تقريرًا ترصد فيه ما يعاني منه الشباب المصري، تحت وطأة ما سمّته الصحيفة «الحكم العسكري الخانق، المجنون بالشك»، تحت عنوان: عام مصر للشباب: كيف صار «جيل الاحتجاج» «جيل السجن»

نشرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، في 13سبتمبر (أيلول) الحالي، تقريرًا ترصد فيه ما يعاني منه الشباب المصري، تحت وطأة ما سمّته الصحيفة «الحكم العسكري الخانق، المجنون بالشك»، تحت عنوان: عام مصر للشباب: كيف صار «جيل الاحتجاج» «جيل السجن».

ضمنت الصحيفة، في التقرير المشترك الذي كتبه «روبرت ترافورد» و«ميس رمضاني»، قصة الطفل «زياد حسن قناوي»، ذي الثلاثة أعوام، والذي يواجه حكمًا قضائيًا بالسجن أربعة أعوام وثلاثة أشهر، بعد إدانته بالسرقة ومقاومة السلطات.

قناوي، الذي وصفه كاتبا التقرير بأنه كان نائمًا على كتف محاميه، وقت تقدّمه بالنقد على الحكم، هي الحالة الثانية التي يقف فيها أطفال حديثو المشي أمام المحكمة، فالحالة الأولى كانت للطفل «أحمد منصور قناوي»، الذي «كان محظوظًا كفاية»، كما أوردت الجريدة في تقريرها؛ ليحكم عليه بالسجن مدى الحياة، أو 25 عامًا بحسب القوانين المصرية، في فبراير (شباط) الماضي.

تذكر الصحيفة أن أحداث مثل تلك قد تكون مزعجة بما يكفي، لكن الرئيس المصري ذا الخلفية العسكرية، عبد الفتاح السيسي، أعلن في يناير (كانون الثاني) الماضي عام 2016 كعام الشباب المصري، واعدًا بالتركيز على التوظيف والتعليم، وفتح حوار بين إدارته وبين الأجيال الشابة «المضطربة»، على حد وصف الصحيفة، ولكن بعد تسعة أشهر من هذا الوعد، يبدو، بحسب الصحيفة، أن ما وعد به السيسي لم يتحقق.


توضّح «الإندبندنت» أن الفساد المستشري قد دمّر النظام التعليمي، الذي يحتل المرتبة 139 من أصل 140 دولة على مستوى العالم، في جودة التعليم الثانوي، وهذا بحسب تقرير التنافسية العالمي، دافوس، للعام 2015-2016، بالإضافة إلى معدلات البطالة التي قفزت إلى أكثر من 40%، والمسارح والمكتبات في مصر على وشك الإغلاق أو أغلقت بالفعل، كما تم منع بعض الفنون خوفًا من المعارضة.

في انتظار الاعتقال

يذكر التقرير الفيديو الذي نشره «محمد ياسين» حول القصته التي وصفتها الجريدة بـ«الاستثنائية»، فالشاب البالغ من العمر 21 عامًا، قضى آخر أربع سنوات من عمره داخل وخارج السجون المصرية؛ بسبب دوره في الاحتجاجات. وكانت المرة الأولى في عهد الرئيس «المعزول» محمد مرسي، وبعدها في عهد «الحكم العسكري»، بحسب وصف الصحيفة، ويقول ياسين في تسجيله، الذي نشره على «فيسبوك» الشهر الماضي «خرجت بعفو رئاسي منذ سبعة أشهر، قضية مظاهرة مجلس الشورى؛ لأكتشف أني متهم في قضية أخرى، وأنا هارب منذ ذاك الحين».

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/yassin1911/videos/vb.100002233727982/1057022967715484/?type=2&theater ” width=”” ]

يقول ياسين «أجلس كل يوم بغرفتي بملابس السجن أنتظر اعتقالي، لا أستطيع العيش بمصر ولا أستطيع تركها»، يضيف «هل عليّ أن أمضي حياتي هاربًا أم أمضيها في السجن؟»


لاقى الفيديو الذي يحكي فيه ياسين قصته انتشارًا واسعًا، بين مستخدمي «السوشيال ميديا» المصريين، إلا أن ياسين ليس اسمًا ذا صيت كناشط، كما تصف الصحيفة، لكن أحد اهم الأحداث في 2016، هو «تجديد الجهود»، بحسب وصف الصحيفة، لاعتقال نشطاء بارزين يلتف الشباب المصري حول قصصهم، أحد هذه الأسماء كانت الناشطة ذات الـ 22 عامًا، «سناء سيف»، سليلة عائلة تشتهر بالمحامين والحقوقيين والنشطاء، وهي عائلة المحامي الحقوقي «أحمد سيف الإسلام»، والتي تم إدانتها بتهمة «إهانة القضاء»، بعد ستة أشهر فقط من خروجها بعفو رئاسي في أواخر العام 2015.

تظاهرات

تذكر الصحيفة أن من بين تلك الأسماء البارزة، التي زُج بها في السجون، القادة القدامى لحركة «شباب 6 أبريل»، والتي أسست في العام 2008، ورُشّحت لجائزة نوبل للسلام عام 2011، واعتبرت جماعة غير قانونية عام 2014، هؤلاء هم قلب من سمتهم منظمة العفو الدولية «جيل الاحتجاج»، هم الآن، بحسب الصحيفة، «جيل السجن».


وكان «زيزو عبده»، الناشط المصري وواضع شعارات «6 إبريل» منذ العام 2008، حتى أواخر العام 2015، يعد آخر النشطاء الأحرار من هذا الجيل، وبطلاً للنشطاء المصريين الفتيان، لكنه اعتقل في أبريل (نيسان) الماضي، وذلك بعد مظاهرة ضد «هدية» عبد الفتاح السيسي، إلى المملكة العربية السعودية، وهي جزيرتا البحر الأحمر الاستراتيجيتين «تيران وصنافير».

ويقول عبده عن استجوابه «قاموا باستجوابي لـ 12 ساعة، وبمجرد خروجي قال لي الضابط: زيزو! سأعيدك هنا قريبًا». هذا وكان آخر فعل قام به عبده هو لقاء المحامي الحقوقي، «مالك عدلي»، لشرب القهوة، بعد أسبوع من استجوابه، لتقوم السلطات المصرية باعتقاله مرة أخرى.

IMG_4879ويحكي عبده عن واقعة احتجازه للـ«إندبندنت»: «أربع سيارات خاصة أحاطت بنا، ورجال بلباس مدني قاموا بتوجيه أسلحتهم نحونا، هاجمونا وضربونا، أحدهم قام بضربي بمسدسه على أسفل رأسي، وسحبني نحو إحدى السيارات، وعصب عيني».

يظهر الآن عبده كل 15 يومًا أمام القاضي ليجدد حبسه الاحتياطي، وسأله القاضي الشهر الماضي عن السبب الذي مازال محتجزًا به حتى الآن، مع عدم وجود صلة بينه وبين الجرائم المنسوبة إليه، وعلى الرغم من ذلك، عاد عبده إلى السجن، أو«الثلاجة» كما يسمونها، ويلوم أصدقاء «عبده» بحسب «الإندبندنت» الأمن الوطني على «التدخّل في العملية القضائية».

ضمّن التقرير وصف المحامي الحقوقي، مالك عدلي، لدور المحاكم تحت ما أسمته الصحيفة «الحكم العسكري»، أنه يهدف إلى «تأكيد ظلم المواطنين، وجعله يبدو كإجراءات قانونية سليمة».

فساد

اهتم التقرير برصد تظاهرات طلبة الثانوية العامة، كدليل على الفساد المستشري في النظام التعليمي، والتي حدثت خلال فترة الامتحانات الصيفية، في يونيو (حزيران) الماضي، وهي التظاهرات التي شجّعها الإحراج الكبير، المتسبب مما وصفته الجريدة بـ «لعبة القط والفأر»، بين وزارة التعليم المصرية، وصفحة شخصية افتراضية تعرف بـ «شاومينج».

تسبب «شاومينج»، كما تذكر الصحيفة، في إلغاء وتأجيل عدد من امتحانات الثانوية العامة، التي جرت في يونيو (حزيران) الماضي، بسبب تسريبه لأسئلة الامتحانات ونموذج الإجابة، قبل أو أثناء الامتحان.

تقول الصحيفة إنه بغض النظر عن الشخصية الحقيقية وراء «شاومينج»، فإن حالة الإحباط من الفساد والمحسوبية، في النظام التعليمي المصري، هي التي تحركه، ووصف «شاومينج» النظام التعليمي المصري بالـ «العبثي»، وطالب بتحسين رواتب المعلمين، وتغييرات واسعة في المناهج المدرسية، قائلًا «حتى أرى تحسّنًا في النظام التعليمي، ستستمر التسريبات».

وفي رد فعلٍ وصفته الجريدة بـ«المتوقع»، قامت موجة اعتقالات لطلبة ومسؤولين رسميين، في بداية يونيو (حزيران) الماضي، إلا أن التسريبات استمرت، وكرد من «شاومينج»، قال: إنه يشعر بالأسف حيال من اعتقلوا، مؤكدًا أن السلطات المصرية لا تستطيع الإمساك به؛ لأنه لا يعيش في مصر، مستدركًا «شاومينج فكرة، والفكرة لا تموت».

