على مدار 15 عامًا، حقق «س. ع.» شهرةً استثنائية، كسمسار مرضى لدى مستشفيات جامعة القاهرة، وشركات الأدوية الأجنبية. مهمته التي حقق من ورائها أرباحًا «مقبولة»، من وجهة نظره، تمثلت في إقناع مرضى وجلبهم لطلاب كلية الطب لإجراء تجارب عليهم، أو لصالح شركات الأدوية الأجنبية في أبحاثها على العقاقير التي تنتجها، قبل تعميم استخدامها.

يشرح السمسار الأربعيني ، والذي يتحفَّظ على الكشف عن هويته لأسبابٍ أمنيةٍ واجتماعية، وظيفته، قائلًا: «مهمَّتي إقناع المريض بالموافقة على التجارب مقابل مبلغ مالي يحصل عليه، وعلاج مجاني لمرضه» موضحًا أن هؤلاء المرضى لا يملكون المال الكافي للعلاج، والحصول على الأدوية.

«كيف يتم اختيار المرضى؟»، يجيب السمسار: «أستطيع التعرُّف إلى الفقراء من المرضى في المستشفيات، من خلال هيئتهم الشكلية، في طوابير انتظار الموافقة على العلاج المجاني التي لايحصلون عليها في أغلب الأحوال». موضحًا أن المرحلة التالية هي محاولة إقناعهم بالخضوع لهذه التجارب عن طريق إغرائهم بالمال والعلاج المجاني، وتكون الموافقة هي الخيار الأرجح منهم على خوض التجربة، لظروفهم المالية الصعبة.

«يسرية عبدالعزيز»، 60 عامًا، واحدة ممن وقع الاختيار عليهم داخل مستشفى القصر العيني من جانب الطبيب المعالج لها، للخضوع لتجربة أبحاث على دواء السرطان مقابل حصولها على العلاج بالمجان، تقول: «اكتشفت إصابتي بمرض سرطان الكبد، وعجزت عن سداد مصاريف الأشعة والعلاج، جنبًا للصعوبة المتمثلة في الحصول على موافقة بالعلاج على نفقة الدولة» واصفة استجابتها للخضوع لهذا العلاج بـ «الاضطراري».

على مدار عامٍ كاملٍ، خضعت «يسرية» لـ34 جلسة علاج ضمن التجربة السريرية لشركة الأدوية الأجنبية على العقار الجديد، قبل أن تتعرَّض لتأخُّر في حالتها الصحية، جعلها تتوقف عن تناوله، وتكتفي ببعض المسكنات التي منحتها شركة الأدوية لها ضمن قائمة العلاج.

من جانبه، يقول «علاء غنَّام»، خبير السياسة الصحية، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» إن التجارب السريرية تمثل فرصة وحيدة للفقراء للحصول على العلاج المجاني، دون اعتبار أن هذا الدواء ما زال تحت التجربة، وعدم اكتراثهم باستثمار الموافقة للخضوع للتجارب، موضحًا أن القانون المصري الحالي الذي ينظم التجارب السريرية لا يقدَّم الحماية المناسبة لحقوق الإنسان وسلامته.

ويضيف «غنّام» أن وزارة الصحة عليها إلزام شركات الأدوية الأجنبية بالتأكد أن المشاركين في التجارب السريرية للدواء على دراية بالآثار الجانبية المحتملة، وإلزام هذه الشركات بإعطاء هؤلاء المرضى العلاج الأساسي المثبتة فاعليته قبل إشراكهم في هذه التجارب التي قد تفضي بهم للموت.

وفقًا لدراسة «أسئلة أخلاقية حول التجارب السريرية على الدواء في مصر»، التي أصدرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن من بين العقارات المستخدمة في التجارب السريرية داخل مصر، يوجد 9 عقاقير من أصل 24 عقارًا لايوجد لها بيانات تدلُّ على طلب ترخيصها في مصر، بجانب عقارات تم ترخصيها منذ أكثر من عشر سنوات، مما يتعدي مدة صلاحية التراخيص، معتبرة الدراسة أن استخدام عقاقير غير مُرخصة من جانب وزارة الصحة مخالف للقوانين المنظمة للتجارب السريرية التي أقرتها وزارة الصحة.

مصر تحتل المرتبة الثانية ضمن الدول الأكثر استضافة للتجارب السريرية للدواء

حسب المادة 60 من الدستور المصري، فـ «جسد الإنسان حرمة، والاعتداء عليه أو تشويهه أو التمثيل به جريمة يعاقب عليها القانون. ويحظر الاتجار بأعضائه، ولا يجوز إجراء أي تجربة طبية أو علمية عليه بغير رضاه الحر الموثق، وفقًا للأسس المستقرة في مجال العلوم الطبية، على النحو الذي ينظمه القانون».

تتراوح القيمة المالية التي يتقاضاها المرضى المصريون، الذين تستعين بهم شركات الأدوية في تجاربها الطبية، لاختبار سلامة الدواء المستخدم من ألفي جنيه مصري إلى 5 آلاف جنيه، والتي تتحدد بناءً على المخاطر الأولية، ونوعية العقار المستخدم، وعما إذا كانت الشركة محلية أم أجنبية.

وحسب الدراسة ذاتها، فعدد التجارب السريرية في مصر قد سجلت ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث جرى تنفيذ 143 تجربة سريرية في أغسطس 2014، و 139 في مارس 2015، و131 في شهر فبراير لعام 2016، وكانت أكثر من نصف هذه التجارب لعلاج الأورام، فيما كانت الشركتان السويسريتان الضخمتان NOVARTISS وRoche مسئولتين عن 50% على الأقل من هذه التجارب في مصر.

تتطابق هذه المعلومات مع الإحصاء الذي أظهرته قاعدة بيانات المعهد الوطني الأمريكي للصحة، عن احتلال مصر المرتبة الثانية ضمن الدول الأفريقية الجاذبة لشركات الدواء الأجنبية، لإجراء التجارب السريرية، بعد جنوب أفريقيا.

وأرجعت الدراسة الصادرة من المنظمة الحقوقية المصرية بالتعاون مع مؤسسات دولية، أن زيادة عدد التجارب السريرية الدولية في مصر مرتبطة بعدة أسباب، منها الكثافة السكانية الكبيرة، وتنوع وانتشار ضخم لأنواع كثيرة من الأمراض، وارتفاع نسبة الفقر. فيما تزداد هذه التجارب داخل مصر بالمناطق منخفضة ومتوسطة الدخل، بينما كانت أكثر من نصف هذه التجارب في مصر على مرض السرطان، يليها الأمراض الوبائية التي تُشكل 10%، واضطرابات التمثيل الغذائي التي تُشكل أيضًا 10%.

يقول «محمد عز العرب»، أستاذ ورئيس وحدة علاج السرطان في معهد الكبد بجامعة القاهرة في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» إن الموافقات اللازمة لشركات الأدوية لتنفيذ تجارب على عقاقير تصل لعامٍ كامل، وإنَّ هذا التباطؤ يجعل الكثير من الشركات الكُبرى تتجنب هذه المشاكل الروتينية، وتتجاوز القانون معتمدةً على موافقة المريض الذي يقع تحت طائلة فقره، واحتياجه للعلاج المجاني.

وأضاف «عز العرب» أن أغلب حالات مرضى السرطان تجد في فرصة المشاركة بالتجارب السريرية غنيمة لارتفاع علاجه الشهري، موضحًا أن شركات الأدوية مُلزمة بإعطاء مريض السرطان الدواء الأساسي للعلاج أولًا قبل استخدامه في التجارب، كما هو معمول به بكافة الدول الأوروبية، وكما تُلزم به القوانين المصرية.

وقائع من دفتر مآسي التجارب السريرية: جهاز علاج «الكفتة».. وواقعة أطفال مستشفى جامعة القاهرة

في عام 2008، تعرض مئات الأطفال لتجربة على أحد العقاقير الطبية بإحدى مستشفيات جامعة القاهرة، قبل أن تكشف نتائج هذه التجربة عن أن 9 % من الأطفال فقط تحسنوا، في حين أصيب معظم من تلقوا العلاج بالفشل الكبدي، والالتهاب الرئوي القاتل، والتهاب الأذن الوسطى، مع وقوع حالات وفاة من بينهم.

الواقعة التي ما تزال السلطات المعنية، تُباشر التحقيق في ملابساتها، أثبتت الوثائق المتعلقة بها أن من مجموع 734 طفلًا مصابًا بالركود الصفراوي، تم إعطاء 401 طفل حامض «ورسوديوكوسيكوليك»، لتكشف النتائج أن 9.35% ممن خضعوا للتجربة تم شفاؤه، في حين تدهورت حالة 86.54 % ممن تم إعطاؤهم هذا الكم من الحمض.

وفي عام 2014، أعلنت القوات المُسلحة عن جهاز جديد لعلاج مرض الالتهاب الكبدي الوبائي سي، ومرض نقص المناعة، متزامنة مع سيل تصريحات من اللواء إبراهيم عبدالعاطي، رئيس مركز علاج وفحص مرض السرطان، تحتفي بالعلاج «الذي هزم المرض 100% » قبل أن يكتشف الجميع أن المرضى الذين وقع الاختيار عليهم في تجربة العلاج تعرضوا لانتكاسة طبية تمثلت في ظهور أعراض جانبية، كانخفاض مناعة المشاركين في هذه التجربة، وانتشار للمرض بالجسم، مسدلة بذلك الستار على فصل جديد من فصول مآسي التجارب السريرية في مصر.

عرض التعليقات
تحميل المزيد