كانت المعارف الفلكية المصرية مرجعًا للدارسين والباحثين، مثل خيميائي القرون الوسطى الذين ساهموا في تكوين شغفًا مميزًا تجاه مصر القديمة، وأطلق على هذا الشغف مصطلح «Egyptomania»، والذي تطور تطورًا ملحوظًا على مدار القرن الثامن عشر حتى وصل إلى ذروته في نهاية القرن نفسه، في رحلة فلكية جمعت بين الدين والعلم والأساطير نتّتبعها في هذا التقرير.

الوصف الميثولوجي للسماء

تؤكد كريستينا جودوتي مديرة المتحف المصري في فلورنسا، من خلال شهادتها في كتاب «الفلك في مصر القديمة» للكاتب ماسيميليانو فرانشي، أن في مصر القديمة لم يكن من السهل التمييز بين الطبيب والساحر، أو بين الفلكي والمُنجم، وجميعهم كانوا كهنة منصرفين إلى رصد السماء، ورصد تأثيرها على الظواهر الطبيعية وعلى الإنسان، وهذا الرصد المُتقن للسماء والمعارف الفلكية التي توصل لها المصريون القدماء قد ساهم في تكوين الأساطير والعقائد المصرية في مزيج يصعب فيه التمييز بين العلم والدين.

حظرت الكنيسة كتبه.. كوبرنيكوس عالم الفلك الذي غير نظرة العالم إلى الكون

الوثائق التي عُثر عليها فيما يخص المعلومات الفلكية لدى المصريين القدماء تعتبر قليلة نسبيًا، وتمثلت في النقوش بالمعابد، والتوابيت، ومناظر المقابر، وتلك الوثائق جسدت أشكالًا بسيطة لمجموعات النجوم، ووضحت نظامًا متكاملًا لحساب ساعات الليل على مدار العام، هذا بالإضافة إلى رسوم توضيحية للسماء خلال الليل والنهار، مع ذكر تعليمات وإرشادات لكيفية عمل الساعات الشمسية.

رسمًا للسماء في هيئة المعبودة نوت. مصدر الصورة موقع « explorable»

إن القصص الخيالية، والتي تخلط بين الدين والأساطير كان لها دور كبير في تهدئة مخاوف الإنسان المصري القديم تجاه الظواهر الفلكية، وجاء الوصف الميثولوجي للسماء لدى المصريين القدماء مجسدًا لمدى تعمقهم في محاولات تفسير الكون كما وضح الكاتب ماسيميليانو فرانشي في كتابه «الفلك في مصر القديمة».

ومن بين الوثائق الأكثر أهمية في تراث مصر القديمة، والتي تمنحنا وصفًا واضحًا للسماء هو كتاب «المعبودة نوت» وهو نص ديني موجود في مقبرة رمسيس الرابع في وادي الملوك.

المشهد الموجود في الصورة بالأعلى هو رسم للسماء في هيئة المعبودة نوت والتي تغطي بجسدها المشهد بأكمله كما تفعل السماء مع الأرض، والمعبود شو هو الشخص الواقف حاملًا جسد نوت، وهو أيضًا والدها في ميثولوجيا مصر القديمة، وهو – شو – تشخيص للهواء وضوء أشعة الشمس، ولذلك يُطلق على نسيم الصباح في الثقافة المصرية القديمة اسم «أنفاس شو»، بينما يستلقي أسفل الصورة المعبود جب وهو إله الأرض، ويشخصها في المشهد.

هذا المشهد يخبرك قصة قصيرة جدًا، شرح المصريون من خلالها رؤيتهم الميثولوجية للسماء، وهي تحكي عن المعبود جِب الذي يمثل الأرض الخضراء، والذي إذا تحرك يحدث الزلزال، ومن فوقه تقف المعبودة نوت ثابتة مُجسدة السماء ليلًا ونهارًا.

وفي الغروب تبتلع نوت الشمس في فمها لكي تلدها مرة أخرى في الصباح؛ حيث تعبُر الشمس جسد نوت على متن مركب، تتخطى عليه مخاطر كثيرة على مدار الاثنتي عشرة ساعة ليلًا، حتى تشرق في الصباح على خير، وفي تلك القصة تمثل الشمس الإله رع، والذي يعتبر ابنًا لنوت؛ لأنها هي من تلده للحياة يوميًا.

كوكبة الدجاجة «Cygnus »

تلك المكانة التي منحتها القصة للمعبودة نوت، والتي ربطتها بضرورة الشروق، ومن ثم ضرورة البعث بعد الموت وهو المعتقد الأصيل في الديانة المصرية؛ كانت السبب في تصوير المعبودة نوت داخل الكثير من توابيت الموتى والملوك لدى المصريين القدماء، مصحوبة بتعويذة تقول: «أيها الملك المتوفى، إن أمك نوت الممتدة فوقك تحميك من كل الشرور».

التفسير الفلكي لجسد المعبودة نوت اعتبر الساق تمثيلًا لكوكبة الدجاجة «Cygnus»، والفرج تمثيلًا لنجمة ذنب الدجاجة «deneb»، أما الفم فهو تمثيل للشكل المقعر لدرب التبانة، والرأس يشير للسديم، والسديم تعني «أجرامًا سماوية ذات مظهر منتشر غير منتظم».

ووفقًا للأسطورة فنوت تبتلع الشمس في الاعتدال الربيعي يوم 21 مارس (آذار) بعد الغروب بحوالي ساعة و15 دقيقة، حينما تكون رأس المعبودة نوت وفمها موجهين تجاه غروب الشمس، وتعد سماء ولادتها يوم الانقلاب الشتوي الموافق 21 ديسمبر (كانون الأول) بعد مرور 272 يومًا، أي بعد تسعة أشهر حمل.

شمسنا كان لها توأم «شرير» هو المسؤول عن انقراض الديناصورات

القمر في مصر القديمة

وفي حين كانت الشمس ممثلة لدى المصريين القدماء في هيئة الإله رع، كان القمر في بداية الثقافة المصرية القديمة ممثلًا في عين حورس اليسرى، وفيما بعد ومع تقدم الأسرات اقترن القمر بالمعبود تحوت كما ورد في نصوص الأهرام، وتحوت أو توت هو إله الحكمة عند الفراعنة.

ومن خلال مراقبة القمر وضع المصريون أول تقويم سنوي لهم، وهو التقويم القمري المصري القديم، والذي تضمن 12 شهرًا، كل شهر مكون من 29 أو 30 يومًا، بإجمالي 354 يومًا للسنة كلها، وقسموا الشهر إلى أربعة أسابيع، كما نفعل الآن، وهي: التربيع الأول للقمر، والقمر المكتمل، والتربيع الثاني، والقمر الجديد.

ولكن على عكس وقتنا الحالي لم تكن أسابيع الشهر أو أوجه القمر متساوية، ولم يكن التقويم القمري عمليًا على المستوى الاقتصادي للدولة، خاصة فيما يخص تقدير الضرائب: فقد كان من الضروري لأسباب اقتصادية وقانونية إدراج تاريخ رسمي في المستندات، ومن هُنا جاءت حتمية تعديل التقويم القمري.

كوكب المشترى كما رصده الفلك الحديث. مصدر الصورة موقع «Mars»

ولهذا الغرض ظهر تقويم سنوي جديد في مصر القديمة مكون من 365 يومًا، مبني على أساس الاحتراق الشروقي لنجمة الشعرى، وهو الحدث المتزامن مع فيضان النيل، وتُعد ظاهرتا اختفاء نجمة الشعرى وظهورها من أهم الظواهر في الحضارة المصرية القديمة؛ لأنهما كانتا من الظواهر المثالية التي يقاس بها الزمن.

الاستمناء في النيل وخنجر من الفضاء.. 5 مواقف «جنونية» لملوك مصر القديمة

الكواكب الداخلية والخارجية لدى المصريين القدماء

وكما اهتم المصريون القدماء برصد حركة القمر والشمس في السماء، كان لهم اهتمام كبير أيضًا برصد باقي الكواكب، وكانوا مدركين أن كوكب الأرض لا يدور وحده في هذا الفضاء الفسيح، ونجحوا في رصد خمسة كواكب، ثلاثة كواكب خارجية، وهي: المريخ، والمشترى، وزحل. وكوكبين داخليين يقعان بين الشمس والأرض، وهما: عطارد، والزهرة.

واعتبروا كوكب المريخ، والمشترى، وزحل تجسيدًا للإله حورس، وأُطلق على كوكب المريخ اسم «حورس الأحمر»، وهو الأمر الذي لا يبدو غريبًا على الأذن الآن؛ لأن علماء فلك العصر الحديث أطلقوا على كوكب المشترى اسم «الكوكب الأحمر».

نقش للإله حورس على جدران أحد معابد الأقصر

ومن أسماء كوكب المشترى لدى مصر القديمة أيضًا اسم «النجمة الشرقية للسماء»، والاسم الأهم له كان «الذي يتحرك للخلف »، وهذا الاسم يثبت أن المصريين القدماء أدركوا حركة الكواكب مقارنة بحركة النجوم التي لا تفنى.

أما كوكب المشترى فعادة ما كانوا يجسدونه في هيئة خاصة لحورس وهو جالس على مركب الشمس، ووصفوه بـ«حورس الذي يحد الأرضين»، و«النجمة الجنوبية للسماء»، أو الذي يتبع السماء، بينما كان كوكب زحل في الثقافة المصرية القديمة يُطلق عليه اسم «حورس الثور» أو «النجمة الشرقية التي تعبر السماء».

كوكب عطارد من الكواكب الداخلية، أي التي تقع بين الأرض والشمس، وهو ما سمح للمصريين القدماء برصد أفضل لهم، وأطلقوا عليه اسم «الودود»، والذي كان رمزًا لحورس في الديموطيقية، ولكنهم أيضًا أطلقوا عليه «المدمر» حين جسدوه في هيئة الإله ست، ويعتقد البعض أن هذا التناقض في وصف عطارد جاء لرغبة المصريين في نفي أي أثر سلبي قد يراه الإنسان في اقتران اسم عطارد بالإله ست، والذي كان يمثل الدمار أو الفوضى في مصر القديمة.

وأشار المصريون القدماء لعطارد في وثائق الأسرة التاسعة قائلين: «سِت، أي عطارد، الذي في شفق المساء، رب ضوء النهار الخافت»، لنرى أنهم وصفوا عطارد بـ«نجم الصباح»، و«نجم السماء» أيضًا، وهي خاصية فلكية اكتشفها الفلك الحديث عن الكواكب الداخلية.

وجاء كوكب المُشترى في اللغة المصرية القديمة باسم «الذي يعبر» أو «النجم الذي يعبر السماء» وهو لقب يؤكد إدراك المصريين القدماء لحركة الكواكب.

من أين أتى المصريون؟ مصر قبل ظهور الفراعنة

الاتجاهات والزمن في فلك المصريين

ومن خلال قدرة المصريين القدماء الواسعة على الرصد الفلكي تمكنوا من تحديد الاتجاهات، وعلى عكس الشعوب المجاورة لهم في ذاك الوقت والتي اهتمت بالتنجيم اهتمامًا محوريًا كان المصريون يهتمون أكثر بالبيانات والمعلومات الفلكية، واستخلاص معلومات وحسابات أكثر دقة من خلالها.

بردية تورين الموجودة بالمتحف المصري في تورينو بإيطاليا

وفي بداية الأمر اتخذوا مسار النيل دلالة لهم لتحديد الاتجاهات، ولكنهم لاحظوا بعد ذلك ضرورة وجود نظام قياسي آخر أكثر دقة وفعالية في كل مكان في مصر، ووضعوا نظامين، واحدًا يحسب الاتجاهات في النهار وفقًا للشمس، والآخر يحسب الاتجاهات ليلًا وفقًا للنجوم.

أما الاستخدام الآخر لمعلوماتهم الفلكية، والذي يعتبر الأكثر أهمية، هو اختراع المصريين القدماء للزمن، وبدايته ونهايته، وفي حين تجادلت الآراء حول أي من الحضارات أدخلت التقويم قبل الآخرى، تفرد المصريون القدماء باختراع الزمن، والدليل على ذلك جاء (بردية تورين)، وهي بردية تعود لعهد رمسيس، ومحفوظة حاليًا في المتحف المصري في تورينو بإيطاليا.

في تلك البردية قائمة بأسماء الملوك المصريين، بدءًا من عصر ما قبل الأسرات إلى الأسرة السابعة والعشرين، وتظهر البردية أن المصريين ميزوا سنوات حكم كل ملك، وهذه السنين كانت تُعد تسلسلًا لخطٍ زمني، ولأنهم أرادوا استمرارية للزمن لا تنقطع مع نهاية حكم الملك؛ فكان باستطاعتهم قياس الماضي ووضع افتراضات لتصور الصلة بين الزمن والكون.

وحرص المصريون على تطوير قياسهم للزمن مع مرور الأسرات، فقد كانت سنة الحكم تتزامن مع السنة الإدارية، والتي كانت تبدأ في اليوم الأول من الشهر الأول من الفيضان، وعليه كان يحدث أحيانًا تداخل في التأريخ بين الملك المتوفى، والملك الذي يليه، فلو مات الملك الأول قبل نهاية العام بخمسة أيام، فإن هذا العام يعد آخر عام للملك المتوفى، ولكنه أيضًا يكون العام الأول للملك القادم، ولتجنب هذا العد المزدوج، جعل المصريون بداية سنة الحكم في اليوم الفعلي لاعتلاء الملك للعرش.

حورخيبي.. فلكي مصري نبيل

ولزم هذا الرصد الفلكي وتطويره وجود فلكيين متخصصين، وفي مصر القديمة الرصد الفلكي كان مهمة يومية لا غنى عنها، ويطلق على صاحبها اسم «الُمكلف برصد الساعات» أو الذي يرصد مرور اليوم، وتبين من المصادر الواردة من العصر البطلمي مدى معرفة القدماء المصريين بالفلك من خلال السيرة الذاتية لـحورخيبي.

وهو من أشهر فلكيين مصر القديمة، وعاش في تلك الحقبة، وجاء في سيرته أنه: «حورخيبي.. نبيل، بارع، هو الذي يرى كل ما يمكن ملاحظته في السماء وعلى الأرض، حكيم القلب في رصد السموات المملوءة بالنجوم، هو الذي يحكي عن شروق النجوم وحركتها في وقتها، وهو الذي يتوقع الاحتراق الشروقي لكل نجم، والذي يتوقع الاحتراق الشروقي لنجمة الشعري في بداية العام، وهو الذي يقسم الساعات بدقة في الليل والنهار دون أن يخطئ؛ وذلك لشدة حرصه وحكمته في كل يشاهده في السماء»، وقد أكد ماسيميليانو فرانشي في كتابه «الفلك في مصر القديمة » أن تلك المعلومات مثيرة للاهتمام، وتشير إلى المعرفة الفلكية الواسعة التي وصل إليها المصريون القدماء في هذا الزمن البعيد.

المصادر

s