هذا وتظاهر مئات من طلبة الثانوية العامة، بعد إحباطهم من عدم قدرة الحكومة المصرية على حماية نظام الامتحانات الخاص بها، أمام مقر وزارة التعليم المصرية، في يوليو (تموز) الماضي، وهي التظاهرات التي فرقتها الشرطة المصرية بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي.

رصد التقرير أيضًا واحدة من تحركات النظام، ضد الناشط البارز في مجال حقوق الإنسان، «جمال عيد»، والتي قد تتسبب في إغلاق واحدة من المبادرات الهامة، التي تهدف إلى سد الفجوة التي يسببها نظام التعليم المصري، مبادرة مكونة من خمس مكتبات في أفقر مناطق القاهرة، تحت مسمى«مكتبات الكرامة»، أولها افتتح في حي «دار السلام» عام 2012، تحت اسم «مكتبة خطوة».

وقدمت «مكتبة خطوة» العديد من ورش الكتابة الإبداعية والتصوير، ورعت معارضًا فنية، واستضافت أحداثُا ثقافية، بالإضافة إلى نشر كتب لكتّاب شباب.

واستطاع «عيد» تمويل هذا المشروع، من خلال جائزة «الكرامة الإنسانية»، التي حازها في عام2011، من مؤسسة «رونالد برجر»، وقيمتها 330 ألف يورو، لكن في وقت سابق من هذا العام، أعادت السلطات المصرية فتح القضية المعروفة بـ«قضية المجتمع المدني»، والتي تتهم فيها عددًا من المؤسسات الحقوقية غير الحكومية بـ«أخذ أموال غير قانونية».

ويقع مصير الجائزة المالية، التي استطاع عيد من خلالها افتتاح مبادرته والانفاق عليها، بيد النائب العام، الذي قد يأمر بمصادرة أمواله، إذا لم يتأكد من مصادرها، مما يهدد المكتبات الخمس بالإغلاق.

الضرر الثقافي

تحدث فنان «استاند أب كوميدي»، «علي قنديل»، إلى صحيفة «الإندبندنت»، حول حملته للحصول على أحد مسارح الدولة المغلقة، والمعنونة بـ «عايز مسرح»، وهو مسرح الفردوس في وسط القاهرة، والذي وعده المسؤولون بالحصول عليه خلال أسبوع، كان هذا، كما أوردت الصحيفة البريطانية، منذ عامين.

يقول قنديل للـ«إندبندنت» أن الناس قد فقدوا الإيمان في وعود الحكومة، ولا يظنون أن الحكومة ستفي بوعدها، لكنه منتظر، ويضيف «قالوا لي إن الرئيس بنفسه قد وقّع القرار، لكني لم أسمع منهم أي جديد منذ ذلك الوقت».

ويكمل قنديل للصحيفة أن الحكومة ربما لا تعي قيمة المسرح، وأهميته بالنسبة للشباب، لكن التقرير وصف «جمود الحكومة» بأنه محاولة لقمع صوت المعارضة، بغض النظر عن الضرر الثقافي الدائم الذي ينطوي ذلك القمع عليه.

ويوضّح قنديل أن هناك العديد من المجوعات التي تريد أن تقدم أداءً على مسرح، وهناك جمهور مهتم، لكن ليس هناك مسرح. أو عروض.ويضمّن التقرير هدم مسرح السلام، أحد أهم مسارح القاهرة، كدليل على انهيار الفنون الأدائية فيالعاصمة، والبلاد عمومًا.

ويذكر التقرير أنه بالتزامن مع المكتبات التي تواجه الغلق، والمسارح التي تهمل في انتظار تدميرها، فقد قرر السيسي إنشاء 12 سجنًا جديدًا، منذ توليه السلطة في عام 2014، وحتى الآن. وبحسب وصف الصحيفة، فإن «الحكم العسكري» سعيد بإعطاء هدايا للقوى الأجنبية، أكثر من مواطنيه.

في أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري مع المجلس القومي للمرأة، لمناقشة خطط من أجل «عام المرأة» في 2017، ثم منعت في الشهر التالي لهذا الاجتماع الناشطة النسوية، «مزن حسن»، من مغادرة البلاد، في ظل تحقيقات من قبل الدولة بخصوص منظمة «نظرة» للدراسات النسوية، التي ترأسها مزن.

وتقول الصحيفة البريطانية: إنه إذا كان ما حدث، خلال عام الشباب، مخططًا له بأي شكل، فعلى نساء مصر الاستعداد لوقت صعب في المستقبل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد