بات الشارع المصري يشعر بقلق بالغ بعد كلّ تصريح لمحافظ البنك المركزي طارق عامر، الذي أصبح خروجه بأي تعليق حول سعر الصرف مثيرًا للأسواق بشكل ملحوظ، فالرجل الذي وصل إلى هذا المنصب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 حين كان سعر الدولار نحو 7.83 جنيه، قال بعد أشهر من هذا التاريخ: إن سعر الدولار سيصبح أربعة جنيهات، وبعيدًا عن أن التصريح كان مزحة أم غير ذلك، إلا أنّ الرجل نفسه كان صاحب قرار تحرير سعر الجنيه في الثالث من نوفمبر 2016، ووصل السعر بعد هذا القرار لنحو 20 جنيهًا للدولار.

على كلً كانت تصريحات طارق عامر هذه المرة تحمل الكثير من المعاني والدلالات وتطرح عدّة أسئلة، وخلال هذا التقرير سنحاول توضيح هذه الدلالات أكثر، والحديث عن المستويات المتوقّعة للدولار خلال الفترة القادمة.

ما الذي قاله محافظ البنك المركزي هذه المرّة؟

تضمّن حوار طارق عامر مع وكالة «بلومبرج»، المنشور أوّل أمس الثلاثاء، عدة نقاط رئيسة كان أهمها توقّعه أن تشهد الفترة المقبلة تقلّبات في سعر صرف عملة بلاده، قائلًا: «سنشهد المزيد من تقلبات العملة بعد إلغاء آلية تحويل أموال المستثمرين الأجانب»، لكنه شدد على الالتزام بضمان حرية وشفافية السوق، وبالرغم من اختفاء المضاربة من السوق المصري منذ أشهر عديدة، إلا أن عامر أكد على قدرة المركزي على مواجهة المضاربين.

Embed from Getty Images

وأضاف عامر أن الاحتياطات الكبيرة التي ارتفعت بقوّة منذ قرار تعويم الجنيه، ستساعده في الدفاع عن نظام الصرف الجديد – الحر – وكذلك أسعار الفائدة يمكن استخدامها كأداة أخرى، كما حدث كذلك بعد التعويم، بينما قال: إن أسباب استقرار الجنيه خلال 2018 يعود في الأساس إلى تحسّن ميزان الحساب الجاري نتيجة زيادة تحويلات المصريين في الخارج، وعائدات السياحة والصادرات وتحسّن التصنيف الائتماني لمصر، على حد ذكره.

لكن محافظ المركزي اعترف كذلك بشكل مباشر أن بلاده شهدت خروج 10 مليار دولار من محفظة استثمارات الأجانب في أدوات الديْن الحكومية المصرية، بينما توقّع وصول الدفعة الجديدة المتأخرة من قرض صندوق النقد الدولي في أواخر الشهر الجاري، أو مطلع فبراير (شباط) المقبل، على أقصى تقدير، كانت هذه أبرز النقاط التي تحدث عنها عامر خلال حواره، ولكن ماذا تعني هذه التصريحات؟

كل ما تريد معرفته عن التعويم الكلي للجنيه المصري

في حوار «بلومبرج».. هل جانب طارق عامر الصواب؟

لا شك أن الجميع يعلم مدى حساسية منصب محافظ البنك المركزي، إذ إنّه رأس السياسة النقدية في الدولة، وهي أحد أعمدة الاقتصاد الرئيسة، وأي تصريح سلبيًا أو إيجابيًا يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد، خاصة إذا كان الحديث عن سعر الصرف أو سعر الفائدة، وبعد التصريحات التي خرج بها محافظ المركزي المصري مؤخرًا، رأى بعض المحلّلين أنه لم يكن يجدر بطارق عامر الحديث بهذه الطريقة، لأن هذه التصريحات ربما تصنع حالة جديدة من المضاربة، بينما يرى آخرون أنّ عامر له أهدافًا غير معلنة من هذه التصريحات.

Embed from Getty Images

لكن محمد عبد الحكيم، رئيس قسم البحوث بـ«شركة فيصل لتداول الأوراق المالية»، يرى أن هذه التصريحات «معتادة في مثل تلك الظروف من محافظ البنك المركزي، لكنها تدل على قلق وتخوف من انفلات الأمور وخروجها عما هو مخطط، وهو قلق في محلّه بلا شك؛ إذ تصبّ معظم التوقّعات في صالح انخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار تدريجيًا خلال العامين 2019 و2020».

على الجانب الآخر يفسّر ممدوح الولي، الكاتب الصحافي المتخصّص بالشأن الاقتصادي، ونقيب الصحافيين الأسبق، تصريحات عامر بشكل مختلف، إذ يرى أنّ محافظ البنك المركزي ظلّ يدافع عن سعر الصرف حول 18 جنيه للدولار منذ مارس (آذار) الماضي وحتى الآن رغم خروج أكثر من 10 مليار دولار، نتيجة مبيعات الأجانب لأذون الخزانة المصرية، مما ترتب عليها وجود عجز بأرصدة العملات الأجنبية بالبنوك التجارية بلغ 7.4 مليار دولار في نوفمبر الماضي.

وتابع الولي خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «كانت إستراتيجية المحافظ تعتمد على المزيد من الاقتراض للحفاظ على الاحتياطي من العملات الأجنبية حتى يبدو أنه نجح في مهمته، لكن مع تأخّر قسط الصندوق في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وتغير الظروف الدولية التي أصبحت تطلب فوائد أعلى السندات المطروحة بالخارج، وزيادة تكلفة التأمين على القروض المصرية، اضطرّ للسحب من الاحتياطي في ديسمبر للوفاء ببعض التزامات سداد قروض قصيرة الأجل، بالإضافة إلى الالتزامات الدورية للوفاء بالاحتياجات الاستهلاكية من البترول والقمح والزيوت».

ويضيف نقيب الصحفيين الأسبق أنه مع تأخّر قسط للصندوق حتى آخر يناير (كانون الثاني) الجاري، ونقص تحويلات المصريين العاملين بالخارج بالربع الثالث من العام الماضي عن الربع الثاني من العام الماضي، والزيادة الكبيرة التي حدثت بالواردات السلعية، والنقص الملموس في الاستثمار الأجنبي المباشر، وتعطّل دور البورصة في جذب مستثمرين أجانب يوفرون بعض السيولة الدولارية، واستحقاق أقساط وفوائد للدين الخارجي، كل ذلك سيدفع عامر لقبول تحريك سعر الصرف جزئيًا، ليخفّف الضغط على الاحتياطي ويحسن من مركز العملات الأجنبية بالبنوك التجارية.

طارق عامر يتذيل تصنيف محافظي البنوك المركزية العرب لعام 2016

هل هناك علاقة بين تصريحات طارق عامر وقرض «النقد الدولي»؟

يقول الولي: إن جعل سعر الصرف حرًا بشكل حقيقي يمثل أحد مطالب صندوق النقد، وفي حالة عدم الاستجابة له قد يتعطّل القسط السادس والأخير لقرض الصندوق، مثلما حدث مع القسط الخامس المرتقب نتيجة التأخر في تنفيذ آلية التحديد التلقائي لسعر الوقود، وطرح جانب من الشركات بالبورصة وإيجاد هيئة تنظيمية لقطاع النقل، وهذه هي العلاقة  بين الصندوق وإشارات طارق عامر.

Embed from Getty Images

لكن السؤال الأهم الآن: هل سعر الصرف في مصر حرٌّ بالفعل؟ مِن المفترض أنّ البلاد انتقلت إلى نظام الصرف الحرّ منذ التعويم، لكن في نوفمبر نشرت وكالة «رويترز» تقريرًا يشكّك في حقيقة حريّة سعر الصرف في البلاد، إذ نقلت الوكالة عن مصرفيّين واقتصاديّين قولهم إن بنوك الحكومة المصرية تساعد في دعم الجنيه، وتحدّث التقرير حول أن المركزي المصري يستعين بالبنوك التجارية المملوكة للدولة للحيلولة دون تراجع الجنيه مقابل الدولار.

وعلى ما يبدو كان عامر حريصًا على نفي هذا الاتهام، والنفي هنا لن يكون كلاميًا فقط، ولكن هذا الأمر يحتاج لحركة ملحوظة في سعر الصرف، لإقناع النقد الدولي أن حركة سعر الصرف حرة طبقًا للعرض والطلب، خاصة أن البلاد لن تتحمل تأجيل آخر لشريحة للقرض الجديد.

يشار إلى أن «بلومبرج» قالت الشهر الماضي إن مسؤولًا حكوميًّا أبلغها أنّ تأخير حصول مصر على الشريحة البالغة ملياري دولار، التي كانت مقرّرة في ديسمبر جاء بسبب الخلاف بين الحكومة والصندوق حول توقيت إعلان آلية تسعير الوقود، التي تربط أسعار الوقود المحلية بالعالمية، ولهذا السبب لم يُدرج صندوق النقد مصر على أجندة اجتماعات المجلس التنفيذي للصندوق حتى 28 يناير الجاري.

كيف قضى صندوق النقد الدولي على نصيب الفقراء في موازنة مصر الجديدة؟

لهذه الأسباب قد يرتفع الدولار في مصر الفترة القادمة

أرجع طارق عامر توقّعاته للتقلبات التي قد تحدث لسعر الصرف الفترة القادمة إلى إلغاء آلية تحويل أموال المستثمرين الأجانب، لكن هل هذا هو السبب فقط، الذي سيؤدي إلى ارتفاع الدولار مقابل الجنيه المصري؟ بالطبع ليس هو السبب الوحيد، بل هناك عدّة أسباب أخرى قد تساهم في هبوط العملة المحلية وهي:

11 مليار دولار في 8 أشهر.. خروج الأموال الساخنة

تعدّ استثمارات الأجانب في أدوات الديْن الحكومي (وهي ما تسمّى بالأموال الأجنبية الساخنة) أهمّ مصادر الدولار التي اعتمدت عليها مصر منذ تعويم الجنيه، لكنّها شهدت مؤخرًا تراجعًا كبيرًا في ظلّ منافسة كبيرة على هذه الأموال بين عدّة أسواق ناشئة على رأسها تركيا والأرجنتين، إذ خرج من السوق المصرية أكثر من 11 مليار دولار خلال الفترة من مارس (آذار) وحتى نوفمبر الماضيين.

«مفخرة الحكومة».. لماذا تعتبر استثمارات الأجانب في ديون مصر «نقطة ضعف»؟

14.7 مليار دولار.. الديون الخارجية المستحقة خلال 2019

على الجانب الآخر تضغط الديون التي تحلّ آجالها خلال العام الجاري على سعر الصرف بشكل مباشر، إذ قال البنك المركزي، مؤخّرًا إن مصر عليها سداد 14.7 مليار دولار خلال 2019، بينها 8.57 مليار دولار ودائع لكلّ من السعودية والكويت والإمارات، وذلك بواقع 6.45 مليار دولار من الودائع السعودية، و1.357 مليار دولار للكويت، و1.17 مليار دولار للإمارات.

وبحسب المركزي فقد بلغ الدين الخارجي لمصر 92.6 مليار دولار يستحوذ الدولار على 58.8 مليار دولار منها، يليه اليورو بنحو 14 مليار دولار وحقوق السحب الخاصة بنحو 10.5 مليار دولار، وقال البنك المركزي، إن ارتفاع الدولار أمام العملات الأخرى خلال العام الماضي أدى لزيادة الديون الخارجية بنحو 400 مليون دولار، وفي ظلّ توقّعات ارتفاع الدولار الفترة القادمة سترتفع هذه القيمة.

7.3 مليار دولار.. عجز بأرصدة العملات الأجنبية بالبنوك التجارية

تسبّب خروج الاستثمارات الأجنبية بأذون الخزانة في عجز بالأصول الأجنبية للبنوك التجارية بلغ 7.322 مليارات دولار بنهاية نوفمبر الماضي، بينما حقّقت البنوك التجارية عجزًا متواصلًا طوال 16 شهرًا منذ نوفمبر 2015 وحتى أبريل (نيسان) 2017 لأسباب تتعلّق بخروج نحو 11 مليار دولار أموالًا ساخنة من السوق المصرية في تسعة شهور من العام 2018، وهذا ما يهّدد بشكل مباشر قدرة البنوك على تغطية طلبات المستوردين للدولار، وهو بالتالي ما سيرفع سعر الدولار الفترة القادمة.

ما هو السعر المتوقع للدولار خلال 2019؟

يقول عبد الحكيم، خلال حديثة لـ«ساسة بوست» إنّ هبوط الجنيه خلال الفترة القادمة سيكون بدافع معدّلات التضخم المرتفعة نسبيًا، وذلك في ظل قدرة المركزي المحدودة نحو رفع معدلات الفائدة حفاظًا على النشاط الاقتصادي من الانحدار نحو فخ الركود، بينما يتوقع أن تدور قيمة العملة المصرية حول مستويات 19 جنيه مقابل الدولار خلال العام 2019، ثم 20 جنيه خلال العام 2020.

Embed from Getty Images

وعلى الجانب الأخر، كانت «كابيتال إيكونوميكس» قد رجّحت في مذكرة بحثية سابقة أن قيمة الجنيه ستتراجع أمام الدولار بنهاية 2019، لتصل إلى 20 جنيهًا، بينما يرى محلّلون أن تصريحات عامر قد تسرّع من حركة الدولار؛ مما تدفعه للوصول إلى هذه القيمة قبل نهاية العام، بينما يتوقع بنك الاستثمار «اتش سي» أن ينخفض سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار بنسبة تتراوح بين 5 إلى 10% خلال 2019.

وتعتمد توقعات «اتش سي» على أنّ تدفّقات العملات الأجنبية الجديدة من خلال نظام الإنتربنك، سينتج عنها تغيّر في سعر العملة بما يعكس قوى العرض والطلب في السوق، و«الإنتربنك» هو نظام لتداول الدولار بين البنوك تقوم بمقتضاه البنوك الأعضاء فيه بإعلان أسعارها لبيع وشراء العملات الأجنبية من بعضها البعض مباشرة، أو من خلال منصات الوساطة الإلكترونية.

جدير بالذكر أنّ الاحتياطي الأجنبي المصري تراجع بنحو ملياري دولار في ديسمبر الماضي ليهبط إلى 42.55 مليار دولار، وذلك لأول مرة منذ تعويم الجنيه في نوفمبر 2016، وبالرغم من أنّ الاحتياطي مازال كبيرًا إلّا أنّ التراجع يشير إلى أن الجنيه في طريقه للتراجع.

احتياطي النقد الأجنبي في مصر.. رحلة الصعود التاريخي ولغز الديون

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد