لربما بعد التطورات العديدة في المنطقة وبخاصة التقارب الغربي ـ الإيراني، وما استتبعه ذلك من تقارب خليجي ـ إيراني، كان الدافع وراء دعوة الرئاسة المصرية للرئيس الإيراني حسن روحاني لحضور حفل تنصيب وزير الدفاع السابق عبد الفتاح السيسي رئيسًا لمصر منذُ أيام. لبت إيران الدعوة لكن لم يحضر الرئيس روحاني بنفسه بل أوكل مدير مكتب رعاية المصالح الإيرانية في مصر بديلاً عنه.

وجود روحاني في حفل التنصيب، كان ليمثلَ تطورًا هامًا ومحوريًا، ليس فقط على مستوى العلاقات المصرية الإيرانية، وحسب قول بعض المحللين، كان فرصة رائعة للقاء أمراء الخليج ـ أو موفديهم في حالة السعودية والبحرين ـ بالسيد حسن روحاني، وهو ما كان سيمثل خطوة هامة في سبيل تعزيز التقارب الخليجي ـ الإيراني بعامة، إلا أنَّ هذا لم يتمّ.. وفي ضوء هذه المعطيات الهامة نرصد العلاقات الإيرانية ـ المصرية، وإمكان وجود علاقات قوية بينهما في الوقت الحالي.

 

مصر ـ إيران: تنافس، توتر، عداء

 

بدأت العلاقات بين البلدين بعلاقة نسب، بين الأمير رضا بهلوي ـ قبل أن ينصب شاه لإيران ـ وفوزية أخت الملك فاروق، استمرت العلاقة الزوجية لست سنوات تقريبًا، كانت العلاقات بين البلدين فيها مستقرة جدًا، دبّ الخلاف مع طلاق الأميرة فوزية من الشاه عام 1945، ومع الإطاحة بحكم الملك فاروق في مصر بثورة يوليو 1952 اتسعت هوة الخلاف بين الشاه والسلطة الجديدة في مصر.

الأميرة فوزية والشاه

كان جمال عبد الناصر مناهضًا لإسرائيل وأمريكا ـ اللتين كانتا الحليفتين الأهمّ للشاه ـ مع صعود رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، وأيد عبد الناصر سياسات مصدق التأميمية والمعارضة لنفوذ الولايات المتحدة، كان أوج هذا التأييد حين سحب مصدق الاعتراف الإيراني بإسرائيل، كل هذا كان سببًا فيما بعد في التوترات بين مصر وإيران الشاه، فمع سقوط مصدق وإحكام الشاه قبضته كانت العلاقات تسوء.

 

السادات: حقبة جديدة

 

“أسس البلدان ما عرف بـ”نادي السفاري” لمحاربة المد الشيوعي في أفريقيا بمشاركة السعودية وفرنسا”

 

اتخذ السادات خطـًا سياسيًا جديدًا بعد هزيمة إسرائيل عام 1973 وتقارب مع الولايات المتحدة، مما تسبب في علاقات جيدة مع شاه إيران، ومع قيام الثورة الإسلامية في إيرن (1979) وسقوط شاه إيران كانت العلاقات تتخذ منحًا سلبيًا. استضاف السادات الشاه الهارب في مصر، ما كان سببًا لتوتر العلاقات مع السلطات الجديدة في إيران، بعد مقتل السادات قامت إيران بإطلاق اسم قاتل السادات “خالد الإسلامبولي” على أحد شوارع إيران، وهذا يعد مؤشرًا على انحدار العلاقات بين البلدين إلى الهاوية.

السادات وشاه إيران

مبارك: النظرة الأمنية مسيطرة على العلاقات

 

أيدت مصر العراق في حربها على إيران بعد الثورة الإسلامية في إيران، الحرب التي استمرت ثماني سنوات كانت ثماني سنوات أيضًا من التوتر في العلاقات بين مصر وإيران، بدأت العلاقات تشهد انفراجة نوعًا ما على مستوى الفرق الرياضية والفنية والفلكلورية، ثم على مستوى الوزراء في بعض المناسبات الإقليمية والدولية، ومع غزو العراق للكويت اتخذت مصر موقفـًا معاديًا للعراق، ورحبت بالقوات الدولية في الخليج، ما كان يعد سببًا في توتر العلاقات بين مصر وإيران مرة أخرى، تحديدًا بسبب أمن الخليج الذي يعتبر أحد أهم العوامل المتحكمة في العلاقات بين البلدين.

الرئيس خاتمي (يمين) والرئيس مبارك (يسار)

في التسعينات ومع صعود التيار الإصلاحي في إيران، حاول الرئيس خاتمي فتح صفحات جديدة مع القيادة المصرية، وهو ما وصل إلى ذروته عام 2003 بلقاء الرئيس الأسبق حسني مبارك الرئيس خاتمي في سويسرا على هامش قمة معلوماتية. عادت أجواء التوتر من جديد في عام 2004 مع اتهام مصر لإيران بمحاولة التجسس عليها. التهمة التي ستظل تلاحقها عبر السنوات الأخرى القادمة.

 

علاقات اقتصادية

 

يصل التبادل التجاري بين البلدين ـ رغم العلاقات الدبلوماسية المتوترة ـ إلى 100مليون دولار، استطاعت خلالها مصر دخول الأسواق الإيرانية من خلال بعض المنتجات الغذائية والمواد الكيماوية والأدوية، كما استطاعت إيران التواجد في السوق المصري من خلال مجال السيارات، خاصةً عن طريق شركة “سوزوكي إيجبت” وشركتي “سايبا” و”خودروا” الإيرانيتين.

 

“أشار تقرير لهيئة الاستثمار المصرية إلى أن حجم الاستثمارات الإيرانية في مصر لم يتخط حاجزًا يصل إلى نحو 331 مليون دولار من خلال 12 شركة فقط مسجلة بالهيئة منذ عام 1970 وحتى عام 2010”

 

بعد ثورة يناير: آفاق جديدة للعلاقات

 

اعتبرت إيران الثورات في العالم العربي امتدادًا لثورتها الإسلامية، ليس على مستوى خطيب جمعة طهران آية الله أحمد خاتمي وحسب، وإنما أيضًا على مستوى القيادة العليا، فالمرشد الأعلى علي خامنئي في إحدى خطبه التي ألقاها باللغة العربية مخاطبًا الشعبين المصري والتونسي قد شدد فيها على دعمه للثورات العربية.

الرئيس المصري السابق محمد مرسي

ومع وصول الإسلاميين في مصر للحكم، الوصول الذي لم يستمر أكثر من سنة، بدأت محاولات التقارب هذه، بشكلٍ متزايد من ناحية إيران، زار الرئيس المصري السابق محمد مرسي إيران في بدايات الحكم عام 2012 لتسليم إيران رئاسة حركة عدم الانحياز، قوبل الرئيس المصري بترحاب شديد، مما جعل المحللين يذهبون إلى أن صفحة إيجابية جديدة تنتظر العلاقات بين البلدين، أكد هذا التحليل زيارة نجاد لمصر في مشاركته في قمة منظمة التعاون الإسلامي.

نجاد يرحب بمرسي في طهران 2012

 

“كانت زيارة مرسي لإيران هي الزيارة الأولى لرئيس مصري منذ الثورة الإسلامية، وكذلك كانت زيارة نجاد الأولى لرئيس إيراني يزور مصر”

 

الملفات المؤثرة في العلاقات بين البلدين

 

القضية الفلسطينية

 

يمثل تعامل كلا البلدين مع القضية الفلسطينية أحد العوامل المؤثرة في العلاقات بينهما، فبينما تتبني إيران موقفاً مقاوماً وتدعم المقاومة الفلسطينة في مواجهة إسرائيل، يظهر الموقف الرسمي للدولة المصرية بمظهر أكثر هدوءًا، كما يدعو للسلام والتوافق بين الفلسطينيين وإسرائيل وإقامة دولتين، ورغم أنَّ هذا الملف أحد أهم الملفات التي تؤثر في العلاقات بين البلدين، إلا أنه يتم تجنب الحديث فيه في لحظات التقارب، حدث هذا في عهد الرئيس خاتمي.

 

أمن الخليج

 

ليس للأمر علاقة فقط بالثقل العسكري والقوة الاستراتيجية لمصر في المنطقة، وإنما أيضًا لعوامل أخرى اقتصادية بالأساس، يعتبر الخليج أحد أهم الموارد الاقتصادية بالنسبة لمصر ـ على الأقل حاليًا ـ وتوتر العلاقات بين الخليج وإيران كان أحد العوامل في توتر العلاقات المصرية الإيرانية، حدث هذا خلال حرب الخليج الأولى والثانية، والآن وبعد التقارب بين الخليج وإيران فإن القاهرة على استعداد لبدء علاقات إيجابية جديدة مع طهران.

 

معسكر الولايات المتحدة في المنطقة

 

منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران وهي تدعو أمريكا بالشيطان الأكبر، تشكلت عبر السنين عدة معسكرات داخل المنطقة، أهمها معسكر الممانعة (المعادي للولايات المتحدة) والمعسكر المطبع مع الولايات المتحدة وإسرائيل ـ وإن كانت بدرجة أقل ـ تنتمي إيران للمعسكر الأول بينما تنتمي مصر للمعسكر الثاني، مما جعل العلاقات بين البلدين ـ بمرور الوقت ـ رهنًا بالولايات المتحدة..

تحسب مصر على معسكر الولايات المتحدة في المنطقة

 

السيسي رئيسًا لمصر وآفاق جديدة للتعاون بين البلدين

العلاقة مع إيران تمر عبر الخليج العربي.. أمن مصر لا ينفصل عن أمن الخليج (هم) أهلنا ويهمنا أن يعيشوا بسلام.. كل ما نسعي إليه مع إيران هو علاقة عادلة”

*السيسي في إحدي حواراته.

 

وزير الدفاع السابق

مع صعود وزير الدفاع السابق عبد الفتاح السيسي، إلى سدة الحكم في مصر، والدعم الخليجي (الإمارات والسعودية) لمصر في ظل وجود السيسي، يُطرح سؤال العلاقات المصرية الإيرانية على الطاولة من جديد، لقد بدأت دول الخليج المذكورة التقليل من حدة خطابها تجاه إيران، بل وزار وزير الخارجية الإماراتي طهران منذُ شهور، ومنذُ أيام زار أمير الكويت طهران وقابل خامنئي، مما يبشر بوجود علاقات خليجية ـ إيرانية إيجابية في المستقبل القريب، في ظل الصعود الإيراني الحالي في المنطقة، وسياسة خارجية جديدة مع الغرب ودول المنطقة، أما دعوة الرئاسة المصري لروحاني كانت “مغازلة” من قبل القاهرة إلى طهران، ربما لم يكن الرد الإيراني كما كانت الرئاسة المصرية تتوقع، لكنَّ الأفق الجديد لعلاقات البلدين مطروح وبشدة في ظل تغير الأوضاع العالمية والإقليمية.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد