقال من رئاسة الوزراء.

ظلّت العلاقات بين مصر وتركيا هادئةً في عهد مبارك، مع تعاونٍ محدودٍ في العلاقات التجارية والدبلوماسية، ومع اندلاع الأزمة السورية التركية عام 1998، بسبب دعم سوريا لحزب العمال الكردستاني الذي تصنّفه تركيا «إرهابيًّا»، حاولت مصر لعب دور الوسيط لإنهاء الأزمة، وشاركتها إيران والجامعة العربية في الوساطة لرعاية «اتفاقية أضنة» التي أفضت إلى اتفاقية أمنية بين تركيا وسوريا، تمنعُ بموجبها سوريا أي أنشطة لحزب العمال الكردستاني داخل أراضيها.

عادَ بعض الإسلاميين في تركيا مرةً أخرى بثوبٍ جديد ومختلف، وبرزوا أكثر مع صعود حزب العدالة والتنمية عام 2002، ومع تصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة إبّان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، تبنَّت تركيا، على العكس منها، سياسة «صفر مشاكل»، وبدأت في تأسيس حقبةٍ جديدة في سياستها الخارجية، تُصفر فيها الصراعات والمشكلات، وتبنى التحالفات، خاصةً الاقتصادية منها.

وفي ظلِّ هذه الرؤية، تطورت العلاقات التركية مع كلٍ من سوريا، وإيران، والعراق، ومصر، وفي عام 2003، تأسست جمعية رجال الأعمال الأتراك المصريين «تومياد»، وهدفها تعزيز وتشجيع الأعمال والعلاقات التجارية بين البلدين.

لحقت هذه الجهود التجارية توصل تركيا ومصر إلى الاتفاقية التجارية الحرة عام 2005، ودخلت حيز التنفيذ في 2007، وبحسب موقع وزارة التجارة التركية، فقد تضمنت الاتفاقية إلغاء التعريفات الجمركية وغير الجمركية بين الطرفين، وألغت تركيا الرسوم الجمركية على البضائع الصناعية المصرية فور دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، بينما ستلغي مصر الجمارك على البضائع الصناعية بشكل تدريجي حتى تُعفى بشكل كامل في يناير (كانون الثاني) 2020.

وتطورت العلاقات التجارية بين الطرفين حتى أصبح من الصعب الاستغناء عنها، فقد سجّلت وزارة الإحصاء التركية في تقرير نشرته عام 2013، ارتفاعًا متزايدًا في حجم الصادرات والواردات بين تركيا ومصر، فبعد أنّ بلغت الصادرات التركية إلى مصر مليارين ونصف دولار في عام 2009 وصلت إلى 3 مليارات و200 ألف دولار عام 2013، وبنفس الوتيرة ارتفعت الواردات من مصر من 641 مليون دولار عام 2009، إلى مليار و600 مليون عام 2013.

وخلال العقد الأول من القرن الحالي، اتخذت تركيا مواقف إعلامية ودبلوماسية حادة من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وسُجّل أوّل ظهور ذو شعبيةً للرئيس التركي رجب طيب أردوغان (رئيس الوزراء آنذاك) في العالم الإسلامي بعد موقفه الغاضب من رئيس إسرائيل حينها شمعون بيريز في مؤتمر دافوس عام 2009، ولاحقًا في أحداث أسطول الحرية الذي انطلق من تركيا محملًا بالمساعدات الإنسانية لقطاع غزة.

مقطع لحادثة دافوس بين رئيس الوزراء التركي آنذاك، رجب طيب أردوغان، وشمعون بيريز، الرئيس الإسرائيلي آنذاك، عامَ 2009

عهدٌ جديد.. الربيع العربي يفرض واقعًا مختلفًا

اشتعلت المنطقة مع ثورات الربيع العربي، ولمصر حصتها فيها بقيام ثورة 25 يناير وخلع حسني مبارك. ورغمَ أنّ الربيع العربي، بمنظورٍ براجماتي، مثَّلَ تهديدًا لكل الترتيبات الإقليمية التي هندستها أنقرة لأعوام مع العالم العربي، إلّا أنّها أدركت أهمية هذه اللحظة بالنسبة لتركيا، وأهمية مصر «الجديدة» بالذات.

كان أردوغان من أوائل الرؤساء الذين صرَّحوا مطالبين مبارك بالتنحي. قال أردوغان: «السيد حسني مبارك: أريد أنّ أقدم لك نصيحة صادقة، وتحذيرًا صريحًا.. كلنا سنموت، وسنسأل عن أعمالنا عند موتنا».

وبعد تنحي مبارك، زار أردوغان مصر برفقة وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو، والتقى مع مسؤولين مصريين، مثل المشير طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الأسبق، وقياداتٍ من جماعة الإخوان المسلمين، ووقّع أردوغان في تلك الزيارة 12 مذكرة تفاهم، وأعلن عن تأسيس «مجلس التعاون التركي المصري المشترك». ومع انتخاب الرئيس الراحل محمد مرسي، أعلن أردوغان عن تخصيص دعمٍ ماليّ لمصر بقيمة مليار دولار، نصفها على شكلِ قروض ثنائية، وخلال هذه الفترة وقعت مصر وتركيا 40 اتفاقية في مجالات تجارية وعلمية وغيرها.

ومن أهم الاتفاقيات التي وقعت في تلك الفترة اتفاقية «الرورو»، التي تُنظِّم مرور العبَّارَات التركية. فبعدما أغلقت سوريا خطوط النقل البري أمام تركيا، واجهت الصادرات التركية إلى الخليج أزمة كبيرة، فجاءت الاتفاقية لتنظم عبور الشاحنات بحريًا إلى مينائي دمياط وبورسعيد، ومن ثم العبور برًا إلى ميناء الأدبية المصري على البحر الأحمر، لتنقل البضائع إلى السعودية وبقية الدول الخليجية، ووقَّع الطرفان اتفاقية أخرى لتخفيض 60% من تكاليف النقل على العبَّارَات التركية المارة من قناة السويس، وظلّت اتفاقية الرورو سارية حتى عام 2015.

وكشفَ وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو عن زيارةٍ تاريخيّة، حين توجه هاكان فيدان، مدير المخابرات التركية، إلى القاهرة في زيارةٍ لتنبيه مرسي وتحذيره من تحرُّكٍ يُخطَّط له داخل الجيش المصري للإطاحة به.

ومنذ البداية ندد أردوغان بما حصل، ووصف وزير الدفاع المصري آنذاك عبد الفتاح السيسي بـ«الطاغية» و«المتسلط» في المحافل الدولية، وزادت حدة التوترات بين الطرفين إلى أنّ طردت القاهرة السفير التركي، بعدما طلبت تركيا من مجلس الأمن فرض عقوبات على السيسي، وطردت أنقرة السفير المصري كذلك. ومع الوقت ازدادت حدّة التنافس بين البلدين في ليبيا، وفي شرق المتوسط، وأزعج القاهرة استضافة تركيا لمعارضة مصرية، ورغم تردي العلاقات السياسية، أبقى الطرفان العلاقات التجارية خارج الحسبة السياسية.

الجيش يحكمُ في مصر.. ساحات الصراع بين أنقرة والقاهرة تتَّسع

بعد نشوب الحرب الأهلية في ليبيا عام 2014، ثم انقسامها بين معسكر الشرق، ممثلًا بالجنرال خليفة حفتر، ومعسكر الغرب، ممثلًا بحكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، أصبحت ليبيا ساحة صراع نفوذٍ دولي وإقليميّ تضمُّ لاعبين دوليين وإقليميين كثر، ومن بينهما مصر وتركيا بشكل أساسي.

بالنسبة لمصر، فليبيا مسألةٌ حسّاسة تمسُّ أمنها القوميّ بشكلٍ مباشر، فتواجد قوَّة أجنبية في ليبيا يعطيها إطلالةً مباشرةً على الحدود المصرية. أما بالنسبة لتركيا، فليبيا قد تحلُ أزمة أمن الطاقة التركية، وتوسّع فرص تركيا للحصول على حدودٍ بحريةٍ أوسع والاستفادة من حقول الغاز المنتشرة في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهي ساحة تكتيكية لملاعبة خصومها الإقليميين وكسب نفوذٍ أكبر في القارة الأفريقية.

ومنذ بداية الحرب في ليبيا، دعمت مصر الجنرال حفتر وجماعاته المسلحة، وكان حفتر خلال الحرب يتردد على القاهرة للاجتماع مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ووفقًا لقناة الجزيرة التي نقلت تسريباتٍ لغسان سلامة، المبعوث الأممي إلى ليبيا، فقد كان الجيش المصري يقدم استشاراته لحفتر، ويرسم ويخطط في أرض المعركة.

وفي عام 2019، بعد إعلان قوات حفتر عن حملة غرب ليببا بهدف السيطرة على طرابلس، تحرَّكت أنقرة سريعًا لدعم حكومة الوفاق، وأظهر الجيش التركي قوته في هذه المعركة بطائراته المسيرة، واستطاعت أنقرة لعبَ دورٍ أساسي ومحوري لحسم وإنهاء المعركة في يونيو (حزيران) 2020 لصالح حكومة الوفاق، ثم إعلان فشل قوات حفتر في اقتحام العاصمة الليبية.

مقطع يُظهر مسيّرات تركية في ليبيا تُدمر منظومات بانتسير الدفاعية الجوية الروسية

مهّدت مصر الطريق وسهلت حدودها للإمارات وروسيا لنقل الأسلحة ومد المعونة لقوات حفتر، وبعد هذه الخسارة، اجتمع السيسي مع زعماء القبائل الليبية بالشرق، عارضًا عليهم تدريب وتسليح أبناء القبائل، وفي نفس اللقاء قال السيسي: «فلنتوقف على هذا الخط (الذي وصلَت له جميع الأطراف)، ونبتدي إجراءات ومباحثات وتفاوض للوصول إلى حل للأزمة الليبية… حل سياسي. إنما إذا كان يعتقد البعض أنّه يستطيع أنّ يتجاوز خط سرت-الجفرة، هذا الأمر بالنسبة لنا خط أحمر».

كانت النتيجة توجهٌ دولي لوقف إطلاق النار وعقدِ مباحثاتٍ لإيجاد حلٍ سياسي، ووجود رغبة أمريكية بأنّ تكون المنطقة الوسطى التي توجد فيها مدينة سرت والجفرة منزوعةَ السلاح، ودامت مباحثات الحل السياسي شهورًا، وكانت النتيجة انتخاب ملتقى الحوار السياسي الليبي لمحمد المنفي رئيسًا للمجلس الرئاسي الليبي، وعبد الحميد الدبيبة رئيسًا للوزراء، لفترة انتقالية حتى عقد انتخابات في ديسمبر (كانون الأول) 2021، ولدى الدبيبة علاقات متوازنة مع كلٍ من القاهرة وأنقرة.

هل يؤسّس شرق المتوسط لمرحلة جديدة في دراما العلاقات بين البلدين؟

في منشورٍ على «فيسبوك» لأستاذ الجغرافيا في جامعة القاهرة، عاطف معتمد، يقول فيه إن توجه مصر للاستفادة من بحارها هو «تصحيحٌ لخطأٍ جيو-إستراتيجي وجيواقتصادي» أهملت فيه مصر «عبر القرون في استثمار أكثر من 2000 كيلومتر تشرف مصر من خلالها على البحرين المتوسط والأحمر»، ويبدو أنّ اكتشاف حقول النفط بالأبيض المتوسط فتّح أعين القاهرة على استغلال هذه اللحظة التاريخية، لتصبح قوة إقليمية في مجال الطاقة.

منذ 2014 بدأت مصر محاولة موضعة نفسها في سباق شرق المتوسط، وعقدت تحالفاتٍ مع كلٍ من اليونان وقبرص، مقصيةً بذلك تركيا من أيّة مفاوضات لترتيباتٍ مستقبلية بالمتوسط، وهو ملفٌ شديد الأهمية بالنسبة لتركيا.

تتحرّك أنقرة اليوم مستعينةً بـ«إستراتيجية كبرى – Grand Strategy»، تسمى «الوطن الأزرق – Mavı Vatan»، صكَّ مصطلحها الأدميرال جيم جوردنيز، مدير التخطيط بالقوات البحرية التركية سابقًا عامَ 2006، وخلاصة هذه الإستراتيجية هي أنّ استقلالية تركيا مرهونةٌ بتوسُّعها البحري، وأنّ ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى ترتيباتٌ «غير عادلة»، ويرى منظّرو الوطن الأزرق أن حقوق تركيا البحرية الاقتصادية من الأضعف في شرق المتوسط رغم أنّ ساحلها المُطل عليه هو الأطول.

ويأتي مفهوم الوطن الأزرق ضمن رؤية جوردنيز بأنّ تركيا عليها أنّ لا تراهن على حلف الناتو والتحالف الوثيق مع الغرب، خصوصًا مع الولايات المتحدة، التي يتهمها بأنّها «تقوض المصالح التركية»، ويدعو جوردنيز للتقرب أكثر إلى قوى آسيا، دولٍ مثل الصين وروسيا، لموازنة نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة.

وبعدَ جوردينز، جاء الأدميرال التركي جهاد يايجي، ليبني على مفهوم الوطن الأزرق، ويُعطي العقيدة العسكرية البحرية أبعادًا جديدة من القانون الدولي، وشرحَ كيف يمكن توسيع الحدود البحرية التركية.

خريطة تُظهر الحدود البحرية لعقيدة الوطن الأزرق التركية. مصدر الصورة: ويكيبيديا

كان يايجي من أوائل الذين دعوا لعقدِ اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع ليبيا، ومع كل الدول المُطلة على شرق المتوسط، وشرح في كتابه «ليبيا جارة تركيا من البحر – Libya Türkiye’nin Denizden Komşusudur» بأنّ تركيا وليبيا يتشاركان نطاقًا ساحلي، وهذا بموجب القانون الدولي يؤهلهما لعقد اتفاقية بحرية، ونادى يايجي بالتسريع في عقد الاتفاقية للتخريب على اتفاقية «المنطقة الاقتصادية الخالصة» بين قبرص واليونان.

كان عام 2018 عامَ المناورات التركية في الأبيض المتوسط، فقد بدأت تركيا بتحريك سفنها البحرية والتنقيبية في نطاق مياهها الإقليمية، وبعض المناطق المتنازع عليها. وظّفت أنقرة هذه اللعبة لاستفزاز خصومها بالمتوسط، وحفّزت هذه الاستفزازات العمل على تأسيس «منتدى غاز شرق المتوسط» عام 2019 الذي يضمُّ سبع دول مُطلة على شرق المتوسط: مصر، والأردن، وإسرائيل، وقبرص، واليونان، وإيطاليا، والسلطة الفلسطينية، وظلّت تركيا خارج الصورة.

وما هي إلا أربعة شهور من تأسيس المنتدى، حتى أعلن حفتر عن معركته ضد طرابلس التي خسرها بسبب الدعم التركي لحكومة الوفاق، ولم تدخل تركيا إلى ليبيا إلا بعد توقيعها اتفاقية مع حكومة الوفاق شملت اتفاقًا عسكريًا، واتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين. وهنا يأتي دورُ إستراتيجية الوطن الأزرق، ويظهر تأثيرها على علاقة تركيا بالعالم العربي، وبمصر تحديدًا، فأولًا جاءت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية نتيجةً للإستراتيجية، وثانيًا، تنصُّ الإستراتيجية على أن يكون لمصر امتيازات بحرية أكبر إذا تفاهمت مع أنقرة، تفوق امتيازاتها في أي اتفاق مع اليونان. وأرسلت أنقرة رسائل عديدة إلى القاهرة، مفادها بأنّ مصلحتها في شرق المتوسط مع أنقرة، وليس مع غيرها من اللاعبين.

وبعدما حسمت المعركة في ليبيا لصالح حكومة الوفاق، وجدت مصر أن رهانها كان على الحصان الخاسر في ليبيا، ثم جاءت تحركات إسرائيلية في المتوسط في محاولة لإقصاء القاهرة من سوق الطاقة في المنطقة، ولتلك الغاية وقَّعت إسرائيل اتفاقية «إيست ميد» مع كلٍ من قبرص واليونان، والتي تقضي بمدّ خط أنابيب يخرج من سواحل إسرائيل مرورًا بقبرص، ومن ثم إلى الأسواق الأوروبية دون المرور بمصر، وهذه المساعي الإسرائيلية تُقوّض مشروعًا يسعى الرئيس المصري لتحقيقه، بِجعلِ مصر مركزًا لاستقبال الغاز الموجود في شرق المتوسط، ثم إسالته ونقله إلى أوروبا.

هُنا واجهت القاهرة احتمالات خساراتٍ كبيرة، في ليبيا غربًا، والمتوسط شمالًا، ناهيك عن أزمة سد النهضة الخانقة مع إثيوبيا.

في نهاية 2020 وقَّعت مصر واليونان اتفاقية ترسيم للحدود البحرية، ولم تتضمَّن الاتفاقية مناطق الجرف القاري الخاصة بتركيا، فاستقبلت أنقرة الرسالة ونشطت قنوات التواصل السرِّي بين الطرفين، تلاها إرسال بعض الرسائل الإيجابية من الطرفين. وبدأت الاجتماعات بين الطرفين على مستوى مسؤولين في أجهزة الاستخبارات، بزيارةٍ لمسؤولٍ تركيّ إلى القاهرة، وتقولُ مصادرٌ للتلفزيون العربي إن هذا المسؤول هو هاكان فيدان، مدير المخابرات التركية، وجاءت زيارته لمناقشة الملف الليبيّ، بعد ذلك، وفي أولى الزيارات الرسمية لمسؤولين مصريين منذ 2014، وصلَ وفدٌ مصري من دبلوماسيين من وزارة الخارجية المصرية، وشخصيات أمنية نهاية عام 2020 إلى طرابلس، لعقدِ اجتماعات مع مسؤولين من حكومة الوفاق لمناقشة اتفاقيات اقتصادية.

وبعد عقدِ عدة لقاءات استخباراتية بين مصر وتركيا، بدأ فوجٌ من التصريحات التركية المتودِّدة للقاهرة، ففي مارس 2021 صرَّح المبعوث الشخصي للرئيس التركي إلى العراق: «إذا اتجهت مصر نحونا خطوة سنأتيها نحن هرولة». وبعد هذه التصريحات المتبادلة بفترة، أبلغت جهات تركيّة القنوات المصرية المعارضة التي تبث من إسطنبول بالالتزام بمستوى أعلى من الموثوقية الإعلامية، في إطار اتفاقٍ لتخفيف الحرب الإعلامية بين البلدين، وكبادرة حسن نية وزيادة في التقرب، ووفقًا لموقع «ميدل إيست آي»، فإنّ تركيا رفعت مؤخرًا حق النقض (الفيتو) الذي استخدمته لحظر مصر من عقد شراكات عسكرية مع حلف الناتو.

ختامًا إذا استطاع البلدان تجاوز خلافاتهما القريبة، والتوصل لاتفاق ترسيم الحدود البحرية شرق المتوسط، فقد تكون هذه الاتفاقية مرحلة عبور لنقل العلاقات الثنائية إلى مستوى مختلف، قد يكون أكثر عمقًا، وربما لاحقًا أكثر «إستراتيجية»، فكما أبقت العلاقات التجارية القوية آخر الأوصال بين أنقرة والقاهرة، فقد يكون شرق المتوسط بابًا لتوطيدها. والسياسة لا تعرف إلا مبدأ المصالح، فأيّ مستقبل ينتظر العلاقات المصرية التركية؟

المصادر

تحميل المزيد