ما الذي يجعل خطانا تقودنا إلى عكس الطريق، ونحن نعرف أنه عكس الطريق؟! – بهاء طاهر ،نقطة النور.

في كل الثورات التي تفشل، تبقى قلة قليلة لا تتمكن من نسيان الحلم، وتظل متمسكة به وتشعر بالخذلان تجاه الجميع. لكن ماذا لو كان من ضمن هؤلاء الذين خذلوهم فنانون شكلوا وجدانهم، وماذا لو كان فنهم هو الأقدر على مواساة الثورة الفاشلة والثوار الفاشلين؟

1- سيد حجاب: حين يأتي الشاعر متأخرًا، ويأتي شعره مُبكرًا جدًا

من انكسار الروح في دوح الوطن

ييجي احتضار الشوق في سجن البدن

من اختمار الحلم ييجي النهار

يعود غريب الدار لـ أهل وسَكَنْ

* سيد حجاب، تتر مُسلسل ليالي الحلمية

يُعد سيد حجاب، بالنسبة للعديد من النقاد والمستمعين على حد سواء؛ هو المتربع على عرش العامية المصرية، وواحدًا من أفضل الذين صاغوها شعرًا. حين قدمه صلاح جاهين في مجلة صباح الخير لأول مرة عام 1961، قدمه بالعبارات التالية: “عندما أبحث عن كلمات أقدم بها هذا الشاعر الجديد، لا تلبيني إلا الكلمات العاطفية، وإذا كان هناك حب من النظرة الأولى، فقد أحببت شاعرنا من الشطرة الأولى، اسمه سيد حجاب.. تذكروا جيدًا هذا الاسم فسوف يكون له شأن في حياتنا المقبلة”.

علاقة سبقت الوعي

قصة الجيل الذي قام بثورة يناير مع سيد حجاب، لا تبدأ مع «تترات» أهم المسلسلات في عقدي الثمانينيات والتسعينيات وأوائل الألفية الجديدة، التي التفت حولها العائلات المصرية «بأطفالها»؛ الذين شكلوا بعد ذلك القاطرة الرئيسية للثورة، فعلاقة هذا الجيل مع سيد حجاب تعود إلى أبعد وأعمق من ذلك بكثير، تعود إلى الأغاني التي كانت تداعبهم بها الأمَّهات وهم في مهد الطفولة، حيث كان “حجاب” قد ألف أهم أغاني الأطفال في ذلك الحين، أغاني مثل: “توت .. توت”، “سوسة كف عروسة”، “هم النم يا روحي”، “كان في واد اسمه شاطر عمرو وكمان كان في جدو بشنبات”، “يا أصحابي وصحباتي هنا ومحلك سر”. باختصار كان سيد حجاب مخترقًا لذكريات طفولة هذا الجيل الذي قد يرى بعض المنتمين إليه أنه قد خذله.

من الذي لا يملك ذكرى مع سيد حجاب؟

كتب سيد حجاب «تترات» وأغاني أهم أعمال الدراما المصرية، ودمج فيها بين البساطة الشديدة في الأسلوب والكلمات، وبين سبر أغوار النفس الإنسانية بكل ما تشمله من أحلام مكتومة ومخاوف، فأبدع تترات أعمال مثل: «المال والبنون»، و«كناريا وشركاه»، و«ليالي الحلميَّة»، و«بوابة الحلواني»، و«أرابيسك»، و«الأيام»، و«السيرة الهلالية» و«مين اللي ما يحبش فاطمة»، و«أديب».

كان خيار حجاب واضحًا وقد حققه؛ فقد نشر سيد أول دواوينه الشعرية «صياد وجنية» عام 1966، وقد استلهم فيه حكايات الصيادين الذين نشأ بينهم وعايشهم، فحكى فيه عن كفاحهم وحياتهم وأحلامهم، ولقي الديوان إعجابًا كبيرًا من النقاد الذين شبهوه بـ«لوركا»، لكنّ سيد كان حزينًا رغم النجاح، فالصيادون الذين استلهم منهم الديوان لم يقرؤوه، ولم يسمعوا عنه شيئًا، لأنهم ببساطة أميُّون ويجهلون القراءة، فكان قرار حجاب واضحًا منذ ذلك الحين؛ أنه سيكتب للناس وليس للمثقفين، وأنه سيتحدث إليهم شفهيًا؛ لا عبر الكتب التي لا تقرأ.

كانت أكثر أعمال حجاب ثورية هي تتر بداية مسلسل «الوسيَّة»، الذي لاقى نجاحًا غير مسبوق، ووجد حجاب في أوراق المسلسل المأخوذ عن قصة حقيقية، هي قصة دكتور الاقتصاد السياسي “خليل حسن خليل”؛ فرصة رائعة لإخراج كل ما فيه من مشاعر الكفاح والثورة والرغبة العميقة في المساواة، فكان مطلع الكلمات كالتالي: «مين اللي قال الدنيا دي وسيَّة، فيها عبيد مناكيد وفيها السيد، سوانا رب الناس سواسية، لا حد فينا يزيد، ولا يخس إيد».

سيد حجاب شيوعيًا يرفع شعار الديمقراطية في عهد عبد الناصر

كان سيد حجاب في شبابه، واحدًا من هؤلاء الذين رفضوا مقايضة الشعب المصري بإنجازات عبد الناصر في مجالي الاقتصاد ومحاربة الإمبريالية، في مقابل الحريات الفردية والديمقراطية، وكان منضمًا لتنظيم شيوعي سري، في نفس الوقت الذي عمل فيه بمجلة »سمير وميكي«.

كان حجاب ماركسيًا لا يرى في الاتحاد السوفيتي سوى نظام «رأسمالية دولة»، لا يختلف عن الرأسمالية الغربية في المضمون، وأن هذا النظام قد غلب مبدأ المركزية على الديمقراطية المركزية. وكان يرى أيضًا أن ما يحدث في مصر لا يمتّ إلى الاشتراكية بصلة، وأن عبد الناصر بطل قومي لكنه يؤسس هو الآخر لرأسمالية الدولة، وكان شعار التنظيم الذي انضم إليه سيد آنذاك هو: «الديمقراطية طريقًا إلى المستقبل».

تعرض حجاب للاعتقال والتنكيل في أكتوبر 1966، مع مجموعة من المثقفين المصريين اليساريين بتهمة أثارت ضحكه هو ورفاقه، وهي تأسيس “تنظيم شيوعي صيني” يهدف إلى اختراق الاتحاد الاشتراكي، وفي التحقيقات أكد حجاب أنه يعارض ثورة يوليو من داخلها، وعبر عن اعتراضه على نمو القطاع الخاص من داخل القطاع العام، وهو ما قد يهدد بثورة مضادة، كما أنه أكد قبل كل شيء على مخاطر غياب الديمقراطية وانتهاك الحريات.

حجاب الصامت لأوَّل مرة!

عمر الوشوش ما بتبقى بعد السنين..

نفس الوشوش دي بتبقى شيء تاني

بتبدل الأيام ملامحنا

تـِـرعشنا

تنعشنا

تشوّشنا

يا ترى اللي بيعيش الزمن إحنا،

ولاّ الزمن هو اللي بيعيشنا؟!

حجاب الذي هاجم ثورة يوليو لغياب الديمقراطية والاشتراكية الحقيقية فيها، ثم هاجم بعد ذلك «الثورة المضادة» على خطط النظام الناصري، التي قادها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ولم يكف عن الهجوم على نظام مبارك، الذي اعتبره مقيمًا لأسوأ أنواع الرأسمالية “رأسمالية تابعة ملحقة بالرأسمالية الأجنبية”؛ هو نفسه حجاب الذي قرر الصمت طويلًا بعد 3-7-2013 على كل انتهاكات حقوق الإنسان الموثقة والمُمأسسة، فقد كان حجاب يصول ويجول في محافظات مصر، مبشرًا بالدستور الجديد الذي كان عضوًا في لجنة كتابته، حيث كتب هو ديباجته، في الوقت الذي ازدادت فيه أعداد المعتقلين والمعذبين، وفي الوقت الذي اتضح فيه أن الاقتصاد المصري سيبتعد أكثر وأكثر عن حلم حجاب الاشتراكي.

أن تأتي متأخرًا جدًا وبطيئًا

الحكومة ملتزمة بتبني آليات السوق الحر. * الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

في عام 2015 بدأت تظهر ملامح الفلسفة الاقتصادية للنظام الجديد في مصر بوضوح، اكتشف حجاب أنه قد شعر بالخذلان هو الآخر، فصرح بأن: “الشعب قد أنصف الرئيس السيسي في 8 أيام فقط وجمع المبلغ المطلوب لتمويل مشروع قناة السويس الجديدة، لكن السيسي أهدر الفرصة في ذلك الوقت، فقد كان عليه الانحياز للشعب لا إلى الرأسماليين الذين نهبوا مصر طوال 30 سنة، وأنها كانت فرصة سانحة لديه كي يضرب بيد القانون على هؤلاء”، وأكمل: “للأسف الرئيس أوقف التعامل بأرباح البورصة ونزل بقيمة الضريبة التصاعدية إرضاءً للرأسماليين، كما أنه يجازي الشعب لصالح رجال الأعمال”.

وبدأ الشاعر الفيلسوف يتذكر لأول مرة المعتقلين والمعذبين الذين لم يجدوا في دستوره ولا ديباجته درعًا يحميهم من البطش، فقال: “إن ملف المعتقلين هو خطيئة وسُبة في وجه أي نظام يزعم انحيازه للطبقات الشعبية، فهؤلاء الشباب لُفقت لهم قضايا حمل سلاح وتخريب ممتلكات، وهذه جريمة ترتكبها هذه الدولة”.

احتاج «عم سيد»، كما يطلق عليه عشاقه؛ كل هذه المدة ليكتشف على استحياء موقف النظام الجديد في مصر من الملف الاقتصادي، وملف حقوق الإنسان.

دنياك سكك حافظ على مسلكك

وامسك في نفسك لا العلل تمسكك

وتقع في خيه تملكك تهلكك

اهلك يا تهلك

دا انت بالناس تكون

  • 2- بهاء طاهر؛ سأتخيل عالمًا آخر غير الذي نعيشُه

“أسأل نفسي طوال الوقت عن الخيانة، سألت نفسي كثيرًا لماذا خان الكبار الذين يملكون كل شيء؟ ولماذا يدفع الصغار دائمًا الثمن؛ يموتون في الحروب ويسجنون في الهزيمة، وسألت نفسي لماذا يخون الصغار أيضًا؟ لماذا خان الضابط يوسف خنفس جيش بلده في التل الكبير، وقاد الإنجليز ليغدروا به ويفتكوا به ليلًا؟ كيف كان يفكر وهو يرى مدافع الإنجليز تحصد إخوانه ورفاق سلاحه الذين كان يأكل معهم وينام معهم ويضحك معهم؟ وهل وقعت عيناه على زميله الضابط محمد عبيد وهو رابض على مدفعه وسط الفوضى والهزيمة يطلق النار على الإنجليز حتى صهرته حرارة المدفع كما سمعنا؟ كم أحببته وكم أحبه الناس! لم يصدقوا أنه مات. يقولون إنه غاب فقط، يسمونه الشيخ عبيد ويقولون إنه شوهد مرة في الشام ومرة في الصعيد. ينتظرون رجعته ليواصل حربه ضد الإنجليز! لكنه يظل حلمًا، أما يوسف خنفس فهو الحقيقة الباقية. تعال أحدثك أنا كيف يكون الغدر!”.

عبر هذا النص من رواية «واحة الغروب»، استطاع بهاء طاهر أن يعبِّر عن مشاعر الخذلان والمرارة التي يعاني منها بطل روايته «الظابط محمود» بعد فشل الثورة العرابية، حيث كان بطل واحة الغروب مصابًا بكل الأعراض المصاحبة للإيمان بثورة تفشل في النهاية “الشعور بقسوة الأقدار، وفقدان القدرة على الإيمان بأي شيء قادم، والأهم الإحساس بأن الجميع قد خذلوا الحلم”.

صورة من صفحة “بهاء طاهر” على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك

صدرت رواية واحة الغروب قبل خمس سنوات من ثورة 25 يناير 2011؛ في عام 2006، وحصلت على أول نسخة للجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر»، في نفس العام الذي انطلقت فيه الشرارة الأولى للثورة المصرية – بحسب المراقبين – عام 2008، حيث كان هو العام الذي انفجرت فيه مظاهرات شعبية ضخمة هي الأولى من نوعها في أنحاء مدينة المحلة، حطَّم فيها المتظاهرون صور الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وتلاقت فيها جماهير العمال المطالبة بالعدل الاجتماعي مع جماهير الشباب المطالبين بالحريات للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تحت الهتافات المعادية للفقر والبطالة والتوريث، وقد انتهت تلك المظاهرات برضوخ الحكومة المصرية عبر زيارة رئيسها أحمد نظيف للمحلة، وتقديمه عديد التنازلات للعمال الثائرين، في سابقة كانت الأولى من نوعها.

بعد قيام الثورة المصرية ونجاحها في الضغط من أجل إزاحة مبارك وحزبه عن المشهد، شكل الثوار الشباب ركيزة أساسية لجمهور القراء في مصر؛ الراغبين في المعرفة وفي الحياة، وتزامن ذلك مع بقاء واحة الغروب بعد الثورة في قائمة الكتب الأكثر مبيعًا بالمكتبات المصرية، ما يعني أن كثيرًا من هؤلاء الثوار القراء قد وقعت عيونهم في الفترات الأولى للثورة على نص “الخذلان والخيانة” المذكور، ولعل هذا النص كان مثيرًا للأشجان في هذا الوقت، الذي بدأ فيه شعور بالحنق من جانب الثوار على التيارات السياسية المختلفة، لكن إذا عاد واحد من هؤلاء الثوار الآن لقراءة الرواية ومن ثم النص؛ خصوصًا إذا كان من المتعرضين للسجن أو الهرب من الوطن أو النكبة في فقدان عزيز، أو الانتظار اليومي والدائم لشيء من الثلاثة السابقين، فإنه لن يتساءل عن خذلان الصغار ولا خذلان الكبار، وإنما سيتساءل عن خذلان الروائي الذي أثار السؤال نفسه، سيتساءل هل يوسف خنفس سيظل هو الحقيقة الباقية؟

بهاء طاهر ضد بهاء طاهر

-الظلم لا يبيد، ما الحل؟

-أن تحدث ثورة على الظلم.


-نعم تحدث تلك الثورة.. يغضب الناس فيقودهم ثوار يعدون الناس بالعدل وبالعصر الذهبي، ويبدؤون كما قال سيد: يقطعون رأس الحية.. ولكن سواء كان هذا الرأس اسمه لويس السادس عشر أو فاروق الأول أو نوري السعيد، فإن جسم الحية، على عكس الشائع؛ لا يموت، يظل هناك، تحت الأرض، يتخفى يلد عشرين رأسًا بدلًا من الرأس الذي ضاع، ثم يطلع من جديد. واحد من هذه الرؤوس اسمه حماية الثورة من أعدائها، و سواء كان اسم هذا الرأس روبسيير أو بيريا فهو لا يقضي، بالضبط؛ إلا على أصدقاء الثورة . ورأس آخر اسمه الاستقرار، وباسم الاستقرار يجب أن يعود كل شيء كما كان قبل الثورة ذاتها. تلد الحية رأسًا جديدًا. وسواء كان اسم هذا الرمز نابليون بونابرت أو ستالين فهو يتوج الظلم من جديد باسم مصلحة الشعب. يصبح لذلك اسم جديد، الضرورة المرحلية.. الظلم المؤقت إلى حين تحقيق رسالة الثورة. وفي هذه الظروف يصبح لطالب العدل اسم جديد يصبح يساريًا أو يمينيًا أو كافرًا أو عدوًا للشعب بحسب الظروف”.

كاتب هذه السطور في رواية “قالت ضحى“، هو نفسه بهاء طاهر الذي صرح قبل ترشح الرئيس الحالي لمصر «عبد الفتاح السيسي» قائلًا: “أن مصر في حاجة إلى رجل قوي يستطيع تخليصها من كل هذه الأزمات، وأن الفريق أول عبد الفتاح السيسي هو الرجل القادر على تحقيق هذا”، وهو نفسه الذي يؤكد دائمًا على دعمه للرئيس عبد الفتاح السيسي لأن مشروعه مبني على محاربة “الفكر الرجعي”.

بهاء طاهر الذي لم يقبل في شبابه بتقييد الحريات في عهد جمال عبد الناصر، رغم إيمانه بالمشروع الناصري، والذي قاده نظام السادات إلى المنفى حين منعه من الكتابة لثماني سنوات منذ 1975، واستمر المنع حتى عام 1983، وهو ما دفع طاهر إلى ترك مصر؛ هو نفسه بهاء طاهر الذي طالب بعد أحداث 3-7-2013، باتخاذ قرارات حاسمة بشأن المظاهرات الطلابية في الجامعات التي رفضت عودة الأوضاع إلى ما قبل يناير 2011، ورأى أنه يجب محاكمة هؤلاء المثيرين للشغب وفصلهم وحتى محاكمتهم من أجل استقرار الأوضاع.

صورة أرشيفية لمظاهرات الطلاب بعد أحداث 3-7-2013 وما تلاها في جامعة القاهرة

خذلان بأثر رجعي

حين قامت ثورة الخامس والعشرين من يناير، رد الأديب، الذي اختار تأييد السلطة الآن؛ جائزة “مبارك للآداب” التي كان قد حصل عليها عام 2009، قائلا إنه “لا يستطيع أن يحملها، وقد أراق نظام مبارك دماء المصريين الشرفاء”، وبعد ذلك كان يدافع طاهر بشدة في مقالاته الأسبوعية عن الثوار الشباب الذين تعرضوا للسجن والمضايقات في فترة حكم المجلس العسكري، حيث كان طاهر مهاجمًا شديدًا لسياسات المجلس الحاكم لمصر، لكنه قد صرح فيما بعد بأن هجومه على المجلس العسكري كان سببه هو الرضا والقبول الظاهر آنذاك من قبل أعضائه تجاه انتقال السلطة للإخوان المسلمين عبر الانتخابات الديمقراطية، فلم يكن هجوم طاهر إذًا بسبب ما اتهم به المجلس العسكري حينها من انتهاك حقوق الإنسان، ومحاولة إرجاع الأمور تدريجيًا إلى ما قبل يناير، وإنما كان سبب حنق الأديب نابعًا من أن هذا المجلس بدا وكأنه يتسامح مع خصوم طاهر السياسيين.

طاهر يضع يده على نقطة النور ثم ينساها

التفاؤل في هذه الظروف يكاد يكون وقاحة

هكذا كتب طاهر في روايته «نقطة النُّور»، رغم ذلك لم يمنع طاهر نفسه من التفاؤل، ومن أن يُصَدر أيضًا هذا التفاؤل قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث قال طاهر: “أن الحكم العسكري لا يخيفه وأنه عاش أجمل أيام حياته في ظل الحكم العسكري؛ فترة حكم عبد الناصر”، لكنه لم يذكر أن امتداد هذا الحكم العسكري، كان حكم الرئيس السادات الذي منعه من الكتابة.

طاهر يسأل طاهر

في روايته واحة الغروب كان الضابط محمود يقول لنفسه وهو يواجهها: “المشكلة هي أنت بالضبط يا حضرة الصاغ! لا ينفع في هذه الدنيا أن تكون نصف طيب ونصف شرير. نصف وطني ونصف خائن. نصف شجاع ونصف جبان. نصف مؤمن. نصف عاشق. دائما في منتصف شيء ما. تحمست فترة للوطن والثوار، وعندما جاءت لحظة الامتحان أنكرتهم ثم توقفت في مكاني. لم أكن أبدًا شخصًا واحدًا كاملا في داخله. “طلعت” كان أوضح مع نفسه. ما دام قد خان فليكمل الطريق إلى نهايته. باع نفسه وقبض الثمن الذي يريده. أما أنا فبعت بلا ثمن، وبقيت قانعًا بالسخط على نفسي وعلى الإنجليز وعلى الدنيا كلها دون أن أعرف ماذا أريد”.

فترى أي شخص من الشخصيات الثلاث التي طرحها الكاتب على لسان محمود قد اختارها لنفسه؟

  • 3- صنع الله إبراهيم؛ الساخط دائمًا، يختار التفاؤل أخيرًا

كثيرًا من النزعات المناقضة لسلوك الإنسان العادي ، تُخترن في العقل الباطن، وفي لحظة معينة من تراكمِ هذه المخزونات، يحدثُ شيءٌ مثل القشة التي قصمت ظهر البعير، فيصدرُ عن المرءِ فعل مناقض تمامًا لكل ما قام به من قبل. *صنع الله إبراهيم ،اللجنة

صورة من الصفحة الرسمية لمسلسل “ذات” على موقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك


«ذات» على حافة المستقبل الخطير

بدأ رمضان 2013 في مصر بتاريخ 10 -7-2013، عقب أيام معدودة من قيام أحداث “3-يوليو-2013″، فكان واحدًا من أعلى مسلسلاته في نسب المشاهدة هو مسلسل “ذات”، المأخوذ عن رواية صنع الله إبراهيم التي تحمل نفس الاسم.

كان «ذات» عرضًا مدهشًا للتاريخ السياسي والاجتماعي في مصر بعد ثورة يوليو 1952، عبر قصة فتاة تحيا عصور “محمد نجيب، وعبد الناصر، والسادات، ومبارك”، وكأن المسلسل درسٌ تاريخي مكثف جاء في لحظة حاسمة للمشاهد المصري، ومصر تستشرف مستقبلًا غامضًا بعد أحداث 3-يوليو-2013.

الرجل الذي لم يكسره التعذيب

صنع الله إبراهيم، الذي ولد في بيئة فقيرة عام (1937) في ظل الحكم الملكي، وشاهد في باكورة حياته كيف كان أغلب الناس يسيرون حفاة ويعانون من الفقر المدقع، عاش شبابه في ظل الحقبة الناصرية وآمن بها ورأى نجاعتها الاقتصادية، لكنه فجأة ورغم كونه محبًا ومؤيدًا لعبد الناصر وجد نفسه تحت براثن التعذيب الوحشي في سجن الواحات من 1959 إلى 1964، حيث يعذبه رجال دولة عبد الناصر، لكنه قرر ألا يكسره السجن وألا يستسلم للخذلان الكبير الذي شعر به تجاه عبد الناصر؛ رغم استمرار حبه له. خرج ليحول كل أوجاعه من الطفولة إلى الشباب على هيئة إبداع أدبي، وكلما مرت السنون والأحلام لا تحقق؛ ازداد صنع الله صلابة، حيث ساهم في عهد مبارك بتأسيس حركة كفاية، وظل يضع حينها على شقته المتواضعة بالقاهرة، شعارين؛ أولهما ضد العولمة، والثاني يعبر عن انتمائه لحركة كفاية.

روح المناضل لم تكسرها الأيام؛ إحراج نظام مبارك

ابتعد اسم صنع الله إبراهيم عن الجوائز دائمًا، بسبب نضاله السياسي، ونقده اللاذع للحكام، وتصوراته الراديكالية إزاء الانفتاح وهتك الحريات والتطبيع والتعاون مع الأنظمة الخليجية الريعية على خدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، لكن في عام 2003 جاء التكريم أخيرًا لصنع الله بجائزة ملتقى الرواية العربية، وكانت المفاجأة؛ فقد رفض الجائزة وشن هجومًا ناريًا على النظام المصري في كلمته التي أعقبت إعلان تسلمه الجائزة، حيث قال: “الكارثة لا تقتصر على التهديد العسكري الإسرائيلي الفعلي لحدودنا الشرقية، ولا على الإملاءات الأميركية، ولا على العجز الذي يتبدى في سياسة حكومتنا الخارجية، وإنما تمتد إلى كل مناحي حياتنا، لم يعد لدينا مسرح أو سينما أو بحث علمي أو تعليم، لدينا فقط مهرجانات ومؤتمرات وصندوق أكاذيب هو التلفزيون، ولم تعد لدينا صناعة أو زراعة أو صحة أو تعليم أو عدل، تفشى الفساد والنهب ومن يعترض يتعرض للامتهان والضرب والتعذيب، انتزعت القلة المستغلة منا الروح، الواقع مرعب وفي ظل هذا الواقع لا يستطيع الكاتب أن يغمض عينيه أو يصمت، كل ما أستطيعه هو أن أشكر مرة أخرى أساتذتي الأجلاء الذين شرفوني باختياري للجائزة، وأعلن اعتذاري عن عدم قبولها لأنها صادرة عن حكومة لا تملك في نظري مصداقية منحها”.

صورة من صفحة “صنع الله إبراهيم” على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”


من لم يصمت أبدًا قرر التفاؤل

وككل التجارب الثورية الرائدة بدأت النهاية بسقوط رموزها وانتهت على يد جهاز الدولة”. *صنع الله إبراهيم، ذات.

كانت روايات صنع الله إبراهيم في السنوات السابقة على ثورة يناير؛ من أكثر الروايات مبيعًا في المكتبات المصرية، وكانت مليئة عبر طريقتها الوثائقية بالشحن ضد السكون والاستسلام، هكذا كانت علاقة صنع الله بهذا الجيل، علاقة سابقة على الثورة وممهدة لها.

بعد أحداث 3-7 في مصر كان صنع الله من أول الداعين لترشح القائد الأعلى للقوات المسلحة آنذاك ورئيس الجمهورية الحالي عبد الفتاح السيسي، في انتخابات رئاسة الجمهورية، حيث كان متفائلًا إلى أقصى حد بأحداث 3-7-2013، وهاجم بضراوة الدكتور محمد البرادعي بسبب موقفه من فض اعتصامي رابعة والنهضة، وقال: “فليذهب البرادعي إلى مزبلة التاريخ”. كان صنع الله مستبشرًا بشدة وصرح آنذاك قائلًا: “السلطة العسكرية تعمل لصالح الشعب، إذًا ليس هناك مشكلة، وإن انحرفت هذه السلطة عن مسارها من السهل الخروج والشارع موجود”.

فقد الشيوعيون الرؤية المستقلة ففقدوا البرنامج المستقل وفقدوا مبرر وجودهم المستقل.. لقد تخيلوا أن عبد الناصر يحتاج إلى التعاون معهم للاستفادة من خبرتهم الجماهيرية في العمل بوسط الجماهير ومن تفانيهم . وأنه سيقتنع بإخلاصهم فيتيح لهم الاشتراك في تطوير البلاد وتحويلها إلى الاشتراكية. كان أقصى ما يطمحون إليه أن يكونوا جنودا باسلين، لكن عبد الناصر لم يرغب في جنود يمكن أن يتحولوا إلى جنرالات. *صنع الله إبراهيم، يوميات الواحات.

كان الاعتقاد الراسخ عند الباحث والروائي المخضرم بعد أحداث 3-7، أن النظام الجديد سينحاز للجناح الديمقراطي الاشتراكي، وأنه إذا انحرف عن هذا المسار، فالأمر سهل: “سينزل الناس إلى الشوارع ويعترضون”.

الانتظار هو الحل

مع عودة بعض الوجوه القديمة من نظام مبارك بقوة، عبر سيطرتها على بعض وسائل الإعلام؛ بدأ الأديب على استحياء يعبر عن انزعاجه ويقول أن “هناك محاولات لكبت الحركة الجماهيرية بنسبة ما من خلال قانون التظاهر أو الملاحقات الأمنية، وأرى أن الاتجاه لتقييد الحريات له أسباب، منها وجود العمليات الإرهابية التي تعطي ذريعة للقبضة الأمنية لأن تتوغل”، وقال أنه “لا يرى مؤشرات قوية لحل المشاكل الأساسية للمجتمع المصري، لكن ليس أمامه سوى الانتظار ليرى ما ستتمخض عنه الأيام”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد