يحلو للحشد المناهض للثورة النظر إلينا بأعين مرتابة، متسائلين: “لكن لماذا يريد الجيش تولي السلطة؟ ليست لديهم مصلحة في أن يكونوا في السلطة! إن كونهم مستقلين أفضل حالاً بالنسبة لهم!”.

بطبيعة الحال، تبقى هذه الحجة النابتة في أرض الكذب المحض، أو الجهل المدقع، صامدة طالما لا يوجد دليل على أن الجيش يجني مكاسب مالية من وراء موقعه المتميز في السلطة؛ فيما تدندن الشعارات القومية حول الكباري التي بناها الجيش في أنحاء البلاد لإقناعنا بأن الجيش، بلا أنانية، يكرس قواه العاملة (المجنَّدة، غير مدفوعة الأجر، وغير الخاضعة للضريبة) في خدمة الأمة.

وبطبيعة الحال، ينبغي علينا أن نكون ممتنين، وأن نخرس.

لكن في بعض الأحيان تتسرب بعض المعلومات التي تعطينا فكرة عن نوع المال الذي يمتصه الجيش من الموازنة العامة للدولة، ومن ضرائبنا- بعيدًا عن ميزانيته السارية، بطبيعة الحال- وتعطينا بعض المقالات التي نُشرِت خلال الأشهر الماضية مؤشرًا لطيفًا عن الفساد المحيط بمعاملات الجيش المالية.

أصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور قرارًا جمهوريًّا يسمح للدولة بمنح عقود حكومية مباشرة في حالات الطوارئ؛ وهذا يعني التحايل على كل قواعد المشتريات الحكومية.. فلماذا تخوض غمار المناقصات المزعجة لاختيار أرخص الموردين، حين يكون بإمكانك اختيار المُوَرِّد ذي الزي الموحد؟!

هكذا بالضبط تسير الأمور؛ حيث يبدو أن كل العقود الحكومية التي صدرت خلال الأشهر القليلة الماضية ارتدت ثوب الطوارئ.. ومن ثمَّ، مَنح مجلس الوزراء الجيشَ على مدار شهرين فقط- اعتبارًا من سبتمبر وحتى نهاية نوفمبر 2013- عقودًا حكومية بقيمة سبعة مليارات جنيه (مليار دولار) في مشاريع البنية التحتية.

ويكمن الانهيار في أن ذريعة “الطوارئ” يمكنها بوضوح تبرير منح هذا التعاقد مباشرة، كما يلي:

4.7 مليار جنيه لبناء 27 جسرًا ونفقًا.

2.2 مليار جنيه لخطة استثمارات سيناء خلال العام المالي 2013 – 2014.

357 مليون جنيه لمشاريع الإسكان في العريش؛ لتدشين 132 مبنى.

170 مليون جنيه لمشاريع الإسكان في رأس سدر؛ لتدشين 62 مبنى.

وفي 21 ديسمبر، خصصت وزارة التنمية المحلية مليارَي جنيه لمشاريع تنمية الأحياء الفقيرة، التي ستُمنَح – ياللمفاجأة الكبرى- للجيش، وفقًا لمذكرة تفاهم من المزمع توقيعها الأسبوع المقبل.

بعد ذلك ببضعة أيام، سلط مقالٌ آخر ضوءًا تفصيليًّا على بعض برامج إنفاق الوزارة؛ حيث خططت، بعيدًا عن تطوير الأحياء الفقيرة، لإنفاق مليارَي جنيه أخرى لتطوير 14 مزلقانًا في أنحاء البلاد.

خمِّن من سينفذ ذلك؟

الجيش،

المحير في الأمر هو كيف يبرر المسئولون الحكوميون هذه العقود؛ حيث قال وزير التنمية المحلية، الجنرال (نعم؛ الجنرال) عادل لبيب: “إن العقود مُنِحَت للجيش للتأكد من إنجازها بسرعة ودقة”، وحين سلَّم مجلس الوزراء سبعة مليارات جنيه للجيش، أشار إلى أنه اختير “لكفاءتهم وانضباطهم في تنفيذ المشروعات بسرعة، مع ضمان أعلى معايير الجودة”.

بيدَ أن ثمة تباين بين المبالغ المعلنة (قرأتُ عن مبالغ مختلفة مخصصة لتطوير الأحياء العشوائية، بدءًا من 1.4 مليار إلى مليارَي جنيه)، لكن من الواضح أن الجيش استطاع جمع المليارات على مدى الأشهر القليلة الماضية، ومن شأن استمرار الحكم العسكري أن يكفل مزيدًا من تآكل الضوابط والتوازنات..

هذا البلد يتجه بوضوح صوب الجحيم، على متن قطار ليسوا من ركابه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد