محكمة مصرية تصدر حكماً بإعدام المئات في إلمنيا

عرض الكاتب الصحفي بيتر هيسلر – في مقال له بموقع ناشيونال جيوجرافيك نُشِرَ في الثاني من شهر مايو – مقتطفات من حوار كان قد أجراه مع اللواء صلاح زيادة، محافظ المنيا، الذي التقاه هيسلر عقب أحكام الإعدام التي صدرت بحق المئات من معارضي الانقلاب العسكري في مصر بالتزامن مع وجوده في المحافظة لإجراء بحث عن الآثار القديمة في المنطقة.

وتساءل هيسلر بداية عن المسئول الحقيقي الذي يقف وراء تصاعد الأحداث المفجعة التي اندلعت في محافظة المنيا- ذات الأربعة ملايين نسمة والتي تقع في صعيد مصر – على مدار عام كامل، والتي تصاعدت وتيرتها عقب الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي من قبل الجيش في الثالث من يوليو من العام الماضي وما تبعها من حرق للكنائس ونهب للمتاحف ناهيك عن أحكام جماعية بالإعدام صدرت بحق معارضين للحكم العسكرى الذي أطاح بحكم مرسي في شهر يونيه من العام الماضي, مشيرًاً إلى أن أحكام الإعدام التي صدرت بحق مئات الأشخاص على خلفية اتهامات بالتحريض على العنف كانت قد أصدرتها إحدى المحاكم في المنيا نهاية الشهر الماضي بعد محاكمات لم تستغرق عدة دقائق أسفرت عن أحكام بإعدام ستمائة وثلاثة وثمانين شخصًا لم يوجد معظمهم في موقع الأحداث، خلافًا لأحكام أخرى بالإعدام كانت قد صدرت بحق خمسمائة وتسعة وعشرين شخصًا على خلفية اتهامات بالتحريض على العنف والمشاركة في أعمال القتل التي طالت أحد عناصر الأمن في إحدى مراكز الشرطة في محافظة المنياخلال أحداث العنف التي اندلعت وهوجمت فيها المباني الحكومية والكنيسة القبطية بالتزامن مع فض قوات الشرطة والجيش بالقوة لاعتصام أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي في ميداني رابعة العدوية بوسط القاهرة وميدان النهضة بمحافظة الجيزة.

“مؤامرة أمريكية”

وأبدى هيسلر اندهاشه من الإجابة التي تلقاها من اللواء زيادة محافظ المنيا، والذي ألقى من خلالها باللائمة على الرئيس الأمريكي باراك أوباما متهمًا الولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف وراء الأحداث التي تصاعدت حدتها في مصر بشكل عام وفي المنيا بشكل خاص، معتبرًا بأن أحداث العنف التي اندلعت في شهر أغسطس من العام الماضي والتي أسفرت عن اقتحام ستة مراكز للشرطة وسرقة عدد من الأسلحة، بالإضافة إلى حرق أربع عشرة كنيسة واقتحام عدد من مكاتب النيابة العامة والمحاكم واقتحام متحف ملوي وسرقة محتوياته؛ هي مؤامرة أمريكية تهدف إلى تحويل المشهد المصري إلى حالة سورية أو ليبية أو عراقية أخرى، بالإضافة إلى الدعم الذي تلقته جماعة الإخوان المسلمين من قبل السياسيين في الولايات المتحده بغية تدمير الدولة المصرية الذي لا ينفصل عن المحاولات الأمريكية لإحداث مزيد من الانقسامات في المشهد الدولي، بحسب ما نقل الكاتب عن المحافظ.

وانتقد هيسلر بدوره صدور مثل هذه الادعاءات من قبل أحد المسئولين المصريين رفيعي المستوى بالرغم من أن هذه الادعاءات يتم تداولها فقط بين مقدمي البرامج التليفزيونية في الفضائيات المصرية وعلى ألسنة العديد من الضيوف والمواطنين, خاصة وأن الإدارة الأمريكية لم تبد من جانبها أية مواقف مناهضة للخطوات التي تم إتخاذها من قبل الجيش في الثالث من يوليو ولم يتم توصيف ما حدث على أنه انقلاب عسكري سواء من قبل أوباما أو أي من أعضاء فريقه الرئاسي؛ ما يشي بأن الدعم الأمريكي لجماعة الإخوان المسلمين هو أمر غير وارد في الحالة المصرية في الوقت الراهن خاصة مع استمرار المعونة المالية التي تقدمها واشنطن للحكومة المصرية والتي تقدر بنحو المليار ونصف المليار دولار سنويًّا رغم ادعاءات المحافظ بتوقفها في الوقت الراهن.

وفيما يتعلق بالنسبة التي تمثلها جماعة الإخوان المسلمين في المجتمع المصري, نقل الكاتب عن المحافظ قوله بأن الجماعة لا تمثل سوى 2% من التعداد السكاني للدولة المصرية بيد أنهم يتلقون دعمًا ممن أسماهم المحافظ العصابات المجرمة والبلطجية الذين يقطنون في المناطق الصحراوية, مضيفاً بأنه في الوقت الذي تتلقي فيه الجماعه دعماً من دولة قطر التي تسعى بدورها إلى إشاعة الفوضى والخراب في مصر, تواصل الولايات المتحدة دعمها وتمويلها للاحتجاجات التي يقوم بها أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي في الشارع المصري رافعين شعار رابعة الذي اعتبره الكاتب أنه جاء تخليدًا لذكرى المذبحة التي تمت بحق الإسلاميين في ميدان رابعة العام الماضي.

وحول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد دعمت أيضًا تظاهرات الخامس والعشرين من يناير في عام 2011 في ميدان التحرير بالقاهرة والتي أطاحت بالرئيس المصري الأسبق حسني مبارك؛ أشار المحافظ إلى أن الفساد الذي استشرى في عهد مبارك وخطط التوريث التي كانت تحاك لتنصيب نجل الرئيس رئيسًا كانت أهم العوامل التي أدت إلى اندلاع ثورة يناير التي استخدمتها الولايات المتحدة من جانبها لتحقيق مآرب أخرى؛ حسب ما نقل الكاتب عن زيادة.

الأمن الانتقائي

وعلى النقيض من تصريحاته المعدودة للصحافة عقب توليه منصب المحافظ والتي تضمن البعض منها انتقادات لمواقف الولايات المتحدة ودعمها المتواصل لجماعة الإخوان المسلمين بعد الثالث من يوليو, وأشار هيسلر إلى تصريحات كان قد أدلى بها زيادة قبل أيام قليلة من تظاهرات الثلاثين من يونية كشفت عنها إحدى مقاطع الفيديو التي تم تصويرها أثناء اجتماع الجمعية العمومية لنادي ضباط الشرطة والتي تم نشرها على الصفحة الرسمية للنادي، ونقل من خلالها تعليمات كانت قد صدرت من قبل وزير الداخلية آنذاك بعدم توفير أي نوع من الحماية لمقرات جماعة الإخوان المسلمين التي هوجمت بالفعل مساء الثلاثين من يونية من قبل بعض البلطجية الذين استخدموا قذائف المولوتوف مما أسفر عن مقتل البعض قبل أن يتم إحراق المقر الرئيسي للجماعة في منطقة المقطم بالقاهرة في صباح اليوم التالي.

وأشار هيسلر إلى أن اللواء صلاح زيادة كان قد تم اختياره محافظًا لمحافظة المنيا في الثالث عشر من شهر أغسطس من العام الماضي قبل يوم واحد من فض اعتصامي رابعة والنهضة من قبل قوات الأمن ضمن حركة تغييرات المحافظين التي قامت بها السلطات الانتقالية والتي شملت خمسة وعشرين محافظًا، بلغت نسبة العسكريين منهم تسعة عشر عسكريًّا، ما يشي بأن الحكومة المؤقتة كانت تسعى من جانبها نحو إحكام قبضتها الأمنية وهو ما لم يتحقق رغم هذة الخطوات، بحسب الكاتب الذي أبدى اندهاشه من ضعف الوجود الأمني في محافظة المنيا التي بات يتجول فيها بسيارته الخاصة دون أن تستوقفه أي من نقاط التفتيش سوى مرة واحدة في وقت تشهد فيه البلد مزيدًا من التوتر, مضيفًا بأنه لم ير أي إشارات على توفير الحماية الأمنية من قبل قوات الشرطة للكنائس أو المتاحف في مدينة ملوي في المنيا التي لم تشهد سوى القليل من التوترات الأمنية منذ الرابع عشر من أغسطس، حسبما نقل هيسلر عن المحافظ الذي نفى أيضًا أن يكون قد تم التعرض لأي من الكنائس أو المسيحيين – الذين يمثلون ما نسبته خمسة وعشرين في المائة – من نسبة التعداد السكاني في المحافظة، وهو ما يؤشر بدوره، حسبما يرى المحافظ – أن العنف الذي تصاعدت حدته في أغسطس من العام الماضي تم بفعل المؤامرة الأمريكية التي أشرنا إليها آنفًا.

الدولة الضعيفة

ونوّه هيسلر إلى أن الأوضاع التي شاهدها في المنيا تتشابه إلى حد كبير مع طبيعة الأوضاع في مناطق أخرى من صعيد مصر، في إشارة إلى ضعف الوجود الرسمي من قبل الدولة والتعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين الذي تنتهجه المجتمعات في تلك المناطق استنادًا إلى التقاليد المجتمعية والطبيعة القبلية والعشائرية التي تلعب دورًا هامًّا في التقريب بين عناصر المجتمع الواحد خلافًا لما يتم في المحافظات الكبيرة مثل القاهرة, مشيرًا إلى أن الدولة المصرية باتت أكثر ضعفًا في مناطق الصعيد على عكس ما كانت عليه الأوضاع قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير.

وبالرغم من أن هيسلر أشار إلى صعوبة إدراك ما حدث بالمنيا في أغسطس من العام الماضي, إلا أنه أرجع تفاقم الأحداث إلى مشاعر الإحباط التي انتابت أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي وليس إلى الكراهية خاصة في ظل موجات الغضب العارمة التي انتابت الجميع حيال أعمال الفض الوحشية التي شوهدت عبر شاشات التلفاز، ما دفع البعض نحو الاعتداء على إحدى المؤسسات المسيحية المحلية التي لم تكن سابقة من نوعها، في إشارة إلى بعض الأحداث الطائفية التي شهدتها مصر في فترة السبعينيات وهو ما يثير تساؤلات عدة حول مستقبل العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في مصر خاصة مع التحول الجذري الذي شهدته هذه العلاقه في أعقاب ثورة يناير.

ونقل هيسلر في هذا الصدد التحليل الذي طرحه تقرير لجيسون براونلي تحت عنوان “العنف ضد الأقباط في مصر” كان قد تم نشره في شهر نوفمبر من العام الماضي من قبل مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، وتم التأكيد في مضمونه على أن القوانين المصرية التي عفا عليها الزمن مع المؤسسات السلطوية هي السبب الرئيسي وراء وضع الأقباط في دائرة الصراع المجتمعي وليس الاختلافات المذهبية.

وفيما يتعلق بموقف الفرق المتصارعة في مصر من الولايات المتحدة الأمريكية, أوضح هيسلر أنه بالرغم من أن كلا الفريقين المؤيدين لمرسي أو المعارضين له يلقون باللائمة على السياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية حيال الأزمة السياسية في مصر ما بعد الثالث من يوليو, إلا أنه لا يواجه أي مواقف عدائية لشخصه أثناء تغطيته للفعاليات والأحداث في مصر رغم أنه يكشف عن هويته الأمريكية، خلافًا لما واجهه من قبل أثناء تغطية بعض التظاهرات في الصين التي كان ينظر إليه البعض فيها باعتباره رمزًا للتهديد الأمريكي, مؤكدًا على أن الولايات المتحدة باتت تمثل جانبًا رئيسيًّا من واقع الاقتصاد المصري خاصة بعد المساعدات التي باتت تقدمها للحكومة المصرية منذ عهد الرئيس الراحل أنور السادات.

من هو المسؤول

اعتبر هيسلر أيضًا أن أحكام الإعدام التي صدرت في المنيا بحق ستمائة وثلاثة وثمانين شخصًا قد أثارت مخاوف البعض من أن تكون هذه الأحكام قد صدرت بتوجيه من أحد القادة العسكريين في القاهرة خاصة عقب الانقلاب العسكري الذي أطاح بمحمد مرسي، في إشارة إلى عبد الفتاح السيسي، الجنرال السابق والذي قاد انقلابًا عسكريًّا أعاد الديكتاتورية العسكرية من جديد للمشهد المصري، والذي يسعى نحو الفوز في الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها نهاية شهر مايو من العام الجاري, مضيفًا بأن السناتور الأمريكي باتريك ليهي، رئيس اللجنة الفرعية للمخصصات بمجلس الشيوخ، التي تشرف على المساعدات الخارجية، كان قد أعلن بعد يوم واحد من صدور الإعدام عن حظر تحويل ستمائة وخمسين مليون دولار من المساعدات للجيش المصري.

ورغم هذه التكهنات والمخاوف التي انتابت البعض حيال الأوضاع في مصر, أكد الكاتب على الضعف الذي يعتري المشهد المصري في الوقت الراهن خاصة في ظل فراغ السلطة وقرارات المسئولين التي تترنح بين محاولات توسيع النفوذ تارة وبين ممالأة المزاج العام تارة أخرى, مستبعدًا أن يكون قد تم توجيه أوامر من السلطة المركزية في القاهرة بإصدار أحكام جماعية بالإعدام كما هو الحال مع الاتهامات التي تطال أوباما بوضع الكنائس المصرية على شفا النيران في المنيا.

ورصد هيسلر في نهاية المقال توقعات الخبراء من القانونيين بتخفيف أحكام الإعدام أو حتي إلغائها في ظل تساؤلات عديدة عن حالة المشهد المصري فيما بعد الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها نهاية شهر مايو.

عرض التعليقات
تحميل المزيد