الانقسامات في الجيش يمكن أن تطفو إلى السطح. قد يتسبّب تصاعد نفوذ حلفاء الجيش الجدد بانشقاقات كانت مغمورة، في سياق صراع الأجنحة للحصول على حصة في الحقل الاقتصادي والسياسي الجديد.

أصدر مركز كارنيغي للشرق الأوسط دراسةً نشرها في 15 أبريل الجاري، عنوانها: القوات المسلحة المصرية وتجديد الإمبراطورية الاقتصادية. ذكرت فيها الإستراتيجية التي اتبعتها مؤسسة الجيش في مصر خلال السنوات التي تلت الثورة للمحافظة على الإمبراطورية الاقتصادية التي كونتها عبر عقود وعقود. في هذا التقرير عرضٌ لهذه الدراسة.

 1- في البداية؛ ما هو التاريخ الاقتصادي للجيش المصري؟

غالبًا ما كان يُطلق على القوات المسلحة “الصندوق الأسود” عندما يتعلق الأمر بدورها الاقتصادي. فمعظم قطاعات الاقتصاد التي يديرها الجيش تبدو خفيَّة كما أنَّ مصادر نفوذه غير واضحة المعالم. ربما كانت الإمبراطورية الاقتصادية للجيش هي أهم الملفات التي تمَّ فتحها بعد الثورة. ليس فقط على المستوى الأكاديمي والاقتصادي، وإنما على المستوى السياسي، فقد شهدت فترة حكم المجلس العسكري تلويحًا من قبل جهات سياسية معارضة بأنَّ وضع الجيش الاقتصادي يجب تحجيمه دستوريًا، واستخدم الملف ورقة ضغط على المؤسسة العسكرية.

عبد الناصر (يسار) وإلى جانبه السادات

 

من المعلوم أنَّ تأسيس مصر الحديثة على يد محمَّد علي باشا كان يعتمد بالأساس على الصناعة العسكرية والتنمية في المجال الحربي. إلا أنَّ الاقتصاد في مصر لم يكن ليتطور بمثل هذا التطور إلا بصعود المؤسسة العسكرية إلى سُدَّة الحكم في الخمسينات. بآثار القومية/ والنهضة العربية التي كان يسعى إليها الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، بدأ التصنيع العسكري في مصر في بداية الستينات وبدأ تكريس الجيش باعتباره قطار الصناعة، وصاحب الدور المركزي في النمو الاقتصادي. حتى أنَّ الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية اعتبرت القوات المُسلحة المصرية الشريك المُفضَّل لإبرام العقود الصناعية!

بدأ الجيش في لعب هذا الدور من خلال توجيه موارد الدولة نحوه ليلعب الجيش الدور الرئيسي في مشاريع استصلاح الأراضي والصناعة المحلية للأجهزة الاستهلاكية وإنتاج السلع الصناعية والزراعية كالفولاذ والسماد. بعيدًا عن اقتصاد الجيش بدأت عملية تعيين ضباط من رتب عالية كمدراء لمصانع مدنية. الأكثر من هذا أن تواجد الجيش دخل إلى مؤسسات الدولة العامة وشبه العامة كذلك.

تطور الأمر في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات، فقد قام السادات بتوجيه الجيش نحو الصناعات الحربية بشكلٍ أوسع، وبعد معاهدة السلام مع إسرائيل بدأت أمريكا بضخّ أموال المساعدات الهائلة، التي تمَّ توجيهها كذلك إلى الصناعت الحربية. انقلبت الصورة بشكلٍ واضح في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك.

في عهد مبارك بدأت الدولة سياسات الخصخصة بشكلٍ واسع، قُلصت ميزانية الجيش إلى صالح وزارات أخرى كالداخلية – بسبب تطورات اجتماعية وسياسية وأمنية عديدة – وبدأ الجيش يفقد موقعه التاريخي بوصفه مهندسًا لتحديث مصر بشكلٍ كبير. استطاع بالطبع الحفاظ على امتيازات مالية هائلة لكنَّ العائدات المالية لهذه الامتيازات تراجعت بعد خسارة الدولة المصرية قوة السوق أمام المستثمرين الخاصين والدائنين الدوليين.

وزير الدفاع في عهد مبارك كان تابعًا له

 

 

2- كيف حافظ الجيش المصري على إمبراطوريته الاقتصادية خلال سنين الثورة؟

استطاع الجيش أن يحافظ على إمبراطوريته من خلال عدة خطوات إستراتيجية قام بها خلال أربع سنوات، يمكن إجمالها في:

1. الإطاحة برئيسين!

لا أحد ينكر بالطبع أنَّ “تأييد” المجلس العسكري للثورة ومطالب الثوار كان سببًا في الإطاحة بمبارك وخلعه، أو على الأقل التسريع بخلعه. كان الأمر منوطًا بالجيش.. الثوار يملؤون الشوارع ويهتفون للجيش. تكرر الأمر هذه المرة ولكن بدعم كامل من الجيش لمعارضي الرئيس المنتخب محمد مرسي عام 2013 ليقوم بالإطاحة به في يوليو 2013. ومنذ هاتين العمليتين مع التهميش المتعمد والممنهج لأبرز المنافسين أصبح الجيش هو المسيطر الوحيد على مشاريع البنى التحتية وأدخلت الجنرالات إلى دهاليز الحكم من جديد، وهكذا أثبتت القوات المسلحة أنها الحكم الأخير على النظام الاقتصادي والسياسي المصري.

2. الرد العلني من قبل الجيش على الانتقادات المتعلقة بنشاطاته الاقتصادية

لم يكن الحديث عن الأنشطة الاقتصادية للجيش المصري يحدث في العلن قبل ثورة يناير 2011؛ كان أمام الجيش أحد أمرين إما الإنكار وإما التخلِّي عن امتيازاته والخضوع لرقابة شعبية، لكنَّ المجلس العسكري اختار طريقًا ثالثًا وهو “الدفاع العلني” عن الوضع الاقتصادي للجيش. في أحد المؤتمرات الصحفية للمجلس العسكري عام 2012 كشف نائب وزير الدِّفاع للشؤون المالية عن العائدات السنوية للأنشطة الاقتصادية للجيش. كان الأمر مفاجئًا فقد وصلت عائدات الجيش إلى 198 مليون دولار سنويًا. ونسبتها في الدولة 4.2%. كان ردّ الجيش علنيًا حول امتيازاته ذا طابع متحدٍ للانتقادات.

3. حماية شركاء الاستثمار

استطاع الجيش – بعدد مجنديه الفائق –أن يحمي شركاءه المستثمرين بشكل مباشر. فأثناء ثورة يناير 2011 تمَّ تزويد الفرع المصري من مجموعة الخرافي الكويتية – التي لديها العديد من المشاريع مع القوات المسلحة – بأفراد حرس مسلَّح لضمان التسليم الآمن للمعدات إلى مصنع القوات المسلحة. وهذا جزء من نصّ النشرة الإخبارية التي أعدتها الشركة:

قدّم الجيش المصري القوات، معززةً بالدبابات، لحماية مواقع الطاقة الرئيسة في مصنع الشباب ودمياط. كما استخدم الجيش المصري العناصر العسكرية المسلحة لمرافقة نقل قطع كبيرة من المعدات لطوربينات الغاز من مرفأ الإسماعيلية إلى موقع الشباب.

على الرغم من الاضطرابات التي أحدثتها الثورة، فقد أعلنت مجموعة الخرافي بسرعة عن استثمارٍ بقيمة 80 مليون دولار لتوسيع البنى التحتية الصناعية في مصر!

كان هذا مثلًا واحدًا على حماية القوات المسلحة لشركائها؛ والأمثلة عديدة. والآن، تتنافس قوى دولية عدة – من دول الخليج إلى اليابان وروسيا – للتأثير على القيادة السياسية الجديدة في البلاد. 

4. التأثير على أسلوب تغطية الأخبار

لا شكَّ أن الإعلام لن يغيب بالطبع عن القيادة العسكرية في جيش بوضع وتاريخ الجيش المصري. تذكر الدراسة أنَّ الجيش المصري طيلة فترة ما بعد الثورة استطاع أن يستخدم استثماراته الإستراتيجية للتأثير على أسلوب تغطية الأخبار. فقد منح الجيش المصري 58 مليون دولار إلى اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري. الأمر غير المُفصح عنه أنَّ الهيئة العربية للتصنيع والتابعة للجيش المصري مُستثمرة إلى جانب اتحاد الإذاعة والتليفزيون في شركة الفضائية المصرية “النايل سات”. أثناء أحداث 2013 والإطاحة بمرسي أثبتت هذه الشركة أنها شريك يعتدّ به فقد منعت فضائية الجزيرة من البثّ على قمرها الاصطناعي، لأنها كانت تنقل صورًا وتقارير عن الأزمة المتواصلة في الشارع المصري.

5. التحالف مع السلطة الجديدة


كانت إدارة المجلس العسكري للمرحلة الانتقالية ذكية للغاية. بدأت بتحالف مع قيادات الإخوان المسلمين، استطاع الجيش أن يحتفظ بحصانته وامتيازاته الاقتصادية بعيدًا عن الرقابة الرسمية، حظي بهذا الحق في الدستور الذي أقره الإخوان أثناء فترة حكمهم التي لم تستمر أكثر من سنة واحدة. سيطرت وزارة الإنتاج الحربي على شركة نصر لصناعة السيارات “ناسكو”. برزت علامات حسن النية بين الجيش والإخوان في أبريل 2013 فحين زيارة مرسي لروسيا حظي على وعد من موسكو بالاستثمار في شركة السيارات سابقة الذكر. تلك الشركة التي حصلت القوات المسلحة على أصولها مجانًا تمامًا.

مشروع قناة السويس وتحوُّل العلاقة

حسب بعض التقارير كانت الصفقة المبرمة بين الطرفين تتضمن خروجًا آمنًا لأعضاء المجلس العسكري وقد كان ذلك. أحد البنود الهامة الأخرى تتعلَّق بسيطرة الجيش على الوزارات السياسية والاقتصادية العليا. أعلن مرسي إنهاء خصخصة شركات القطاع العام وهو ما أراده الجيش بشدة. استمرت حالة التوافق بين الجيش والرئيس مرسي فترة لا بأس بها حتى ظهر إلى الوجود الخلاف حول ملف مشروع قناة السويس.

مشروع تحويل قناة السويس إلى مركز لوجيستي ضخم ومركز للتصنيع الثقيل كان هدفًا يرنو إليه الجيش منذ زمن. أعلن الرئيس عن المشروع الذي سيكون تابعًا للرئيس شخصيًا. غضبت قيادات الجيش بالطبع. حسب الدراسة هذا الموقف من عدم إدخال الجيش في هذا المشروع كان سبب افتقاد الإخوان لدعم الجيش. وبدأت هاهنا حرب البيانات والتصريحات بين الجيش وقياداته من ناحية والرئيس مرسي وقيادات الإخوان من ناحية. وحاول مرسي – حسب الدراسة – أن يقيل وزير الدفاع حينها عبد الفتاح السيسي لكنَّ المؤسسة العسكرية عارضت ذلك. بدأت بذلك الموقف قيادةُ الجيش الاتجاهَ للسياق المعارض للرئيس ثم الإطاحة به. وفي كلّ هذا تزداد قوة القبضة الاقتصادية للجيش.

3- كيف أدار الجيش إمبراطوريته ما بعد الإطاحة بمرسي؟

مع تهميش أبرز المنافسين السياسيين، والحصول على مايزيد عن 20 مليار دولار من المساعدات الخليجية ودعم محلي واسع النطاق للمشير عبد الفتاح السيسي الذي أصبح رئيسًا، استأنفت القوات المسلحة المصرية عملياتها الصناعية المتهالكة، وضمنت السيطرة على مشاريع البنى التحتية الضخمة، وأدخلت جنرالات إلى مناصب الحكم كافة تقريبًا. لكن التمدّد الزائد للنفوذ السياسي والخصومات الداخلية، قد يشكلان عقبة في وجه سيطرة القوات المسلحة المصرية على المدى الطويل.

 

بعد الإطاحة بالرئيس الوحيد المنتخب من قبل الجيش بعد مظاهرات عارمة، لم يبق أمام الجيش منافس. وأصبح اليد العليا اقتصاديًا وسياسيًا في البلاد، ولم يلبث وزير الدفاع أن رشَّح نفسه رئيسًا لمصر وقد أصبح رئيسًا بالفعل. وبسهولةٍ خلعَ البدلة العسكرية وارتدى بدلة مدنية. نستطيع أن نذكر عدة أمثلة على توسع الإمبراطورية الاقتصادية للجيش بعد الإطاحة بمحمد مرسي:

  1. استُخدِمَت حزمة حوافز بقيمة 4.9 مليارات دولار – مموَّلة إلى حدّ كبير من الإمارات العربية المتحدة – لتمويل عقود البنى التحتية الأساسية التي مُنِحَت لشركات تابعة للجيش.
  2. في غضون الأشهر العشرة الأولى فقط في ظل الحكومة المؤقتة، فاز الجيش وحده بـ 770 مليون دولار من العقود. وأكثر من مليار دولار من العقود الحكومية أحادية المصدر على مدى ثلاثة أشهر فقط، في خريف 2014.
  3. تعمد الجيش عرقلة التعاقدات المتعلقة بالإخوان المسلمين، والخاصة بدولتي قطر وتركيا. بينما تسهل مع شركائه المفضلين. تمَّ منح مشروع إسكان لذوي الدخل المنخفض بقيمة 40 مليار دولار للشركة العقارية “أرابتك للإنشاءات” مقرها دبيّ.
  4. خلال الشهرين اللذين أعقبا 3يوليو والإطاحة بالرئيس المنتخب، وقّعت وزارة الدفاع الأميركية عقودًا جديدة قيمتها 300 مليون دولار لإنتاج المعدات العسكرية بشكل مشترك مع مصر أو توريدها إليها. وفي 6 سبتمبر 2013 جرى التوقيع على أحد هذه العقود، الذي نصّ على التعاون بين شركة “بي إيه إي سيستمز” BAE Systems مع المصانع العسكرية المصرية لبناء أجهزة رادار لطائرات الشحن العسكرية.  وفي 22 يونيو 2014، بعد أسبوعين فقط على أداء السيسي قسمه، أعلنت الولايات المتحدة عن الإفراج عن 575 مليون دولار على شكل مساعدات عسكرية كانت مجمّدة سابقًا، وتلت ذلك مساعدات إضافية بقيمة 1.3 مليار دولار في كانون الأول/ديسمبر 2014.

     

    5- بعد كل هذا؛ هل الجيش كتلة واحدة إذن؟

من الواضح بعد كلّ هذا أنَّ الجيش المصري يتحرك ككتلة واحدة متحركة، لكنَّ الدراسة تشير إلى احتماليات وجود انشقاقات كانت مغمورة، أو مكبوتة داخل الجيش. في سياق صراعات أجنحة داخل الجيش للحصول على حصة في “الحقل السياسي والاقتصادي”. هذه الامتيازات إنما تتعلَّق فقط بكبار الضباط بينما الضباط الصغار والمجندون لا يحصلون على مثل هذه الامتيازات (ربما يؤكد هذه الصراعاتِ التسريباتُ التي طالت مكتب الرئيس السيسي نفسها، وقد يكون ضباطٌ كبارٌ هم المتورطون في إذاعة التسريبات بالأساس).


نقطة أخرى تتعلق بأنَّ الجيش عمل في الكواليس للإطاحة بمرسي، نشر هذه المعلومات وتكرارها قد يفقد الجيش حلفاءه الليبراليين، وبعض التأييد. تفترض الدراسة أنَّ ثمَّة عدم موافقة في بعض صفوف الضباط داخل الجيش، وأنَّ هناك أجنحة تتصارع داخل الجيش. قد يؤيِّد هذه الفرضية معلومة مفادها أن تركيبة الجيش المصري تسمح بوجود أجنحة داخلة، فوزير الدفاع له سلطة ورئيس الأركان له سلطة أخرى في مقابله، وهكذا.

6- ما مستقبل هذه الإمبراطورية؟

كانت السرعة والوتيرة التي تمكَّنت بهما القوات المسلحة المصرية من إعادة بناء إمبراطوريتها الاقتصادية والسياسية في مرحلة مابعد مبارك مدهشتَين. فإلى جانب النهوض بالأنشطة الصناعية التي كانت متوقّفة، وفرض السيطرة على مشاريع بنى تحتية هائلة، أصبح انتشار القادة العسكريين كبيرًا جدًّا في أروقة الحكم. فسبعة عشر محافظًا من أصل سبعة وعشرين هم جنرالات عسكريون (تسعة عشر محافظًا عسكريًّا إذا شملنا ضابطَي شرطة من الرتبة نفسها) وسائر الحكّام المدنيين يتشاركون الحكم مع 24 لواءً في مناصب نائب المحافظ، والأمين العام، ومساعد الأمين العام.

بالطبع هذه الظروف تقول أنَّ الاستثمارات الأجنبية المقبلة ستكون على الأرجح متركزة أكثر في المشاريع التي يقوم عليها الجيش. البعض يؤكد أن هناك شكوكًا لدى قيادات القوات المسلحة حول استمرارية حكومة عسكرية وسط هذه المتغيرات الكثيرة والضغوط الهائلة. منذ انتخاب السيسي حاول القيام بخطوات تساهم في زيادة شعبيته. قام برفع الضرائب على أصحاب الثروات الكبيرة، إضافةً إلى بعض الإجراءات الأخرى التي أسهمت – حسب الدراسة – في زيادة شعبيته، إضافةً كذلك إلى موالاة مؤسسة القضاء والإعلام له. لكنَّ المعلومات حول تورط الجيش في تحريك المظاهرات ضد مرسي، والتلاعب بالقانون لصالح السلطة السياسية/ العسكرية قد تكون مسمارًا في نعش النظام.

إن كان العديد من المراقبين يعتبرون أن برنامج المساعدات العسكرية الأميركية هو أساسًا هبة لكبار الضباط المصريين، لابد أن يكون رأي المجنّدين العاديين والضباط الأعوان في البرنامج سلبيًّا على نحو مماثل. وقد يكون هذا العامل مؤثرًا بالطبع!


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد