تبدو معضلة الحدود وكأنها الأصل في كل حكاية، دائمًا هنالك حدود تُلقى عبثًا في قلب المدن والقرى انصياعًا لأوامر السياسة والحرب، تُلقى فينقسم الأهل وتنقسم العائلات والمواسم والمياه، فتكون سببًا في حروبٍ قد تمتدُّ بلا نهاية، ومن تلك الحكايات قصة رفح والتي لأكثر من مائة عام أضحت مدينتين!

في هذا التقرير نحاول أن نقدم نبذة مختصرة حول رفح المصرية و رفح الفلسطينية ولماذا أضحت المدينة نصفين بعد أن كانت أسرة واحدة؟

قصة البداية

يُحدِّثنا المسن أبو محمد الشاعر وهو من سكان رفح الفلسطينية أنه وقبل عام 1979 لم يكن بين الرفحين حائل يحول بينهما وكانت العائلات هي ذاتها؛ فتجد أن الأم تسكن في رفح المصرية وبنتها متزوجة في رفح الفلسطينية، وكانوا يتبادلون الزيارات والهدايا بشكل دوري دونما انقطاع، واستمر ارتباط المدينتين على مدار العقود الماضية رغم رسم الحدود الفاصلة بينهما، فعلاقات القرابة والنسب ممتدة بشكل كبير بين العائلات في الجانبين كعائلات الشاعر وقشطة وزعرب وبرهوم وقبائل الترابين والسواركة والأرميلات وغيرها الكثير.

غير أنَّ اتفاقية كامب ديفيد بين الجانبين المصري والإسرائيلي عام 1979 غيرت الواقع تمامًا ليُبني سلكٌ شائك على الحدود، فلجأ الرفحيون من الجانبين الى التحدث مع بعضهم البعض عبر السلك الشائك بمسافة لا تزيد على 50 مترًا؛ وتطور بعد ذلك ليصبح في هذه الأيام حائطًا إسمنتيًّا هائلًا على طول الحدود المصرية الفلسطينية ثم تطور لتصبح وعلى عمق كيلو متر في الداخل المصري منطقة عازلة لتصبح رفح المصرية الملاصقة للفلسطينية أثرًا بعد عين، صحراء قاحلة – بالنسبة للفسطينيين – إلا إن انشطار رفح حدث قبل ذلك بكثير!

رفح – خط العقبة

بدايات تقسيم رفح تعود الى قبل نحو 100 عام، إذ أصدرت الدولة العثمانية مرسومًا في عام 1841 تعترف به بحكم محمد علي باشا بمصر وبحقه لتوريث السلطة على مصر لأنساله، ودُشنت اتفاقية بين العثمانيون والإنجليز الذين كانوا يسيطرون على الأراضي الفلسطينية والأردنية لترسيم الحدود عام 1906 والتي عرفت بخط رفح العقبة وهو الخط الحدودي البالغ طوله 277 كيلومترًا الذي يفصل شبه جزيرة سيناء عن النقب وهو اليوم عبارة عن الحدود الدولية بين مصر وإسرائيل في معظم مساره، أما في مساره الشمالي البالغ 11 كيلومترا فهو عبارة عن الحدود بين مصر وقطاع غزة، وهذه الاتفاقية بعبارة أو بأخرى كانت أول ملامح التقسيم الجغرافي بين الرفحين، إذ شطرت المدينة إلى نصفين، فأضحت الأولى تحت السيادة البريطانية ومن ثم المصرية والثانية تحت السيادة العثمانية ومن ثم تحت السيادة الإسرائيلية وحتى يومنا هذا.

وفي عام 1917 خضعت رفح للحكم البريطاني الذي فرض الانتداب على فلسطين. وفي عام 1948 دخل الجيش المصري رفح الفلسطينية وبقيت تحت الإدارة المصرية إلى أن احتلتها اسرائيل في عام 1956م، ثم عادت للإدارة المصرية عام 1957م حتى عام 1967م، حيث احتلها اليهود. وبعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد استعادت مصر سيناء ووضعت أسلاكًا شائكة لتفصل رفح سيناء عن رفح الأم. وتقدّر مساحة ما ضم إلى الجانب المصري حوالي 4000 دونم وبقي من مساحة أراضيها 55000 دونم اقتطع منها حوالي 3500 دونم «الدونم يساوي 1000 متر» للمستوطنات الإسرائيلية قبل الانسحاب منها في عام 2005.

التقسيم الجغرافي للرفحين

تقع رفح أقصى شمال سيناء على الحدود الشرقية لمصر ، وتبعد عن قرية الشيخ زويد في سيناء نحو 16كم وعن مدينة العريش المصرية نحو 45 كم وأنشئ في الأراضي المصرية قسمان تحت اسم رفح المصرية الشرقية ورفح المصرية الغربية، أما في القطاع؛ فتقسم رفح إلى قسمين: القسم الشرقي والقسم الغربي، وفصل بين رفح الفلسطينية ورفح المصرية حاجز من الأسلاك الشائكة منذ أوائل الأربعينات. وبالرغم من وجود الأسلاك الشائكة فإن النمو العمراني أدى إلى التحام كل من رفح الفلسطينية ورفح المصرية إحداهما بالأخرى.

رفح المصرية منقذة القطاع

ومنذ فرض الحصار على قطاع غزة عام 2007 إثر فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية وتنفيذ الذراع المسلح لديها عملية نجم عنها اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، لجأ الفلسطينيون إلى حفر الأنفاق التي تمر من رفح الفلسطينية إلى المصرية بمساحات مختلفة وعمق متنوع. واستمرت هذه الأنفاق لنحو ستة سنوات أي في العام 2013، حيث عزل الرئيس محمد مرسي وأغلقت الأنفاق تمامًا وأعلن الجيش المصري بناء أحواض مائية كبيرة وعميقة بطول 13 كيلومترًا وعرض 50 مترًا وبعمق 20 مترًا. ؛ بهدف خلخلة التربة وغمر أعماقها بمياه البحر المتوسط لمكافحة حفر الأنفاق والتي دمرت بالكامل.

الرفحين الآن

وفي الذكرى السابعة والثلاثين لتحرير سيناء والتي توافق 25 من أبريل (نيسان)، شُطِرت المدينة إلى مدينتين منعزلتين تمامًا.

رفح المصرية

تشهد المدينة عملية حق الشهيد – كباقي محافظات شمال سيناء – منذ أكثر من عام والتي قتل خلالها العشرات من أفراد الجيش المصري وأفراد تنظيم بيت المقدس الموالي لتنظيم الدولة الإسلامية، فيما تتضارب التقارير الصادرة حول تقدم العمليات، إلا أن الحكومة المصرية تخطط لمحو رفح بالكامل.

وكان اللواء عبد الفتاح حرحور، محافظ شمال سيناء أكد العام الماضي أن « إنشاء المنطقة العازلة على الحدود مع قطاع غزة يتطلب إزالة مدينة رفح المصرية بالكامل» مضيفا أنها سوف «تزال بالكامل»، وتقضي الخطة المعلنة بإزالة حوالي 1220 منزلا تؤوي 2044 عائلة.

تنص خطة الجيش المصري في إنشاء المنطقة العازلة، على تجريف المنازل بمساحة ألف متر على طول الحدود المصرية الفلسطينية بطول 14 كم2

رفح الفلسطينية

مغلقة على نفسها كباقي محافظات القطاع المحاصر، وبات كل من يقترب من الحدود المصرية عرضة للموت أو القتل وهذا ما حدث حين أطلقت قوات حرس الحدود المصرية النار على شاب فلسطيني مختل نفسيًا برغم المناشدات من الجانب الفلسطيني.

مؤخرًا نشرت حركة حماس والتي مازالت تسيطر على قطاع غزة منذ 2007 عددًا من جنودها على طول الحدود مع مصر وذلك كجزء من الشروط التي وضعتها الحكومة المصرية – فيما يبدو – لفتح معبر رفح والبدء بتعامل تجاري مصري فلسطيني خلال الشهور المقبلة، ولازالت رفح المصرية تدير الظهر لنظيرتها حتى اللحظة وبات قرابة المليوني غزيّ في سجن كبير لا تتعدى مساحته 360كم2.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد