أسفر حادث مروع بطريق «مصر – الإسكندرية»،وقع منذ أيام قليلة، عن مصرع وإصابة 14 شخص، وأدى تصادم آخر على الطريق الصحراوي، من اتجاه الإسكندرية، إلى مصرع وإصابة تسعة أفراد الشهر الماضي، ومنذ يومين، وقع حادث على طريق «الفرافرة – الواحات البحرية»، راح ضحيته 22 مزارعًا من الفرافرة، وآخر وقع في مارس (آذار) الماضي، راح ضحيته 22 مجندًا من جنود الأمن المركزي،وذلك على الطريق الدولي «أبورديس – الطور».

وخلال الفترة بين كتابة التقرير ونشره، وقعت حادثتان، الأولى على الطريق الصحراوي الغربي «مصر – أسوان» ، مُسفرًا عن مقتل وإصابة 18 شخصًا، والثانية كانت من نصيب الطريق الدائري، أسفرت عن مصرع وإصابة 10 أشخاص، أي أنه خلال سويعات قليلة، قُتل وأصيب بسبب حوادث الطرق، 28 شخصًا.

وتعتبر مصر من بين أسوأ 10 دول في العالم، من حيث ارتفاع معدلات حوادث الطرق، التي تؤدي إلى الوفاة، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية؛ إذ تقول في تقرير لها عام 2012، حول السلامة على الطرق في مصر، إن حركة المرور في مصر «مزيج سريع الحركة من الشاحنات، والحافلات، والسيارات، والدراجات النارية، والمشاة، وكلها تشترك في نفس البنية التحتية. النتيجة هي، وجود أكثر من 12 ألف حالة وفاة سنويًا، بسبب حوادث المرور، وجرح آلاف آخرين، وغيرهم يعانون من حالات عجز، طويلة الأمد».

حالة وفاة كل 70 دقيقة

وفي دراسة، صدرت حديثًا في أغسطس (آب) الماضي، عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، حول «التكلفة الاقتصادية لحوادث الطرق في مصر عام 2015»، ورد فيها أن إجمالي عدد المركبات المرخصة بمحافظات الجمهورية، بلغ 8.6 مليون مركبة، خلال عام 2015، وأن عدد حوادث السيارات في مصر، في نفس العام، بلغ 14.5 ألف حادثة بنسبة زيادة 1% عن عام 2014، فيما بلغ إجمالي الخسائر البشرية، الناتجة عن هذه الحوادث، 25.5 ألف حالة وفاة وإصابة، منها 6.203 حالة وفاة، و15.847 حالة إصابة شديدة، و3.479 حالة إصابة طفيفة.

وعليه فإنّ دلالات هذه الأرقام تُشير إلى وقوع حوالي 39 حادث يوميًا، عام 2015، بمعدل 1.6 حادثة لكل ساعة، و17 متوفيًا يوميًا، أي بمعدل حالة وفاة بسبب الحوادث لكل 70 دقيقة، و53 إصابة تقريبًا يوميًا، أي بمعدل أكثر من حالتي إصابة كل ساعة.

وأشارت الدراسة إلى ارتفاع ما أسمته معدل القسوة (حالة وفاة لكل مائة مصاب)، ليبلغ 32.1% عام 2015، بعد أن كان 25.8% في عام 2014، كذلك ارتفع معدل الوفاة لكل مائة حادثة، إلى 42.6 حالة عام 2015.

وما يقرب من نصف جميع ضحايا حوادث الطرق، من السائقين أو ركاب السيارات، في حين أن الُخمس من المشاة، وذلك،رغم وجود قوانين متعلقة بالسرعة، فضلًا عن، حظر قيادة السيارة للسائقين الواقعين تحت تأثير المخدرات أو الكحوليات، وكذلك قوانين السلامة الخاصة بحزام الأمان، أو الخوذة لسائقي الدراجات النارية.

تحطم سيارة وخروجها عن الطريق

ويُعد المراهقون وما دونهم، أكثر من يتحملون فاتورة «نزيف الأسفلت»، إذ أعلنت «مؤسسة ندى لطرق مصرية آمنة»، أن حوادث الطرق، هي السبب الرئيس، للوفيات بين المراهقين، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و19 عامًا، والسبب الرئيس الثاني للوفاة بين الأطفال، الذين تتراوح أعمارهم ما بين خمسة و14 عامًا.

وفيما يخص ترتيب المحافظات المصرية من حيث عدد حوادث الطرق، فأشار التقرير، إلى أن محافظة الجيزة تصدّرت القائمة، بـ1704 حادثة،أي حوالي 13.7% من إجمالي الحوادث. وقد أدت حوادث الجيزة، خلال عام 2015، إلى وفاة 474 شحصًا، وإصابة 1430 آخرين، فيما تذيلت محافظة دمياط القائمة، بعدد 85 حادثة، مثّلت 5.7% من الإجمالي، ومُسفرةً عن وفاة 82 شخصًا، وإصابة 127 آخرين.

أكثر الطرق خطورة

كما أورد التقرير،أن أكثر الطرق خطورة هي؛ طريق «القاهرة – الإسكندرية الصحراوي»، حيث تقع أربع حالات وفاة في المتوسط، في كل اصطدام يحدث. وكذلك طرق «القاهرة-السويس»، و«القاهرة – طنطا الزراعي»، و«الطريق الدائري»، بمعدل 1.7 حالة وفاة لكل حادث يقع على إحدى هذه الطرق.

وعام 2014، أصدرت وزارة الداخلية، مع وزارة النقل، تقريرًا مشتركًا، أشارت فيه إلى أن 100 ألف حادثة وقعت بين عامي 2008 و 2012، أسفرت عن مقتل 33 ألف شخص، وإصابة حوالي 150 ألفًا آخرين، وتدمير 125 ألف سيارة، ما يجعل الوفاة، بسبب حوادث الطرق، تنافس وبقوة الأسباب الرئيسة الأخرى لوفاة المصريين، وهي أمراض الشرايين التاجية بالقلب، والسكتة الدماغية، وأمراض الكبد، وأمراض الكلى، ويترتب على ذلك، أن معدل الوفاة في مصر بسبب حوادث الطرق من بين أعلى المعدلات في العالم.

وحققت بعض الطرق أرقامًا قياسية في حصد الأرواح وإحداث الإصابات، فقد قُدرت،حصيلة حوادث الطرق في محافظة السويس، وبخاصة طريق العين السخنة، بأكثر من 120 قتيل و900 مصاب، خلال شهر أغسطس (آب) الماضي فقط.

وفي 2005، صدر تقرير عن اتحاد الطرق الدولي (IRF)، وجد أن معدّل عدد الحوادث المرورية في مصر واحد من أعلى المعدلات بين دول العالم، مُوضحًا أن المعدل في مصر 44 حادثًا يوميًا، وفي الولايات المتحدة 1.1، وفي المغرب 15، وفي اليمن 11 وفي إسرائيل 1.6 حادثة.

أسباب حوادث الطرق في مصر

وترجع أسباب الحوادث، إلى ثلاث عوامل رئيسة هي؛ إما أسباب متعلقة بالسائقين، أو أسباب متعلقة بالمركبة نفسها، أو أسباب متعلقة بالطريق. أوردت الدراسة الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، السابق الإشارة لها، أن أسباب حوادث الطرق في مصر يمثل العنصر البشري فيها 64% من أسباب حوادث الطرق عام 2014، ثم تأتي الحالة الفنية للمركبة بنسبة 21.9% ، ثم حالة الطريق بنسبة 2.4%. وعن نوعية السيارات التي تسبب الحوادث، فكانت السيارات الملاكي بنسبة 36.8%، يليها سيارات النقل بنسبة 27.8%، ثم سيارات الأجرة بنسبة 18.9%.

ولكن، الإحصائية المتعلقة باستحواذ الخطأ البشري على 64% من أسباب حوادث الطرق، وفقًا للدراسة السابقة؛ ربما، تكون غير دقيقة بدرجة ما، إذ إنّ السبب الرئيس، وراء وفيات الطرق فيما يتعلق بالخطأ البشري،يرجع بشكل أكبر إلى عدم وجود وسائل الأمان في معظم السيارات بالأساس، حيث إن الحوادث الناجمة عن السيارات المجهزة بوسائل السلامة، والأمان تكون أقل في معدل الوفيات، من نظيرتها التي لا تحتوي على هذه الوسائل.

ورغم ذلك، لا يوجد قانون في مصر،يستلزم مثل هذه الأشياء التي تتضمن سنادات الرأس الخلفية للمقعد؛ لمنع إصابات الرقبة أو الظهر، والأكياس الهوائية، وأنظمة المكابح المانعة للانزلاق، وأنظمة الثبات الإلكتروني للسيطرة على التزلج، والتي هي أشياء أساسية في معظم الدول، وإجبارية في دول أخرى مثل الولايات المتحدة، وبعض الدول الأوروبية.

والسبب في عدم وجود، مثل هذه الوسائل، هو أنه يتم فرض رسوم إضافية، على السيارات المستوردة، مع هذه الأجهزة المنقذة للحياة، مما دفع المستوردين، والتجار المحلليين إلى أن يقوموا بإزالتها قبل شحنها؛ من أجل تقليل مبلغ زيادة الرسوم التي ينبغي دفعها، وبالتالي، تحقيق هوامش أرباح أكبر.

صورة لوسائل النقل المختلفة داخل القاهرة

الفساد وحوادث الطرق

ويلعب الفساد،والبيروقراطية الحكومية،دورًا محوريًا، في المعادلة القاتلة، فيما يتعلق بالخطأ البشري، حيث إنه، يمكن الحصول على رخصة لقيادة السيارات، بسهولة إذا ما تم دفع مبلغ من المال، دون إجراء الاختبارات الحقيقية، التي تُظهر، كفاءة السائق، وأهليته لقيادة المركبة، أو إجراء الاختبارات، ولكن بشكل صوري، لا يعكس المستوى الحقيقي للسائق، في قدرته، على قيادة السيارة؛ مما يفرز نوعية من السائقين المتهورين، غير المبالين بعواقب السرعات الزائدة، وغير القادرين، على التصرف في المواقف الحرجة أثناء القيادة على الطريق؛ ما ينتج عنه، إزهاق لمزيد من الأرواح.

كما أن هناك، العديد من العادات السلبية، التي يقوم بها السائقون أثناء القيادة، دون قانون يردع أو تحمل للمسئولية الاجتماعية، مثل التحدث في الهاتف المحمول، والأكل، والشرب، ومبادلة الأموال بين سائقي المركبات التجارية على وجه الخصوص، كل ذلك يتم أثناء القيادة. وفيما يتعلق بسائقي الدراجات النارية، أصبح مشهدًا مألوفًا أن عائلة بأكملها تركب دراجة نارية، وأطفال مضغوطة في المنتصف ويتمركز السائق على خزان الوقود، بينما الأم، تجلس على الرف الخلفي للدراجة.

من المفترض، وفقًا للقانون، أن يرتدي سائقي الدرجات النارية الخوذات، ولكنها مثلها مثل الحدود القصوى للسرعة، نادرًا ما تطبق. ومن الأمور المثيرة للدهشة، وربما السخرية أيضًا، في هذا الأمر، أن القانون يُلزم سائق الدراجة النارية فقط بارتداء الخوذة، دون الأشخاص الذين يركبون خلفه.

كذلك، عدم استخدام حزام الأمان، إلا عند وجود الكمائن فقط، والإرهاق الذي ينتاب السائقين؛ جراء القيادة لساعات طويلة؛ ما يسبب النوم في بعض الأحيان، وقلة الكمائن الموجودة على الطرق، والقيادة تحت تأثير المخدرات.

في عام 2008، أشارت تقارير صادرة عن وزارة الداخلية، أنه من بين كل ثلاث حوادث وقعت، هناك اثنين منها، كانتا ناجمتين عن الشاحنات الكبيرة، التي تخلف وراءها،أكثر من 3 ضحايا في كل حادث، كما تحدث، أكثر من 20 ألف حادثة في مصر سنويًا، معظمها، كانت من قبل سائقي الشاحنات،الذين يقودون تحت تأثير المخدرات، وخاصة على الطرق السريعة، حيث تم إلقاء القبض على أكثر من 2000 منهم لهذا السبب.

أما الأسباب التي تعود إلى الحالة الفنية للمركبة، تتمثل في؛ انفجار الإطارات، وعدم كفاءة الفرامل، وترجع إلى عدم الصيانة الدورية للمركبة بسبب قلة الوعي لدى قائدي السيارات، وعدم إنفاقهم المزيد من الأموال على الصيانة الدورية أو الكشف على السيارة من وقت آخر.

وعن أسباب الطرق، كأحد الأسباب الرئيسة لحوادث السيارات في مصر، فقد أظهر تقرير التنافسية العالمي، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي «دافوس» للعام 2014/2015، ترتيب الدول في المؤشر الفرعي، الخاص بجودة الطرق، أظهر ترتيب مصر حيث جاءت في المركز 118 من بين 144 دولة حول العالم، مما يفصلنا عن القاع 26 مركزًا فقط، وهذا يوضح مدى التدهور الشديد في حالة الطرق، ومدى رداءتها في مصر.

إحدى الطرق في محافظة المنوفية بمصر

يقدر البنك الدولي، أن تكلفة صيانة الطرق في مصر، حوالي 700 مليون دولار كل عام، إلا أنه يجري تخصيص 70 مليون دولار فقط لتخدم كل 1 كيلو متر من الطرق ثلاث مرات فقط كل قرن من الزمان، أي أنه بمتوسط كل 33 عام يتم صيانة الطرق في مصر.

التكلفة الاقتصادية لحوادث الطرق في مصر

وفقًا للدراسة، التي قام بها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن التكلفة الاقتصادية لحوادث الطرق في مصر،تقدر بـ 30.2 مليار جنيه عام 2015، وذلك باستخدام أسلوب الناتج المفقود، حيث تبلغ التكلفة الاقتصادية الكلية المقدرة للوفيات 24.1 مليار جنيه، وللإصابات الشديدة 3.7 مليار جنيه، وللإصابات الطفيفة 600 مليون جنيه، بالإضافة إلى 1.8 مليار جنيه، كتعويضات مسددة من شركات التأمين.

وعن توقعها للعام 2020، فقد أكدت الدراسة، ارتفاع التكلفة الاقتصادية لحوادث الطرق، لتصل إلى 31 مليار جنيه، وذلك باستخدام أسلوب الناتج المفقود، كما تتوقع الدراسة، أن تبلغ وفيات حوادث الطرق عام 2020 حوالي 6.211 حالة، و22.255 حالة إصابة وذلك، في ظل ثبات العوامل والتكاليف للفرد الواحد.

من منظور اقتصادي، فإن الحادث المروري هو، حادث غير مقصود،تتسبب فيه مركبة أو أكثر؛ مما يؤدي إلى خسائر في الأرواح والممتلكات، التي تؤثر على الاقتصاد، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. أما التأثير المباشر فيتمثل في تكلفة الأصول والسيارات العامة التالفة، في حين أن التأثير غير المباشر يتمثل في تكلفة العلاج الطبي للإصابات، وتكلفة فقد حياة الأشخاص؛ مما يقلل من القدرة على الإنتاج.

البشر هم مورد للإنتاج الاقتصادي، لذا فمنع الحوادث سوف يؤدي إلى منع ضياع الإنتاجية؛ بسبب حالات الوفاة البشرية أو الإصابات الناجمة عن الحادث. كما أن حوادث المرور، تبطئ عملية التنمية في البلدان النامية، مع آثارها الضارة والمؤثرة على اقتصاد البلاد والكيان الاجتماعي. وتدعو منظمة الصحة العالمية هذا النوع من الخسائر بـ«وبائيات الحوادث المرورية -The epidemiology of traffic accidents».

وتحدث الاختناقات المرورية، نتيجة، وقوع حوادث الطرق، التي تؤدي إلى توقف حركة المرور، على الطرق لفترات طويلة من الزمن؛ مما يسبب خسارة في الوقت، والطاقة، وبالتالي يؤثر سلبًا على الإنتاج؛ وذلك بسبب تأخر وعرقلة القوة البشرية.

كما أن تلف المركبات، الناتج عن التصادم يؤدي إلى استيراد قطع غيار لهذه المركبات التالفة، وكذلك المعدات الطبية، التي تستخدم في حالات الإصابات، وخلال العمليات الجراحية، الناجمة عن الخسائر البشرية من الحوادث، حيث يتم استيراد جميع هذه السلع من الخارج، بالعملة الصعبة؛ مما يزيد من الضغوط على الجنيه المصري، وخصوصًا خلال أزمة النقد الأجنبي، التي تكونت خلال السنوات الأخيرة في مصر.

ويمكن إجمال تكاليف الحادث إلى ثلاث فئات هي: التكاليف التي تنطوي على البشر أو التكاليف البشرية، وتكاليف الأضرار في الممتلكات، والتكاليف العامة للحادث. التكاليف البشرية تشمل؛ فقدان الإنتاجية، تكلفة الرعاية الطبية، تكلفة الرعاية الطويلة الأجل، تكلفة فحص الطب الشرعي، نفقات الإدارة القضائية، الخسارة الناجمة عن انقطاع العمل واستبدال الموظفين. تكاليف الأضرار في الممتلكات تشمل؛ تكلفة إصلاح المركبات، تكلفة الوقت الضائع بسبب عدم توفر السيارة. التكاليف العامة للحادث، مثل: الأضرار التي لحقت بالممتلكات العامة، نفقات مرفق الشرطة من تنقلات ومتابعة، نفقات مكافحة الحرائق في حال تحركت سيارات الإطفاء لإخماد السيارات المشتعلة، تكلفة إدارة التأمين، تكلفة تأخير السفر.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد