في الفترة المُمتدة التي أعقبت عزل الرئيس السابق “محمد مرسي”، وصعود وزير الدفاع آنذاك:  “عبد الفتاح السيسي” لمنصب رئيس الجمهورية، وما تلاه من تنصيبه رئيساً للجمهورية، تعاظم الدور الأمني والتسويقي للسفارات المصرية في الخارج، خصوصاً بعد أن ظل الإعلام الخارجي يمثل حلقة صعبة وعصية على النظام المصري بعد فشل الجهود  في تسويق 30 يونيو وتغيير الصورة  لدى مراكز الأبحاث الغربية ووسائل الإعلام الأمريكية بالأخص .

بالتوازي مع هذا الدور التسويقي للسفارات المصرية بالخارج، برز دور آخر مرتبط بإيلاء أهمية أكبر للجانب الأمني للمسئول الأمني داخل السفارة، والمرتبط بالتحريات عن  مهام وأدوار الباحثين المصريين في الخارج، خصوصاً المُعارضين للنظام الحاكم، وأبرز أنشطتهم.

 التحريات الأمنية والمُراقبة: وسيلة  تحقق السفارات من الميول السياسية للمصريين بالخارج

 

المُراقبة هي أبرز السياسات التي تعاظمت ضمن أولويات السياسات للسفارات المصرية في الخارج من خلال عملية تتبع ورصد أنشطة الباحثين المعروف عنهم مواقفهم المُناهضة للنظام الحاكم، سواء كانت هذه المراقبة بطريقة مُباشرة أو غير مُباشرة.

مصدر بحثي داخل واشنطن تحدث لـ “ساسة بوست” عن أبرز الآليات المُتبعة من جانب السفارة المصرية في إجراءات المُراقبة المُتبعة من جانبهم على المصريين في الخارج ممن لديهم سياسات نقدية حيال النظام: “بمعايير ما بعد 3 يوليو، إذا رأت السفارة المصرية أن هناك خطرا على الأمن القومي المصري، فإنها السلطات الأمنية الأمريكية؛ لكي تراقب الشخص، هذه هي حدود السفارات والقنصليات هناك، بعد أن يتم الإبلاغ، حينها تبدأ السلطات الأمنية ـ غالبًا ـ الـ ( FBI )  في عملية مراقبة وتحر دقيقتين عن الشخص المبلغ عنه، هذه المراقبة قد تمتد لتشمل يومه بكامل التفاصيل”.

( ي . ع ) باحث في مجال علم الاجتماع السياسي بفرنسا، تعرض للتوقيف من السفارة المصرية منذ 3 شهور؛ على خلفية نشره مقالا بأحد المراكز البحثية المُستقلة العربية، من خلال استدعائه بمقر السفارة بباريس: “طلبتني السفارة؛ كي أقابلهم، بحجة وجود أمر هامٍ ينبغي التواصل معي بشأنه، ثم التقيت أحد المسئولين بالسفارة، وليس السفير، وناقشني في عدد من النقاط المذكورة بالمقال: من خلال ضرورة الكف عن بث الشائعات المُغرضة في الدوريات الأجنبية التي تهدد استقرار الوطن، طالباً مني التفحص فيما أكتب قبل نشره من أجل سمعة الوطن”.

الباحث المصري المتواجد بفرنسا، فوجئ ببعض العناصر الأمنية التي انتقلت لمنزله بمصر، وجلست مع والده؛ لأخذ تحريات عنه وعن ولده، وأسباب سفره للخارج، وعن الخلفية الدينية للأسرة، والمادية، مؤكداً أن هذه العناصر أبلغت والدي بأنها إجراءات طبيعية لسلامة ابنه في الخارج”، معللين ذلك “بتفكك البلاد، ومحاولة الحفاظ على أمننا القومي”.

” عبدالله هنداوي”، باحث في العلوم السياسية “وقعت له واقعة مُشابهة للوقائع السابقة: “شاركت بصفتي مُتحدثاً في ندوة عن الاختفاء القسري من شهور في أحد الندوات المُنظمة داخل أهم المراكز البحثية الكبيرة بواشنطن، وفي حديثي انتقدت “السيسي” وسياسته القمعية حيال المُعتقلين دون تهم واضحة، وأنه ديكتاتور، وذلك بعد حديث لأحد الداعمين له والمروجين لنظامه باعتباره خصماً للإرهاب”.

يضيف “هنداوي” أنه بعد انتهاء الجلسة، قدم إلى شاب ثلاثيني العُمر، وعرف نفسه بصفته أحد الدبلوماسيين المصريين العاملين في السفارة المصرية بواشنطن، وتحدثنا عن الأوضاع داخل مصر، ومآلات السياسة الحالية في مصر، ومُتابعته لمقالاتي بشكل دوري، والمنشورة بعدد من المراكز البحثية، ثم أخذ النقاش يتجه لتحريات أمنية منه بسؤالي عن بعض الأسماء المُحددة داخل واشنطن، وطبيعة أنشطتها، وأبرز المصريين المُحاضرين في هذه الندوات، وأسمائهم الرباعية، ومواطنهم الأصلية في مصر،  مُعللاً هذه الأسئلة بقوله: “إنهم من السفارة، وإنهم يتتبعون الشباب للاطمئنان عليهم في الغربة”!

“إسماعيل الاسكندراني”: باحث في علم الاجتماع السياسي، استوقفته السلطات الأمنية في مطار الغردقة أثناء رجوعه من برلين؛ للاطمئنان علي والدته المريضة، لتنقله إلى مباحث مقر أمن الدولة بالقاهرة، موجهة له اتهام الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة، ونشر أخبار كاذبة، وتحريضية على الجيش والشرطة، وتُشير الدلائل الأولية إلى تورط  السفارة المصرية في برلين، مع عدد من الأجهزة الأمنية التي ساهمت في تجميع التحريات عنه منذ شهر مايو، العام الحالي، بجانب عدد من الأجهزة الأمنية، مُتمثلاً دورها في رصد أنشطة  “إسماعيل” بالمراكز البحثية، ومراجعة بعض الأوراق البحثية الصادرة عنه بالخارج، رغم عدم وجود ذكر للسفارة في المحاضر الرسمية للتحقيقات وفق ما أشارت زوجة  “الإسكندراني”.

يحكي “عبد الرحمن عياش”، وهو باحث مصري متواجد بالخارج، عن وقائع اعتقال “إسماعيل الاسكندراني”: “الأمر مرتبط بالورشة التي عقدت في ألمانيا، أكتوبر الماضي،  حيث اعترضت السفارة المصرية على الحضور فيها بشكل رسمي، ثم تطور الأمر لاحتجاج من وزير الخارجية المصري  للسفارة الألمانية في مصر، مشيرا إلى أن الورشة كانت عن الإرهاب في مصر، وكيفية تفكيكه”.

يضيف “عياش”:  “إن المؤسسة المنظمة للورشة أخبرت جميع المصريين، بعد احتجاج السفارة، بعدم ضمان سلامتهم عند عودتهم إلى مصر، ولكنهم حضروا جميعا، وتحدث إسماعيل عن الإرهاب في سيناء، مؤكدا على أن الحاضرين تواصلوا مع السفارة المصرية؛ لمعرفة أوجه الاعتراض، واكتشفنا أن حضورا أكاديميا من المعارضين للإخوان كان السبب، إلا أنه أوضح أن السفارة أرسلت تقريرا ضد إسماعيل؛ لمشاركته في الورشة، وأن جميع المصريين عادوا إلى مصر، ولم يتم التحقيق معهم، وقرر إسماعيل أن يزور أكثر من بلد، وعند عودته تم احتجازه.

“مُصطفي السيد”، باحث مصري بأحد الجامعات النرويجية، تعرض لموقف مُشابه خلال تواجده في النرويج الشهر الفائت، بعد إرسال السفيرة المصرية في النرويج لاستفسار للخارجية النرويجية عن سبب تواجده، وطبيعة البرنامج الأكاديمي المسئول عنه، كما تواصلوا مع الجامعة في النرويج التي يحاضر فيها؛ بشأن هذا الأمر أيضاً .

“سوسن غريب”، منسقة حركة 6 إبريل، بواشنطن تتذكر وقائع عديدة تعرضت لها بشكل شخصي، عن طريق الأفراد الذين تعتمدهم السفارة المصرية بواشنطن؛ للتجسس على النشطاء والباحثين بشكل غير مباشر، تصفهم قائلة: “معظم (الأمنجية) يكونون من طلبة الدكتوراه من البعثات المصرية؛ لأنهم ممسوكون من رقبتهم؛ بسبب قيام الدولة بالإنفاق عليهم، وذكرت سوسن أن هناك قصة مشهورة بعد الثورة لأحد طلبة البعثات الذين قطع عنه الدعم؛ بسبب “توجهاته الثورية” ولأنه “رفض أن يبيع ضميره، وأضافت: “للأسف، فيه غيره باع”، وهذا السبب الرئيس وراء نقلهم للأمور.

تضيف “سوسن” أن هناك “مُخبرين” من نوعية أخرى من المصريين الذين ليس لهم عمل مُحدد، أو مصدر رزق ثابت، فتعتمده السفارة كـ “مُخبر” لديها، وفقا لوصفها: “فإنهم يحصلون أرزاقهم عبر كتابة هذه التقارير”..  وأن منهم من “يسبك الدور، ويقولك مرسي، راجع أو يسقط حكم العسكر” كما يتواجدون أحيانا في المظاهرات المناهضة للنظام في الخارج.

يقول مُساعد وزير خارجية سابق لـ “ساسة بوست”: إن داخل كُل سفارة من السفارات المصرية بالخارج، يتواجد معه مسئول أمني من جهاز المخابرات في السفارة، وهو موجود عادة في كل سفارات مصر  بالخارج، مؤكداً أن هذا الأمر “طبيعي” وتنحصر مهامه في رصد الأنشطة، وتحركات المصريين في الخارج، التي تثير الريبة، وتهدد الأمن القومي.

 

السفارات تستعين بشركات العلاقات العامة 

 

في نهاية شهر أكتوبر  من عام  2013، ظهرت صورة للعقد المُبرم بين الحكومة المصرية وشركة  “جلوفر بارك”  للعلاقات العامة، والذي بموجبه تدفع الحكومة المصرية 250 ألف دولار أميركي شهرياً للشركة (قرابة مليوني جنيه مصري)، على أن تضاف إليها تكاليف الحملات الترويجية للإعلان، وأية خدمات أخرى تنفذها الشركة، فيما وصفته الهيئة العامة للاستعلامات المصرية التابعة لرئاسة الجمهورية بأنه “لا يكلف الحكومة أية أعباء مالية”.

تُظهر الوثيقة المُسربة عن صيغة التعاقد المنشور بين السفارة المصرية في أمريكا وشركة العلاقات العامة “جلوفر بارك”، وأنه خلال الفترة الممتدة ما بين أغسطس وأكتوبر الأول 2013، تكلفت الخدمات الإضافية ما يوازي مبلغ  96 ألف دولار أميركي، ما يعادل 700 ألف جنيه مصري) خلافاً لقيمة التعاقد الأصلي بين الشركة والحكومة المصرية 250 ألف دولار شهرياً) وتوزعت هذه المبالغ على خدمات نفقات السفر، والاتصالات التليفونية، وأجور عدد من الخبراء الاستشاريين، ومصاريف الاستفسارات القانونية.

توضح أنشطة الشركة، في خطابها المُرسل لوزارة العدل الأمريكي، تفاصيل ما قامت به من أنشطة ترويجية لمصر من خلال مخاطبة عدد من مراكز الأبحاث الأمريكية، ووسائل الإعلام المهمة، وتنظيم عدد من اللقاءات بين المسئولين المصريين ونظرائهم في الإدارة الأمريكية .

خلال الفترة التي أعقبت 30 من يونيو، سعى عدد من الدول العربية بالتنسيق مع السفارة المصرية بواشنطن؛ لتكوين رأي عام داعم وترويجي لـ30  يونيو باعتبارها  “ثورة شعبية”، يصف “ناثان براون لي” ناثان. ج. براون، أستاذ العلوم السياسية والشئون الدولية في جامعة جورج واشنطن: “في الفترة التي أعقبت 30 من يونيو، تأسس العديد من مُنظمات المجتمع المدني الممولة من سفارات عربية؛ لتكوين رأي عام داعم لـ30  يونيو، والتأثير على مستوى دوائر صنع القرار أو مراكز الأبحاث، واصفا هذا التأثير بالمنحصر داخل مصر .

يضيف “ناثان”: إن هذه المؤسسات البحثية تتمثل مهامها في تنظيم ندوات للمسئولين المصريين، ونشر مقالات رأي وإعلانات ترويجية للنظام في عدد من الصحف الكبرى مقابل مبالغ مالية، وكذلك التنسيق لزيارات مشتركة بين مسئولي الحكومة المصرية ومسئولي الإدارة الأمريكية، وكذلك محادثة وسائل الإعلام التليفزيوني الأمريكي على نوعية المعالجة للقضايا المصرية، وتنظيم لقاءات للمسئولين بهذه الوسائل .

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد