ضُبَّاط الشرطة يهتفون “يسقط حكم العسكر” .. بينما يهتف ضُبَّاط الجيش “الداخلية بلطجية”.

أعلن الطرفان إذا موقفهما الحقيقي عندما استعارا ليل الثلاثاء الماضي هتافات الثوار للاشتباك ببعضهما البعض. فالداخلية “بلطجية” بينما حكم العسكر “ساقط” وعاد بذلك شعار “الجيش والشرطة والشعب يد واحدة” إلى مرحلة الاختبار. فما الذي حدث؟ وما الذي يحدث؟

ربما لا تعلم أنَّ الصراع بين المؤسستين له جذور في التاريخ المصري الحديث. فقد هجم عشرات من الطلبة بالكلية الحربية ـ في عهد الرئيس المخلوع مبارك ـ على أحد أقسام الشرطة واشتبكوا بأعضاء القسم وأحرقوا سيارات الشرطة، كان هذا بسبب أحد الطلبة حين اشتكى لزملائه من سوء معاملة الشرطة له حين استوقفته في الشارع!

ربما للأمر علاقة بالأجهزة الأمنية الكثيرة جدًا في الدولة المصرية. فقد تأسست الدولة المصرية ما بعد الملكية على أساس الكثير من الأجهزة الأمنية التي تمارس تجسسًا على بعضها، ما يخلق نوعًا من أنواع “الصراع” و”التنافس” بين الأجهزة وبعضها. بشكلٍ عام يُؤرخ للعلاقة المرتبكة بين الجيش والشرطة بنهايات عصر الرئيس الأسبق محمد أنور السادات.

يجمع هذا التقرير الحوادث التي اشتبك فيها أعضاء من الجيش والشرطة، وفي نهاية التقرير تركيز على تاريخ الصراع بينهما، وتداخل الاقتصاد والسياسة بالمنظومة الأمنية في مصر.

تقرير حول الاشتباكات بين الجيش والشرطة:


 

الحادث الأول: لا توقف ضابط جيش في إشارة مرور!


في 19 نوفمبر 2012 وقعت مشادة بين ضابطين من الجيش والشرطة أمام مبنى أكاديمية الشرطة عندما أوقف أفراد كمين أمني ضابط جيش أثناء قيادته سيارته الملاكي وطالبوه بإبراز بطاقته، تطور الاشتباك بالألفاظ إلى سحل ضابط الجيش إلى قسم شرطة القاهرة الجديدة واحتجازه، ليلا تجمع عدد من أفراد الجيش أخذوا بالهتاف ضد الشرطة ورشقوهم بالحجارة ثم بدأ الطرفان بإطلاق نار عشوائي من فوق الأسطح مما أدى لإصابة أحد اأراد الجيش بقدمه قبل أن تطلق الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتجمعين، لكن لم يتخل أفراد الجيش عن زميلهم وعادوا أمام قسم الشرطة وبصحبتهم قوات من الشرطة العسكرية للقبض على الضابط المتهم باحتجاز زميلهم ومحاكمته عسكريا وهو ما وعدتهم به الشرطة العسكرية في محاولة لتهدئة الموقف.

الحادث الثاني: الشرطة تضرب المتظاهرين فتصيب مجندي الجيش

في 3 مارس 2013 أمام مديرية أمن بورسعيد بعد صدور الحكم في قضية مذبحة ستاد بورسعيد تدخلت قوات الجيش لتأمين المنشأت الحيوية والمتظاهرين بعد ازدياد حدة عنف الشرطة واعتبارها تجمهر الأهالي محاولة لاقتحام السجن حتى قامت قوات الشرطة بإطلاق الرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع على إحدى المسيرات لكنها أصابت أفراد الجيش المسؤولين عن تأمين المديرية واندلعت الاشتباكات بعدما طالب أحد قوات الجيش بتهدئة الموقف لتوجه الشرطة طلقاتها صوب أفراد الجيش فترد عليهم قوة التأمين العسكرية بالرصاص واعتقالها عددا من أفراد الشرطة واقتحام محيط مبنى المحافظة والمديرية وخلال تبادل إطلاق النار قتل مجند وأصيب العقيد بالقوات المسلحة شريف العرايشي قائد قوة تأمين المديرية و إصابة 350 آخرين منهم شرطيين وفرد من الجيش.


https://www.youtube.com/watch?v=cgSe863uk_Y

 

الحادث الثالث: يسقط يسقط حكم العسكر

بقسم امبابة في 2 مارس 2014 وقعت مشاجرة بين أمين شرطة بقسم إمبابة وأحد أفراد القوة العسكرية المُكلفة بحماية القسم، ليطلق أحد ضباط الجيش رصاصا في الهواء للتفريق بين المشتبكين تحولت لوابل من الرصاص والقنابل المسيلة للدموع بين الطرفين دون قصة واضحة لأسباب الاشتباك، فأكد أحد الأمناء أن ضابط الجيش المسؤول عن قوة التأمين قد أغلق باب القسم بالمدرعة وأمر بإطلاق النار على مبنى القسم الذي تجمع داخله العشرات من أمناء الشرطة بدأوا في ترديد هتاف “يسقط يسقط حكم العسكر” لتتدخل قيادات أمنية لمصالحة الجانبين وسحب المدرعة والقوة العسكرية من أمام القسم.

الحادث الرابع: ضابط الجيش يقيم “عدالته” بنفسه

تكرر الاشتباك بنفس العام يوم 13 أكتوبر 2014 حيث اندلعت مشاجرة بين ضابطي شرطة وجيش بطريق الكورنيش، بمنطقة كامب شيزار بالإسكندرية عندما اشتبك ضابط جيش وهو بصحبه زوجته بسيارتهما مع أفراد الكمين حتى تدخلت نقطة شرطة عسكرية قريبة لفض الأمر وحرر كلا الطرفين محضرا ضد الآخر وبعد ذلك قام ضابط الجيش باصطحاب قوة من الشرطة العسكرية التي ألقت القبض على أفراد الكمين واصطحبتهم لأحد معسكرات الجيش وقامت بـإيقافهم في الشمس مكبلين وتصويرهم ومشاركة الفيديو على الإنترنت بتعليق من أحد ضباط الجيش :

“الموضوع أبسط من كده كل الحكاية أنه نسي نفسه (يقصد: ضابط الشرطة والأمناء)، ونسي لما جري استخبى، وساب سلاحه، والقسم بتاعه، ونسي مين اللي أمِّنُه، ورجعه شغله، ونسي مين وقف جنبه لحد ما الشعب ما سامحه، ونسى مين اللي دفعوا له راتبه، وزوده واشترى له عربيات وسلاح جديد بدل اللي اتسرق منه لما خد على قفاه، ونسي الدبابة والضابط والمجند اللي لحد دلوقتي واقفين بيحموه هو والقسم بتاعه علشان المحابيس اللي عنده ما يفكروش ياخدوا منه سلاحه تاني ويضربوه”.

 

الحادث الخامس: الجيش يحاصر الشرطة!

وكان الاشتباك الثالث في عام 2014 بين الجيش والشرطة في 11 نوفمبر حيث نشبت اشتباكات بالأيدي بين قوات من الجيش وبعض أفراد الشرطة داخل قسم محرم بك بالإسكندرية بعدما اعتدى أفراد قسم محرم بك على والد ضابط بالبحرية ثم قرر نائب مأمور القسم احتجاز ضابط البحرية واتصل بالشرطة العسكرية استعدادا لتسليمه لها لكن أفراد الشرطة العسكرية والبحرية قامت بحصار قسم الشرطة لحين تسلم زميلهم المحتجز ووقعت مشادات بين أفراد الجيش والشرطة أدت إلى إصابة أحد أفراد قوة القسم.

 

الحادث السادس: الجيش هو الأقوى بالفعل!

منذ أيام قليلة كان الاشتباك الأخير بين الطرفين بالمنوفية يوم 14 أبريل 2015 بعدما اقتحمت قوة من الشرطة العسكرية ومدرعات من الجيش قسم شرطة شبين الكوم ومحاولتهم التحفظ على أمين شرطة متهم بالاعتداء على ضابط طيار وتقييده والتحفظ عليه بالقسم بعد رفضه إبراز رخصة قيادة سيارته لأمين شرطة من قوة إدارة مرور شبين الكوم حتى قامت الشرطة العسكرية بمحاصرة مبنى النيابة العامة ومجمع المحاكم.
رفض أمناء الشرطة تسليم زميلهم للشرطة العسكرية وأغلقوا أبواب النيابة وتجمهروا أمام المبنى لتشتعل المناوشات بين الطرفين تطورت إلى اشتباكات بالأيدي وهتافات كل جانب ضد الآخر حتى تم إغلاق قسمي شرطة بندر شبين الكوم ومركز شبين الكوم المجاورين للمحكمة.


الجيش والشرطة وجذور الصراع

كان السادات قد بدأ سياسته في تهميش رجالات الجيش وإبعادهم عن السياسة، لكنه سرعان ما احتاج الجيش في فض مظاهرات ما سمي بانتفاضة الخبز (1977). باغتيال السادات على يد “الجهاديين” دخلت الشرطة المصرية منعرجًا جديدًا من النفوذ. فقد أنيط بها القضاء على الجهاديين تمامًا، لكنَّ العلاقة بين الجيش والشرطة بدأت في الصراع منذ منتصف الثمانينيات. بالتحديد مع أحداث تمرد الأمن المركزي 1986.

أحداث الأمن المركزي:


https://www.youtube.com/watch?v=-mBI3wRYFFs

ليس معلومًا بالضبط ما سبب هذه الأحداث، ولكن المعلوم أنَّ معسكرات الأمن المركزي في الجيزة وأسيوط وعدة محافظات قامت بتمرد اشتمل على تخريب ومهاجمة بعض مؤسسات الدولة. دخل المشير عبدالحليم أبو غزالة بقوات الجيش وأنهى التمرد. مئات القتلى من جنود الأمن المركزي راحوا ضحية تمردهم. وهنا كانت العلاقة الفاصلة بين الجيش والشرطة. العلاقة التي يغلفها الصراع منذ أكثر من عقد. فمن يمتلك القوة والسلطة أكثر من الآخر؟

للقراءة أكثر حول الجيش والشرطة يمكنك الاطلاع على: السيسي يقيل وزير الداخلية: هل هناك صراع داخل الدولة؟

بمرور الوقت زاد اعتماد نظام مبارك على وزارة الداخلية مع تهميش متعمد ومخطط لقيادات الجيش عن السياسة. بدأ النظام في اختراع مرتبات جديدة لضباط الجيش الذين دخلوا سن المعاش أو الذين تمت إقالتهم، مرتبات أسماها “بدل ولاء” إضافةً إلى هذا، قام النظام كذلك بفتح أبواب الاقتصاد أمام قيادات الجيش فصار للجيش امبراطوريته الخاصة من المشاريع التجارية. مع تجريف القيادات العسكرية القوية جدًا التي قد تتدخل سياسيًا، بتعيين المشير محمد حسين طنطاوي، الذي يعتبره الكثير من الدارسين تابعًا لمبارك.

وصل عدد أعضاء الشرطة المصرية في أواخر عهد مبارد 1.4 مليون ـ حسب بعض الإحصائيات ـ الأمن المركزي فقط يمثل 500 ألف مجند. بينما أعداد المنتمين للجيش ما يقارب 500 ألف مجند ومثلهم من قوات الاحتياط!

النقطة الأكثر حساسية وحسمًا في هذا الصراع أنَّ جهاز أمن الدولة تخطى كل الحدود في التنصت على مهاتفات قيادات الجيش! هذه المعلومات بناءً على وثائق جهاز أمن الدولة بمدينة نصر الذي تم اقتحامه في مارس 2011.


 

لماذا عزل مبارك الجيش عن السياسة وأدخل الشرطة؟

افتراضات تحليلية تقول أن الرئيس المخلوع مبارك إنما كان يريد من عزل قيادات الجيش عن السياسة، أمرين:

الأول: منع أي محاولات من قيادات الجيش للانقلاب عليه. ظهر هذا جليًا حين قام بعزل وزير دفاعه عبد الحليم أبو غزاله عام 1989، لتخلو الساحة له بعد معلومات تقول إن المشير أبو غزاله كان أكثر شعبية من الرئيس مبارك سواءً داخل الجيش أم على المستوى الشعبي.

الثاني: أن مبارك كان يريد تمرير مشروع التوريث لابنه جمال مبارك؛ لم يكن الجيش ليقبل بذلك حيث ترى قياداته أن رئيس مصر يجب أن يكون عسكريًا. كانت الداخلية هي المؤسسة الأمنية التي ربما تستطيع، وفقًا لظروف معينة، أن تقبل بالتوريث، وتكون ظهيرًا للرئيس الجديد “جمال مبارك”.

“إزاحة القوات المسلحة إلى الهامش في عهد مبارك، أدت إلى التنافس الحاد على الموارد والنفوذ المؤسسي، وقد نظر ضباط القوات المسلحة إلى وزارة الداخلية، وأجهزة الشرطة والأمن المرتبطة بها، نظرة ازدراء تعمقت خلال العقد الأخير من حكم مبارك، وعاد ذلك جزئيًا إلى الاعتقاد بأنها مشتركة في دائرة الفساد التي أخذت في التوسع منذ صعود جمال مبارك
من دراسة فوق الدولة

كما ذكرنا فإن المؤسسة العسكرية تمتعت بالكثير من الرغد الاقتصادي عبر مشاريعها، وإذا كانت وزارة الداخلية تنافسها في النفوذ داخل الدولة، فإنَّها كذلك منافستها الاقتصادية. فقد بدأت الداخلية في تأسيس مشاريعها الخاصة بها. فقد أسست عدَّة شركات منها الفتح والمستقبل ومطابع الوزارة، في محاولة منها للقيام بما يشبه “الاكتفاء الذاتي”. الجدير بالذكر أن ميزانية الداخلية قد تزايدت خلال عهد مبارك ثلاث مرات متتالية، بينما تم تقليل ميزانية الجيش في الميزانية العامة للدولة بعد عزل أبو غزالة.

 

ثورة يناير: أن تعود السلطة في يد الجيش مرة أخرى؟!

قد يكون الكلام غريبًا بعض الشيء، لكنَّ استغلال الجيش للموقف الثوري في يناير 2011 أعاده إلى موقع الصدارة ـ بعض الدراسات الأمريكية تطلق على عودة الجيش للسلطة انقلابًا أبيض ـ . ليفاجأ الثوار بعد أربع سنوات من ثورتهم أنَّ رئيسهم “المنتخب” رجل عسكري رأس المخابرات الحربية في عهد مبارك. يمكن تلخيص استراتيجية الجيش لإعادة نفسه للصدارة مرة أخرى في التالي:

  1. استيعاب الثورة: عاد الجيش للواجهة السياسية بتأييده للثورة، وإعلانه احترامه لمطالب الثوار.
  2. أعلن الجيش تسليمه السلطة للمدنيين، وبذلك أثبت أنه لا يريد بالفعل أن يتدخل في “السياسة”.
  3. أيَّدَ الجيش مظاهرات 30 يونيو، وأطاح بالرئيس المنتخب يوم 3 يوليو.
  4. ترشح للانتخابات وزير الدفاع الذي أطاح بالرئيس، ورشح نفسه للانتخابات، وانتخب رئيسًا.
  5. بهذا، عاد الجيش للواجهة بأقوى مما كان يتوقع الجميع.


 

أين الشرطة من كلّ هذا؟

كُسرت الشرطة يوم 28 يناير، كما هو معلوم؛ وهنا كانت الساحة خالية للجيش ليكون في الصدارة السياسية. استطاع وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم أن يعود بوزارته من جديد، بعد فضه لاعتصامي رابعة العدوية والنهضة ومشاركته في تحرك الجيش، وقيامه كذلك بقمع كل المظاهرات التي تعارض النظام الجديد. في تسريبه الذي أذاعته قناة الشرق، كان وزير الداخلية يخبر ضباطه أنه “يأخذ فلوس من رئاسة الوزراء بالدراع وبالخناق وبقلة الأدب وبكلّ شيء”. بالطبع هذا التصريح يُعطي خلفية عن مدى قوة الداخلية وصدارتها في المشهد السياسي، بعد الجيش بالتأكيد.

على الجانب الآخر، اتخذ الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي، وزير الداخلية الأسبق أحمد جمال الدين مستشارًا أمنيًا له. ربما يعكس هذا المشهد الموقف كالتالي، وبعد إقالة وزير الداخلية محمد إبراهيم في شهر مارس:

  • يتربع الجيش على رأس السلطة، من خلال وزير الدفاع الذي أصبح رئيسًا منتخبًا بعد إطاحته بالرئيس المنتخب السابق.
  • استطاع الجيش أن يستوعب المؤسسة الشرطية، عن طريق استرضاء قياداتها بمناصب سياسية، كمستشار الرئيس للأمن القومي.
  • استطاع الرئيس كذلك استيعاب بعض من نفوذ الشرطة بتعديل بعض مواد قوانين الشرطة؛ فقد أصدر قرارًا بتعديل الفقرة الثانية من المادة 94 من قانون هيئة الشرطة، ليقضي القانون بمثول مجندي الأمن المركزي أمام القضاء العسكري حال ارتكابهم جرائم. وبهذا فإن الـ “جيش” يعتبر مجندي الأمن المركزي أعضاءً معارين للداخلية! باعتبار أنَّهم مجندين يقضون فترة خدمتهم العسكرية تحت لواء الأمن المركزي.

السؤال المحير الآن: هل سيستطيع النظام استيعاب أفراد الجيش والشرطة كما استطاع استيعاب القيادات الشرطية؟

اقرأ أيضًا:

الشرطة المصرية والثورة: العداء الذي لم ينتهِ

كيف بدأ القمع؟ قراءة في تاريخ الشرطة المصرية

تحت الحصار: 10 قرى حاصرتها الشرطة المصرية

عرض التعليقات
تحميل المزيد