لم يتعرض القضاء المصري -كمؤسسة- ربما في تاريخه لمثل هذا المنعطف التاريخي، فمهنية وسمعة المؤسسة بكاملها صارت على المحك بعد سلسلة من الأحكام المصيرة للجدل التي صدرت عن مختلف المحاكم المصرية بعد ثورة يناير بشكل عام وبعد الانقلاب العسكرى بشكل خاص، فشهداء ثورة يناير الذين نالوا التحية العسكرية من الجيش في أعقاب رحيل مبارك يبدو أنهم قد قتلوا أنفسهم فعليا بعد صدور أحكام بالبراءة في كل قضايا قتل الثوار، ناهيك عن الأحكام المثيرة للجدل بحق المتظاهرين السلميين بعد الانقلاب العسكري وأغربها قضيتي الإعدام الجماعي في المنيا.

وقد سبق لساسة بوست أن نشرت تقريرًا حول تطور علاقة القضاء بالسياسة في مصر، فى هذا التقرير نكتفي برصد رموز تاريخية في القضاء المصري إما لأدوارهم المؤثرة في القضاء، أو لأدوارهم المثيرة الجدل التي اعتبرها البعض متعارضةً مع العدالة وتنافي مهنية القاضي.


رموز للفخر في تاريخ القضاء المصري

 

 

1- المستشار عبدالرازق السنهوري

 

أحد أكبر القانونيين في تاريخ مصر، ويعتبر أبوالقانون المدني وله مؤلفات كثيرة في مجال القانون والتشريع.


كان رئيسا لمجلس الدولة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ألغى عدة قرارات كان عبد الناصر قد اتخذها بعد انقلابه الأول على محمد نجيب، طالب عبد الناصر بإعادة الأحزاب وإقامة حياة دستورية سليمة بدلًا من الانفراد بالسلطة بعد تسيير مظاهرات في الشوارع تطالب بسقوط الديمقراطية، تم اقتحام مكتبه والاعتداء عليه من قبل متظاهرين مؤيدين لعبد الناصر تمهيدًا للإطاحة به و10 آخرين من مجلس الدولة فيما عرف تاريخيًا بمذبحة مجلس الدولة.

.

2- المستشار ممتاز نصار

 

خاض انتخابات نادي القضاة ضد قوائم التنظيم السري “مرشحو السلطة” عام 1969، و نجح في تحقيق انتصار ساحق على قائمة السلطة – التي دعمها وزير العدل محمد أبونصير – وفازت قائمته بـ15 مقعد من إجمالى 15 بنسبة 100%.

رفض عبد الناصر اعتماد نتيجة الانتخابات،  وأصدر عدة قوانين تحت شعار إصلاح القضاء وإحداث ثورة تشريعية، وينص القانون (81) على إنشاء المحكمة الدستورية العليا، بينما ينص القانون (82) على إعادة تشكيل الهيئات القضائية مما أسفر عن عزل 189 قاضٍ بينهم ممتاز نصار وجميع الاعضاء الفائزين في انتخابات نادى القضاة.

 

3- المستشار يحيى الرفاعي

 

رئيس نادى القضاة عام 1986 في عهد مبارك، أشهر مواقفه كانت مهاجمة مبارك في حضوره شخصيًا في مؤتمر العدالة الأول عام 1986 بسبب تمديده لقانون الطوارىء لمدة عامين متهمًا إياه بإساءة استغلال السلطة مما فجر أزمة كبيرة بين مبارك ونادي القضاة .

 

4- المستشار عبدالغفار محمد

 

أثبت تعرض المتهمين في قضية الجهاد الكبرى إلى التعذيب من قبل مباحث أمن الدولة وأمر بإعادة التحقيقات التي باشرها بنفسه لمدة 3 سنوات انتهت ببراءة 190 متهم من أصل 302 وأحكام متفاوتة على الباقين، الشىء المثير هو تقدمه ببلاغ لمجلس القضاء الأعلى يتهم مباحث أمن الدولة بالتنصت على غرفة مداولات القضاة في أول اتهام للسلطة بالتجسس على القضاة في تاريخ مصر.

 

5- المستشارون نهى الزينى ومحمود مكى وهشام البسطويسى

 

هم أبرز رموز استقلال لقضاء الذين كشفوا فضيحة تزوير انتخابات مجلس الشعب 2005 وتورط بعض القضاة فيها، تبع ذلك تحويل المستشارين  محمود مكي وهشام البسطويسي إلى مجلس تأديبي بتهمة الخروج على التقاليد القضائية والإضرار بسمعة القضاء المصري بحديثهما لمحطات فضائية وصحف مصرية وعربية عن التجاوزات التي وقعت في الانتخابات التشريعية التي أجريت عام 2005 واتهام بعض القضاة بالتورط في التزوير.

6-المستشار زكريا عبدالعزيز

 

رئيس نادى القضاة الأسبق، وأحد أبرز رموز تيار استقلال القضاء، قام بالاعتصام وأعضاء نادي القضاة لمدة 22 يومًا احتجاجًا على مجالس تأديب القضاة وللمطالبة بصدور قانون السلطة القضائية الذي يحقق للقضاة استقلالهم بمنح المجلس الأعلى للقضاء سلطة التفتيش القضائي بدلا من وزارة العدل وإعطاء القضاة موازنة مستقلة.

 

رموز مثيرة للجدل في تاريخ القضاء المصري

 

 

1- القاضيان زكريا بطرس وأحمد حسن زغلول.

 

هما قاضيا حادثة دنشواي الشهيرة عام 1908، التي تم فيها محاكمة 92 قروي مصري بتهمة قتل ضابط إنجليزي واحد – يرجح أنه مات بضربة شمس – بعد أن جرى لفترة طويلة في الحر، العجيب أن القاضيان المصريان أدانا 36 شخصًا مصريًا في قتل الضابط الإنجليزي حكم على 4 منهم بالإعدام وعدد آخر بالأشغال الشاقة.

 

2- القاضي الخازندار

 

.

المستشار أحمد بك الخازندا، أحد القضاة المصريين في النصف الأول من القرن العشرين، عمل رئيسًا لمحكمة استئناف الإسكندرية ثم رئيسًا لمحكمة استئناف القاهرة وتم اغتياله على يد النظام الخاص للإخوان المسلمين في مارس عام 1948 في حادثة أثارت جدلًا تاريخيًا كبيرًا.

أثناء رئاسته لمحكمة استئناف الإسكندرية نظر الخازندار قضية لمجموعة من شباب مصر الفتاة اتهموا بالاعتداء على عدد من الجنود الإنجليز -أثناء الاحتلال الإنجليزى لمصر- ، وحكم القاضى المصري الخازندار عليهم بالسجن المشدد 10 سنوات.

الصادم في الأمر أن حكم الخازندار تزامن مع قضية أخرى نظرها بنفسه أيضا لشاب عاطل ، قام باغتصاب 7 من الأطفال ثم قتلهم وحكم عليه بالسجن 7 سنوات فقط في قضية أثارت جدلًا واسعًا .

أثناء رئاسته لمحكمة استئناف القاهرة، ناظر الخازندار قضية أخرى مشابهة لشباب مقاومين اتهموا بتفجير ملهى ليلي للإنجليز في رأس السنة وقدم اثنين منهم للمحاكمة ليتم الحكم عليهم بعقوبة مغلظة بالسجن 7 سنوات.

 

3- المستشار عادل عبد السلام جمعة

 

رئيس محكمة جنايات القاهرة المتوفي في 20 يناير الماضي، يصنف ضمن أكثر القضاة ولاء لنظام مبارك بسبب أحكامه المثيرة للجدل.

نظر جمعة قضايا شهيرة، من بينها قضية التوكيلات المزورة لأيمن نور زعيم حزب الغد التي سجن بسببها واتهمت بكونها قضية سياسية بامتياز، إضافة إلى قضية هشام طلعت مصطفى وخفف الأحكام من الإعدام إلى حبس 15 عام دون مرافعات، كذلك محاكمة خيرت الشاطر قيادي الإخوان المسلمين حيث أصدر حكمًا بوضع أموال المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، و28 آخرين من قيادات الجماعة تحت التحفظ، ومنعهم وزوجاتهم وأولادهم من التصرف فيها، متهمًا إياهم بأنهم “استغلوا مناخ الحرية الذي تنعم به البلاد“.

كما حكم جمعة بحبس كل من مجدي حسين رئيس تحرير جريدة “الشعب”، وصلاح بديوي المحرر، و رسام الكاريكاتير عصام حنفي، بتهمة قذف يوسف والي رغم أنهم هم من قدموا الدعوى بينما لم يحقق مع والي أصلا رغم كونه مدعىً عليه.

كما أدان المستشار جمعة في يوليو 2002 الدكتور سعد الدين إبراهيم، مدير مركز ابن خلدون، بتهمة تلقي تبرعات من الخارج دون تصريح من الجهات الرسمية بالدولة، كما أحيلت إلى دائرته قضية اتهام حبيب العادلي بقتل المتظاهرين والتي وافته المنية قبل أن يصدر حكمه فيها.


يذكر أن المستشار الخضيرى قد قدم بعد ثورة يناير مذكرة تظلم إلى المستشار عبد العزيز الجندي وزير العدل، طالبه فيها بندب 
مستشارين للتحقيق في الوقائع المنسوبة للمستشار عبد السلام جمعة وعلاقته بأمن الدولة وإساءته لمنصب القضاء.

 

4- المستشار أحمد الزند

 



رئيس نادى القضاة، وأحد أكثر القضاة إثارة للجدل منذ ثورة يناير بسبب إقحامه للقضاء بشكل صارخ في شؤون السياسة ومعاداته العلنية لنظام الرئيس محمد مرسي، وتمسكه علنا بتوريث المقاعد القضائية، إضافة إلى الاتهامات التي طالته بالتورط في تهم فساد مالي لم تجر بشأنها تحقيقات نزيهة.

 

5- المستشار عبدالمجيد محمود

 

النائب العام المصري الأسبق الذي أقاله الرئيس المعزول محمد مرسي في إعلانه الدستورى المثير للجدل في نوفمبر 2012، يتهم عبد المجيد محمود بالتورط في علاقات مشبوهة للتستر على تهم الفساد التي ارتكبها نظام مبارك إضافة إلى التقاعس في عملية جمع الأدلة في قضايا قتل المتظاهرين.

 

6- وأخيرا، القاضى سعيد يوسف صبري

 

رئيس محكمة جنايات المنيا والقاضى الأكثر إثارة للجدل في مصر الآن، فقبل أن تبرد ردود الأفعال العالمية على حكمه الأول “أواخر مارس الماضي” بتحويل أوراق 529 شخصًا من رافضي الانقلاب العسكري إلى مفتي الجمهورية لاستطلاع رأيه بشأن إعدامهم، عاجل صبري الجميع بتأكيد حكمه بالإعدام على 37 وتخفيفه إلى السجن المؤبد بحق 492 شخص، قبل أن يفجر صبري مفاجأة جديدة بتحويل أوراق 683 شخص جديد إلى مفتي الجمهورية في نفس جلسة تأكيد الحكم السابق.

لم تقتصر أحكام قاضى جنايات المنيا على أحكام الإعدام الجماعية، ففي يوم السبت الماضى -قبل جلسة الإعدام الجماعي- أصدر نفس القاضي أحكامًا متفاوتة بالسجن على 15 شخص لأعوام تصل إلى 73 عامًا و88 عامًا للشخص الواحد وهي الأحكام التي وصفت بأنها غير مسبوقة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد