جاء هذا الإقرار بعد يوم واحد من زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري لإسرائيل، فقد كشف المسؤول الإسرائيلي لوكالة »بلومبرج» :«العلاقات المصرية– الإسرائيلية تعيش عصرًا جديدًا

مزيد من التقارب بين مصر وإسرائيل، يظهر بقوة بعد تولي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في الثالث من يوليو (حزيران) 2013، إذ أرسل السيسي وزير خارجيته في زيارة هي الأولى من نوعها لإسرائيل، ليسير هذا التقارب نحو الارتفاع درجة أخرى من التطبيع الكامل مع إسرائيل.

وصل الوزير سامح شكري إلى القدس المحتلة الأحد الماضي، وعقد لقاءً موسعًا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورغم بعض ردود الفعل الشعبية المصرية الرافضة لهذه العلاقات، إلا أن الجانب الرسمي أبدى حفاوة بهذه الخطوة، فيما تركت هذه الخطوة مساحات واسعة للمحللين الذين حاولوا الوقوف على تداعيات هذه الزيارة، وتربعت قضية سد النهضة على عرش الأسباب التي دفعت وزير الخارجية المصري لزيارة إسرائيل، أما المفجأة الكبرى التي تبعت الزيارة بيوم واحد، فهي الإقرار الإسرائيلي بمباركة النظام المصري لضرب الطيران الإسرائيلي مناطق في سيناء.

سد النهضة الأثيوبي.. مصر تتلمس دورًا إسرائيليًّا لصالحها

واحد من أبرز الأسباب التي وردت في تحليل أسباب زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى إسرائيل، هي رغبة مصر بالوقوف على ما جرى في المحادثات بين نتنياهو وأثيوبيا، وتخوفها من حدوث تلاعب أثيوبي إسرائيلي مشترك، أو إقدام أثيوبيا على تحديد كميات المياه التي تصل عبر أثيوبيا إلى مصر.

 

وفي هذا الإطار كتب المحلل الإسرائيلي« تسفي برئيل» في صحفية «هآرتس»، أن أحد الأسباب التي دفعت مصر للظهور علنًا مع إسرائيل هو «سد النهضة»، الذي يقلق مصر بشكل كبير، وأوضح:« تعتقد مصر أن لإسرائيل تأثيرًا كبيرًا على أثيوبيا، وإذا لم يكن في استطاعتها منع إقامة السد، فيمكنها على الأقل التأثير على أثيوبيا من أجل التنسيق مع مصر حول تقسيم المياه بشكل لا يضر باقتصادها». معتبرًا أن سبب توقيت زيارة شكري، بعد عودة نتنياهو من أفريقيا مباشرةً، هو سماع ما استطاع نتنياهو تحقيقه مع الأثيوبيين، والاستعداد لمؤتمر وزراء الخارجية لدول حوض النيل، الذي سيعقد الخميس القادم في أوغندا.

وأشار برئيل في مقاله المعنون بـ«سد النهضة الأثيوبي.. الموضوع الأهم في زيارة شكري لإسرائيل»، إلى أنه مع استكمال الجزء الأول من سد النهضة في العام القادم، قد تخسر مصر بحسب التقديرات، ما بين 11-19 مليار كوب من المياه كل سنة، هذه الخسارة ستؤدي إلى تراجع إنتاج الكهرباء بـنسبة تتراوح بين 25- 40%.

ويقرأ المتحدث باسم ائتلاف القوى الوطنية لمناهضة التطبيع، هاني جابر، في إرسال وزير الخارجية المصري لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، بعد قيام نتنياهو بعقد اجتماع لدول حوض النيل دون وجود مصر: «أكبر دليل على خضوع السيسي ومجلسه العسكري وولائهم لإسرائيل»، وتابع جابر القول لـ«ساسة بوست»: «سد النهضة هو السلاح الفعال في حرب المياه، وإسرائيل تسعى للسيطرة على منفذي المياه العذبة، نهر النيل والفرات، عن طريق السيطرة على منابع التحكم في المياه، ومن ثم يتحقق خضوع باقي الدول لمطالب إسرائيل، وتعتمد على قبول هذا الطرح بوضع حكام موالين لها».

هجمات إسرائيلية جوية عديدة على سيناء بترحيب نظام السيسي

مع أن الحكومة المصرية لا تملك طائرات بدون طيار، إلا أن هذا النوع المعروف شعبيًّا باسم «الزنانة» يعبث بسماء سيناء منذ وقت طويل، إذ تقوم هذه الطائرات حسب شهادات أهالي سيناء بقصف مناطق في الأراضي المصرية، ثم تعود للأراضي الإسرائيلية.

 

وفي اعتراف هو الأول من نوعه، أقر مسئول إسرائيلي كبير بأن: «طائرات إسرائيلية بدون طيار قصفت أهدافًا في سيناء بمباركة وموافقة مصرية، خلال السنوات الأخيرة». جاء هذا الإقرار بعد يوم واحد من زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري لإسرائيل، فقد كشف المسؤول الإسرائيلي لوكالة «بلومبرج» :«العلاقات المصرية- الإسرائيلية تعيش عصرًا جديدًا، فهي تتحول إلى علنية، وتمتاز بالتعاون الأمني والاستخباراتي في شبه جزيرة سيناء، فإسرائيل شنت هجمات جوية عديدة، في شبه جزيرة سيناء في السنوات الأخيرة، مستخدمة طائرات دون طيار، وأن هذه العمليات تمت بعلم نظام السيسي وترحيبه».

الخبر الذي سرعان ما نُفي وانتقد نشره من الجانب الإسرائيلي، على اعتبار أن هناك خطرًا أمنيًا بنشر مثل تلك المعلومات، ويعقب الخبير في الشأن الإسرائيلي صالح النعامي على هذا بالقول: «النفي جاء لعدم إحراج السيسي، كما حدث عندما نفت إسرائيل طلب السيسي بإقامة وطن بديل للفلسطينيين في سيناء«، وأضاف النعامي: «المفارقة أن مصر لم تنفِ الخبر، والحقيقة أن الأمر واقع معيش في سيناء، فالسكان بسيناء يرون طائرات بدون طيار باستمرار، و هو نوع لا تملكه مصر».

وفي تفسيره للتقارب المصري الإسرائيلي، الذي يرى الكثيرون أنه لم يسبق له مثيل، يقول النعامي لـ«ساسة بوست«: «هناك علاقة قوية بين النظام المصري والإسرائيليين، فالمصريون يعتبرون أن الإسرائيليين يوفرون شرعية دولية لنظام السيسي، خاصة مع الجانب الأمريكي، لذلك يقدم هذا النظام جملة من الخدمات الأمنية، من تحالف ضد المقاومة الفلسطينية، وتبادل معلومات استخباراتية، وغير ذلك».

يشار إلى أن إسرائيل وافقت على تعديل المرفق العسكري لاتفاقية السلام، الخاص بالترتيبات الأمنية في شبه الجزيرة، ووافقت على دفع قوات مسلحة مصرية إلى مناطق محاذية للحدود، بهدف محاربة الجماعات المسلحة في شبه جزيرة سيناء.

النظام المصري وإسرائيل غير معنيين بعملية السلام

قبيل وصول وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى القدس، أعلنت وزارة الخارجية المصرية في بيانها أن هذه الزيارة «تستهدف توجيه دفعة لعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية»، كما أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية أحمد أبو زيد بأن شكري: «سيجرى محادثات ستركز على القضية الفلسطينية وكيفية تفعيل مقررات الشرعية الدولية والاتفاقيات والتفاهمات، التي سبق أن توصل إليها طرفا النزاع، ووضع أسس ومحددات لتعزيز بناء الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين تمهيدًا لخلق بيئة مواتية، داعمة لاستئناف المفاوضات المباشرة بينهما، بهدف الوصول إلى حل شامل».

 

بعدما أنهى الوزير المصري زيارته لإسرائيل، اكتفى بعد عودته إلى القاهرة باتصال هاتفي بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، لإطلاعه على نتائج لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. في هذا الاتصال أكد شكري على استمرار الجهود المصرية لدفع إسرائيل لاتخاذ مواقف إيجابية تجاه عملية السلام، سواء فيما يتعلق بالأطر الشرعية أو حدود عام 1967.

ورغم أن الفلسطينيين يصرون على عدم العودة إلى المفاوضات مع إسرائيل، بدون غطاء دولي، وبدون جدولة زمنية واضحة، وضمانات دولية لقضايا الحل النهائي؛ تتمثل المفارقة الحقيقية في أن الجانب الإسرائيلي يبدو في نظر العديد من المحللين، غير معنيّ بعملية السلام في الشرق الأوسط، ولا بإعادة الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو موقف يشابه إلى حد كبير موقف النظام المصري. جاء ذلك بشهادة الإسرائيليين أنفسهم، إذ قال رئيس لجنة الخارجية والأمن البرلمانية في الكنيست الإسرائيلي، آفي ديختر؛ إن «قضية الفلسطينية لا تعني القاهرة البتة، والتصريحات المصرية الصادرة حول القضية الفلسطينية مجرد ضريبة كلامية».

يقول الكاتب والمحلل السياسي هاني العقاد: «حاول نتنياهو خلال الزيارة إقناع شكري بالتوسط لدى الفلسطينيين مرة أخرى، بإطلاق المفاوضات المباشرة دون شروط، وهذا ما رفضته القيادة الفلسطينية جملة وتفصيلًا، أكثر من مرة، وأصرت على التفاوض بمرجعيات على أساس المبادرة العربية»، وأردف قائلًا لـ«ساسة بوست«: «لكن إسرائيل لا تعترف بهذه المرجعيات، ومن هنا نفهم أن إسرائيل تحاول كما كل مرة الالتفاف على المبادرة الفرنسية، وتحاول الحصول على فرصة أفضل لها بوجود راعٍ إقليمي لا يفرض عليها شروطًا، مثل مصر».

عرض التعليقات
تحميل المزيد