في الوقت الذي خرج فيه رئيس الوزراء المصري شريف إسماعيل بعد اختفاء الطائرة المصرية من طراز إيرباص A320 القادمة من باريس رأسًا، في مؤتمر صحافي بعدها بتسع ساعات تقريبًا، قائلًا: «لا أستبعد وجود عملية إرهابية وراء سقوط الطائرة»، وأيده وزير الطيران شريف فتحي في ذلك، وتبادل فيه وزير الخارجية سامح شكري التعازي مع نظيره الفرنسي، جان مارك أيرولت، واكتفى التلفاز المصري بعرض الخبر تحت مسمى «عاجل»، في شريط أخبار صباحي، تعلوه أغنية «لم تُقطع» للمطرب الراحل «محرم فؤاد»، ربما من الأهمية بمكان أن تترك كل ذلك، وتنتبه لعدة نقاط ينبغي المرور عليها.

(1)

هذه ليست الرحلة الأولى للطائرة المصرية المنكوبة في هذا اليوم، فبحسب المعلومات الواردة على موقع «Flightradar24.com»، والذي يحتفظ بجميع سجلات رحلات الطائرات حول العالم، فإن الطائرة المنكوبة، التابعة لشركة مصر للطيران، قامت بخمس رحلات كاملة أول أمس، وحتى سقوطها في مياه البحر المتوسط، أولها رحلة من العاصمة الإرترية «أسمرة»، وحتى القاهرة، ثم رحلتي ذهاب وعودة من القاهرة إلى تونس، ثم رحلة إلى باريس كنهاية رحلات الطائرة، قبل أن تسقط في طريق العودة إلى مطار القاهرة الدولي، في مدى زمني يقدر برحلة كل أربع ساعات ونصف.

الجدول الزمني لرحلات الطائرة المصرية في خلال الأيام من 14 إلى 17 مايو (أيار) الجاري

(2)

طراز الطائرة الإيرباص A320، هو أحد أكثر الطائرات شعبية في العالم، لتميزه في قطع المسافات القصيرة، بأقل قدر ممكن من الوقود، ولذلك لم يكن مستغربًا أن تزيد شركة إيرباص الفرنسية، المصنع الأكبر للطائرات في أوروبا، إنتاجها من عائلة A320، في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، لمواكبة الطلب العالمي.

وعلى الرغم من قدرة الطائرة، في حال المسافات شديدة القصر أو الداخلية، إلا أن خمس رحلات يومية يبدو رقمًا كبيرًا، بخاصة إن كانت بين أربع دول مختلفة، فضلًا عن أن الطراز الأحدث منها، إيرباص A321، والذي يحمل حتى 236 مسافرًا، تبلغ طاقته اليومية ثماني رحلات لا أكثر.

(3)

تكرر مشهد الرحلات اليومية، التي يفوق عددها خمس رحلات، مرتين هذا الشهر، إذ قامت الطائرة بالطيران في 12 رحلة، يومي 13 و15، بمعدل ست رحلات في اليوم الواحد تنوعت ما بين رحلات داخل مصر وخارجها، بينما تراوحت الأيام الأخرى ما بين ثلاث إلى أربع رحلات، وقد تسلمت مصر للطيران الطائرة من الشركة، ضمن صفقة طائرات في يوليو (تموز) من عام 2003، وبذلك تدخل الطائرة عامها الثالث عشر من الخدمة المتواصلة.

(4)

أقلعت الطائرة من مطار شارل ديجول، في الساعة 23:16 دقيقة ليلًا، بتوقيت باريس المكافئ لتوقيت القاهرة، لتقطع رحلة قُدر لها ثلاث ساعات و45 دقيقة، إلا أنها اختفت من على الرادار في تمام الساعة الثانية والنصف صباحًا، بعد ثلاث ساعات وربع، بحسب مصر للطيران.

(5)

يظهر موقع «Flightradar» معلومات مثيرة للاهتمام، قبيل اختفاء الطائرة، فالطائرة قامت بزيادة سرعتها تصاعديًا، وبشكل طبيعي، حتى وصلت إلى سرعة ما بين 461 كيلومترًا، إلى 505 كيلومترًا في الساعة، في منتصف الرحلة تقريبًا، ما بين الساعة 12 ونصف صباحًا، والساعة الثانية والنصف صباحًا، وهي السرعة الاعتيادية للوصول في زمن الرحلة التقليدي، إلا أن السرعة قفزت بشكل مفاجئ، من 510 كيلومترًا إلى 534 كيلومترًا، لحظة اختفائها التام من الرادار.

صورة توضح سرعة الطائرة قبيل اختفائها بثوانٍ قليلة

(6)

كتبت غادة عبد الله، مضيفة في مصر للطيران، بحسب هافينغتون بوست، أن الطائرة الإيرباص هي أسوأ طائرة في الخدمة لدى شركة مصر للطيران، وأنهم (المضيفين) طالبوا كثيرًا، بتغييرها أو تجديدها، إلا أن نداءاتهم ذهبت أدراج الرياح، وقد أيدتها في ذلك رضوى النبراوي، وهي مضيفة أيضًا، بقولها إنهم اشتكوا مرارًا من هذه الطائرة، وحذروا إدارة الشركة بأنها «ستقع لا محالة».

بين ردود الأفعال الفرنسية والمصرية.. واليونانية أيضًا

بدا التضارب بين تصريحات الجهات المصرية سيدًا للموقف، ففي الوقت الذي أصدرت فيه أمس مصر للطيران، في الساعة التاسعة صباحًا تقريبًا بتوقيت القاهرة، بيانها الخامس، مؤكدة فيه على تلقي القوات المسلحة المصرية، رسالة استغاثة من أجهزة الطوارئ بالطائرة؛ نفى مُباشرةً المتحدث العسكري، العميد محمد سمير، أن تكون القوات المسلحة قد تلقت أي رسائل استغاثة.

في هذا الوقت، وأثناء عقد الرئيس الفرنسي، فرانسوا أولاند، لاجتماع أزمة سريع، في التاسعة والنصف صباحًا تقريبًا، وأثناء تحريك القوات المسلحة المصرية لعمليات بحث وإنقاذ، اقتصرت تصريحات المسؤولين المصريين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء المصري شريف إسماعيل، على عدم استبعاد أية احتمالات، وعلى انتظار معلومات أخرى، بعد أكثر من نصف ساعة من بدء اجتماع الرئيس الفرنسي، ثم في العاشرة والنصف صباحًا، وبعد اختفاء الطائرة بعدة ساعات، أكد وزير الطيران المدني، شريف فتحي، على أنه «من المبكر التكهن بأن الطائرة المفقودة تحطمت».

بعد نصف ساعة أخرى، صرّح مصدر في إدارة الطيران اليوناني، لوكالة الأنباء الفرنسية أن الطائرة تحطمت، على الأرجح، على بعد 130 ميلًا جنوب جزيرة كارباثوس، بعدها بثمان دقائق فقط، أصدر وزير الطيران شريف فتحي بيانًا آخر، قال فيه، إنه سيجري مؤتمرًا صحافيًا حول اختفاء الطائرة، لكنه لن يقام قبل ثلاث ساعات أخرى.

بالأمس أيضًا، وأثناء إصرار وزير الطيران المدني على استبعاد «السقوط»، والإصرار على «الاختفاء»، كان وزير الخارجية المصري، سامح شكري، يتبادل التعازي مع نظيره الفرنسي، جان أيرولت، في ضحايا الطائرة، مع تأكيدهما على التعاون الوثيق، للوصول إلى أسباب سقوط الطائرة، والتعامل مع تداعيات الأمر!

بعد ظهيرة أمس، عقد الرئيس الفرنسي، فرانسوا أولاند، مؤتمرًا صحافيًا يصرح فيه بـ«تحطم الطائرة»، وسبقه في ذلك رئيس سلطة الطيران المدني اليوناني، في تصريح صحافي أيضًا، أكد فيه على «انعدام أي مجال لوجود الطائرة في الجو»، وأنها «سقطت بالفعل»، ليخرج وزير الطيران بعدها مُصِرًا على التمسك «بحرفية الألفاظ»، وأنه سيستمر في إطلاق لفظ «مفقودة» حتى العثور على حطامها، مشيرًا إلى احتمالية عالية لتحطمها، فضلًا عن تأكيده على أن طيرانها بعطل هو «كلام فاضي»، و«عايزين إن إحنا نراعي إننا في يوم صعب شوية» كما قال.

ما الذي نعرفه حتى الآن؟

في متابعتها الحية، ذكرت شبكة «بي بي سي»، أن سلطات الطيران المدني اليونانية، في تمام الساعة الواحدة و48 دقيقة صباحًا بتوقيت القاهرة، أجرت اتصالًا مع قائد الطائرة، الطيار محمد سعيد شقير، الذي يمتلك 6275 ساعة طيران، «منها 2101 ساعة على إيرباص A320»، أثناء مرورها فوق جزيرة «كيا»، وكانت الأمور على ما يرام، وطمأنهم الطيار المصري بأنه «لا توجد أي مشكلات».

في تمام الساعة الثانية و27 دقيقة صباحًا، قامت السلطات بالاتصال بالطائرة عدة مرات، قبيل خروجها من المجال الجوي اليوناني، إلا أنهم لم يتلقوا أي استجابة، ليقوموا بمحاولة أخيرة على موجة الطوارئ، بلا استجابة أيضًا، ثم خرجت الطائرة من المجال الجوي اليوناني بعدها بدقيقتين، في تمام الساعة الثانية و29 دقيقة صباحًا، قبل أن تختفي من راداراتهم بعدها بـ40 ثانية فقط.

بعد عشرين ثانية أخرى، وفي تمام الساعة الثانية ونصف صباحًا، فقد مطار القاهرة الاتصال مع الطائرة، واختفت من على راداره تمامًا، على بعد 280 كيلو مترًا من السواحل المصرية، أي ما يقترب من نصف ساعة طيران، ولم تنجح أي محاولات في الوصول إلى الطاقم.

خرج وزير الدفاع اليوناني، بانوس كامينوس، بعد ساعات من الاختفاء، في مؤتمر صحافي، ليخبرنا بأن الطائرة قامت قبل اختفائها بانحرافين، أحدهما بزاوية 90 درجة لليسار، والآخر بزاوية 360 درجة، قبل أن تختفي الطائرة فجأة، في معلومات لم تضف إلا المزيد من الغموض على ما حدث، في وقت قال فيه وزير الطيران المدني المصري، شريف فتحي، أن «احتمالية سقوط الطائرة نتيجة لعمل إرهابي، أعلى من كونه نتيجة لعطل فني»، في تصريح لم يستند إلى أي معلومات موثوقة، من جهات محلية أو عالمية، تسنى لنا التأكد منها.

بعد ذلك قالت وزارة الدفاع اليونانية، في تصريح لها، إنها تتحقق من رواية قبطان سفينة، زعم أنه رأى كتلة من اللهب، على مسافة 130 ميلًا من جزيرة كارباثوس، تسقط من السماء، وسجل المشهد بالفعل (تجدونه بأسفل)، وهو نفس المكان الذي وجد فيه أجسامًا طافية، قالت مصر للطيران إنها «على الأرجح» تنتمي للطائرة المنكوبة، قبل أن تنفي ذلك، كما سنعرف بعد قليل.

بعدها خرج تصريح لوكالة أسوشيتد برس، حصلَت عليه من مسؤول يوناني ذي حيثية، رفض ذكر اسمه، أن ما عُثر عليه من متعلقات طافية لا ينتمي للطائرة المنكوبة، خلافًا لما قالته وكالة رويترز سابقًا.

ما بين دبي والقاهرة

في يوم السبت، 19 مارس (آذار) الماضي، تحطمت طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي»، أثناء محاولتها الهبوط، في مطار مدينة روستوف الروسية، طائرة أقلت 62 شخصًا وهو عدد يقارب ضحايا الطائرة المصرية، حينها على الفور نشرت الشركة بيانًا شاملًا، أعلنت فيه تحطم الطائرة، مما أدى إلى وجود وفيات. وقالت إنها تأسف لتأكد وجود وفيات نتيجة التحطم، ثم أكملت بيانها الرسمي، بالقول، إنه «وفي هذه اللحظات الأليمة، فإن قلوبنا مع المسافرين والطاقم على متن الرحلة المذكورة، وسنفعل ما بوسعنا لمساعدة المتضررين من هذا الحادث، وحاليًا نطبق آلية الاستجابة للأزمات، وسنعمل عن قرب مع جميع الجهات المعنية، وسننشر التفاصيل عندما تتوفر بشكل عاجل ودوري».

ما سبق أثار حفيظة أحد النشطاء على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، ويدعى محمد حنيدق، الذي سرد ما فعلته الشركة الإماراتية، في مقارنة سريعة بما فعلته مصر للطيران، فالشركة الإماراتية خصصت موقعها بالكامل لعرض تفاصيل «الكارثة»، كما أسمتها الشركة حينها، كما خصصت عشرة خطوط اتصال ساخنة، لتلقي اتصالات عائلات الضحايا، ووسائل الإعلام، ومن لديه أية معلومات عن الحادثة، بل وضمنت سلامة أمتعة ومتعلقات الضحايا، وقامت بنشر خطوات سريعة ومنظمة لذوي الضحايا، لتسلم متعلقات مسافري الطائرة على الفور، مع الأخذ في الاعتبار أن الطائرة المصرية سقطت في البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي لا مجال لإعادة المتعلقات.

من جهة أُخرى، فإن موقع شركة مصر للطيران، اكتفى بوضع بياناته مسلسلة على صفحة مختلفة، تؤدي لواجهة الموقع الرئيسية، منها بيان مقتضب، يعلن عن وصول خطاب من وزارة الخارجية المصرية، لوزارة الطيران المدني، تخبرها فيه الأولى أنه «تم العثور على مواد طافية يرجح أنها من حطام الطائرة، وكذلك بعض سترات النجاة»، ثم قالت أنها «ستستمر في تقديم المساعدات لأهالي المفقودين»، وخصصت خطين ساخنين فقط لمتابعة الأمر، الأمر الذي عادت ونفته الشركة، على لسان أحمد عادل، نائب رئيسها، قائلًا إن «الحطام لا ينتمي لطائرتنا»، لتعود الأمور سريعًا للمربع صفر.

كان ذلك قبل إعلان مصر للطيران، منذ قليل، عن عثور القوات المسلحة المصرية، في الثامنة من صباح اليوم، الجمعة 20 مايو (أيار)، على بقايا حطام ومتعلقات الرحلة 804، على بعد 295 كيلومترًا من سواحل الإسكندرية، قبل أن تنعي الشرك ضحايا الحادث الأليم، وتؤكد أنها «تتخذ كل الإجراءات للتعامل مع الموقف بكل جوانبه».

على الجانب الآخر، فإن الحكومة الفرنسية قررت مقابلة عائلات الضحايا، غدًا السبت، لتقديم أي معلومات ممكنة لهم، كما قال وزير الخارجية الفرنسي جان أيرولت، في الوقت الذي أصر فيه على «عدم القفز لأي استنتاجات بشأن أسباب تحطم الطائرة»، في إشارة لما يصر عليه وزير الطيران المدني، ورئيس الوزراء المصري، من ترجيح احتمالية «العملية الإرهابية».

عرض التعليقات
تحميل المزيد