لم يكن كريم الصيدلي ذو الـ27 عامًا يأمن أن يترك فتيات أسرته ينزلن من المنزل بعد أن أصبحت الشوارع غير آمنة خلال السنوات الماضية، بعد أن ازدادت حوادث التحرش والاختطاف، كان كل هم كريم أن يكون لدى فتيات عائلته وسيلة دفاعية تمكنهنَّ من الدفاع عن أنفسهنَّ إذا تعرَّضن لأي اعتداء، سواء من ذكر بهدف التحرُّش، أو من أنثى بهدف الاختطاف.

لن تحمل بالطبع واحدة من فتيات أسرته في حقيبة يدها مسدسًا أو سكينًا، لكنّ الحاجة دفعت كريم إلى أن يبتكر وسيلة فعّالة يمكنهنّ استخدامها بسهولة وقت الحاجة إليها، وتمكَّن بالفعل من صنع خلطة مكونة من تركيبات ومواد طبيعية وكيميائية، وعندما وجدها فعّالة وملائمة وسهلة الاستخدام، توسَّع في عملها وأصبح يقوم ببيعها، هي مجرد خلطة يمكن رشها في وجه المعتدي، لتشل حركته لدقائق، حتى تتمكن الفتاة من الهرب، وقد لاقت خلطة كريم إقبالًا كبيرًا من الفتيات اللاتي يقمّن بشرائها حتى الآن.

Embed from Getty Images

احتجاج الفتيات بالقاهرة على حوادث التحرش.

الكثير من الحوادث.. القليل من الأمان

كثير من الوصفات التي تُمكِّن النساء من الدفاع عن نفسها تم تداولها في الفترة التي تلت ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، في ظل عدم الاستقرار الأمني، إذ انتشرت كثير من الأخبار حول اختطاف فتيات لم يعرف عنهنَّ أهاليهنَّ شيئًا، وانتشر علي «فيسبوك» صور لفتيات تم اختطافهنّ ويبحث أهاليهنّ عنهنّ، وطرقوا كل سبل البحث الممكنة من بينها نشر صورهنَّ على مواقع التواصل الاجتماعي، طالبين المساعدة في البحث عنهن.

الكثير من القصص المرعبة يتم تداولها على نطاق واسع: إحدى الفتيات تم اختطافها وهي تسير بجانب سور جامعتها بعد أن أنهت محاضراتها، والأخرى تغيَّبت منذ أيام وهي عائدة لمنزلها. سيدة في مترو الأنفاق أو في «ميكروباص» تجبر الفتيات على استنشاق منديل مبلل بمادة مخدرة تفقدهنّ الوعي في خلال دقائق.

Embed from Getty Images

«فوبيا» اجتماعية تبحث عن وسيلة للطمأنة

وبسبب كل تلك الأخبار التي تم تداولها انتشرت «فوبيا» لدى بعض الأهالي بعدم خروج الفتيات من المنزل إلا اضطرارًا، وحتى في هذا الاضطرار كان من المفضل أن تحمل الفتيات وسيلة للدفاع عن أنفسهن، البعض كن يحملن أجهزة تسبب صدمات كهربائية وقتية، وأخريات ابتكرن وصفات رادعة يتم إعدادها في المنزل لمواجهة أي اعتداءٍ محتمل، وقد انتشرت إعلانات أجهزة الصدمات الكهربائية التي تعرضها بعض الشركات على موقع «فيسبوك» مثلًا، أما طريقة الشراء فكل ما عليك فعله هو إرسال رسالة عبر البريد الإلكتروني لصاحب الإعلان تاركًا فيها رقم تليفونك، والطريقة التي ترغب في تسلم الجهاز بها.

تقول منال (28 سنة): «كنا نعيش في رعب من أخبار خطف البنات أو الاعتداء عليهن في الشوارع؛ ما جعلني ألزم البيت مدة عام ونصف كاملين، ومع استقرار الأمور كان لزامًا علي العودة إلى العمل، اشتريت جهاز الصدمات الكهربائية، أعرف تمامًا أنه قد لا يفعل لي شيئًا لو تعرضت لمكروه في الشارع؛ لأن الاحتمال الأكبر أنني ساتوتر ولن أتمكن من استخدامه، لكن مجرد وجوده في حقيبتي يمنحني من الأمان النفسي لأسير في الشارع».

الوصفات المنزلية.. «فلفل وشطة وكحول»

أما طريقة «الوصفات المنزلية» فانتشرت كيفية صنعها على المواقع الإلكترونية، حيث إن مفعولها أكيد بالإضافة إلى كونها اقتصادية وغير مُكلفة، ومقاديرها بسيطة ومتاحة في المنزل، فهي مكونة من الفلفل المطحون والشطة والكحول ويتم وضعهم في علبة رذاذ (اسبراي)؛ ليتم رشها عند أي هجومٍ محتمل على عين المعتدي مباشرة؛ مما سيشلُّ حركته لبعض الوقت؛ حتى تستطيع الفتاة التصرف والهرب.

Embed from Getty Images

الطريقة السابقة هي الطريقة التي استخدمتها علا عبد الله (29 عامًا – مُعلّمة)؛ إذ لم تتمكن من شراء جهاز الصدمات الكهربائية لارتفاع ثمنه، وهو ما ألجأها لعمل الخلطة المنزلية بالمكوِّنات الطبيعية البسيطة، وتضعها في حقيبتها أثناء سيرها في الشارع بشكلٍ مستمرّ، لم تحتج علا إلى استخدام خلطتها الطبيعية حتى الآن، لكنها تعرف أنها اليوم صار بإمكانها حماية نفسها؛ ما يقلل هذا من توترها وخوفها أثناء السير في الشارع.

أما نهى وهند (22 عامًا) فقد قررتا أن يدافعن عن أنفسهن بطرق مختلفة، إذا لجأتا لتعلم شيء من ألعاب القوى والحركات الدفاعية البسيطة التي تجعلهن لا يستسلمن للاعتداء بقلة حيلة، وإنما يتمكنّ من الدفاع عن أنفسهن بأيديهن.

«عندما يشعر الإنسان بالخوف أو بأنه غير آمن فمن حقه أن يفعل أي شيء ليكتسب الشعور بالأمان، وأن يفعل ما بوسعه لكي يصبح آمنًا». هكذا بدأ الدكتور محمود غلاب – أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة – ويضيف قائلًا: «هناك من يهتدي تفكيره إلى أن شراء قطعة من السلاح ستُكسبه الأمان الكافي، وهناك من يهديه تفكيره إلى أن خلطة منزلية من الشطة والكحول ستجعله تسير بأمان في الشارع، ربما فعليًا لا قطعة السلاح ولا تلك الخلطة ستؤمن أحدًا، لكن كل ما يحدث هو أنها فقط ستكسبهم الإحساس بالأمان وهو شيء لا يمكن إنكار مدى أهميته».

أما الدكتور علي ليلة، أستاذ الاجتماع بجامعة عين شمس، فيرى أن انتشار فكرة أن كل شخص عليه حماية نفسه بنفسه أمر في قمة الخطورة مجتمعيًا؛ لأن الأفراد في أي دولة ليس منوطًا بهم الحماية الشخصية لأنفسهم، وأن هذا جزء لا يتجزأ من مسؤولية الدولة تجاه أفرادها، وبعودة الأمور لنصابها لابد أن ينتهي هذا الأمر نهائيًا.

تعليقات الفيسبوك