بعدما استضافت المغرب، وفدًا من المجلس الأعلى للدولة، ومجلس نواب طبرق بهدف حل النقاط الخلافية في اتفاق الصخيرات –التسوية السياسية الأهم في الأزمة الليبية – وعلى رأسها المناصب السيادية ووقف إطلاق النار، كشفت تقارير مصريةٍ عن زيارةٍ غير مُعلن عنها مُسبقًا إلى القاهرة، ضمت ممثلين عن المنطقة الغربية الليبية من أعضاء من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وعددًا من قيادات غرفة بركان الغضب التابعة لحكومة الوفاق، على رأسهم المسؤول الأمني للسراج.

التحركات العلنية التي تقوم بها مصر أثارت تساؤلات بشأن احتمال تبدل الموقف المصري من الحكومة الليبية المعترف بها دوليًّا بعد سنوات من الانحياز للواء المتقاعد خليفة حفتر، لكنَّها قُرئت من جانبٍ آخر أكثر وضوحًا ضمن التنافس بين مصر والمغرب على أخذ السبق في حل عقدة المشهد، فبينما تهدف مصر إلى إنقاذ «إعلان القاهرة» ليكون المسار الوحيد لإنهاء الحرب بما يخدم مصالحها، يرفض المغرب ذلك السيناريو، ويُصرُّ على أن يكون اتفاق الصخيرات الموقع عام  2015م هو المرجعية الوحيدة لحل الأزمة.

تنافس مصر والمغرب.. كيف انتقل الملف الليبي من القاهرة للدار البيضاء؟

عقب اندلاع الثورة الليبية في فبراير (شباط) عام 2011م، تحركت مصر ضد السياسة العربية التي عمدت إلى إسقاط نظام القذافي، فبينما شاركت المغرب والإمارات وقطر بصورةٍ استثنائية في التدخل العسكري الذي شنَّه حلف الناتو لإسقاط نظام العقيد، هو ما بدا فعليًّا انتهاء نظام القذافي على المستوى السياسي، فضَّلت مصر لعب دور الحياد الإيجابي، وهو الاتجاه الذي مهَّد لها لعب دورًا محوريًّا مُبكرًا في الملف الليبي على خلاف الجميع.

(المشير محمد حسين طنطاوي في طرابلس)

رفضت مصر المشاركة في التحالف الدولي، وأعلن المجلس العسكري المصري، الذي أدار الفترة الانتقالية بعد سقوط مبارك، عدم المشاركة في العمليات العسكرية، بدعوى حماية المدنيين في ظل وجود للعمالة المصرية، وبينما سعى المغرب لتصحيح دوره عبر الانخراط في مباحثات رسمية مع حكومة القذافي بهدف الاتفاق على خطة سلام مع الاتحاد الأفريقي، كانت مصر تستضيف الكثيرين من عائلة القذافي الهاربة، وعلى رأسهم أحمد قذاف الدم، منسق العلاقات الليبية المصرية السابق، وابن الرئيس الليبي المقتول.

وفي يناير (كانون الثاني) عام 2012م، زار المشير محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية آنذاك، العاصمة الليبية طرابلس، في أول زيارة للخارج منذ توليه منصبه عقب ثورة يناير، وبعدما تولى الرئيس السابق محمد مرسي الحُكم، لم ترضخ القاهرة لمطالب تسليم أحمد قذاف الدم، ووصل حجم التبادل التجاري بين البلدين في ذلك التوقيت مليار و500 مليار دولار، بحسب تصريح للاتحاد العام للغرف التجارية المصرية.

عقب إطاحة مرسي في يوليو (تموز) عام 2013م، تحولت مصر فعليًّا إلى معسكر الشرق الليبي، ممثلًا في برلمان طبرق الذي أعاد حفتر لبذلته العسكرية رسميًّا، ومنحه التصريح القانوني لتولي منصب «القائد العام للجيش الليبي»، كما حصل على رتبة مشير، كما ساعدت مصر الجنرال الليبي، فكانت الحليف العربي الأول لحفتر التي وفرت دعمًا جويًّا علنيًّا خلال معارك شرق ليبيا، ثم رسمت الخطة العسكرية للسيطرة على الجنوب الليبي وصولًا إلى طرابلس، بحسب تسريبات المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا، غسان سلامة، والتي نقلها موقع «الجزيرة» القطري.

بدخول ليبيا رسميًّا حرب الوكالة، تحرك الغرب الذي كان حينها ما زال يمتلك فعليًّا قنوات اتصال مفتوحة مع الجميع، وبشراكة أممية خاضت المملكة المغربية مفاوضات سرية استمرت نحو 20 شهرًا، توجت في النهاية بتوقيع اتفاق الصخيرات – التسوية السياسية الأهم في تاريخ الأزمة – في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015م.

نصَّ الاتفاق وقتها على تشكيل حكومة وفاق وطني تحظى باعتراف دولي من الأمم المتحدة، ويكون في صلاحياتها تعيين قادة الجيش، وهو ما رفضه حفتر الذي رأى أن الاتفاق يلتهم إنجازاته، كما رفض مجلس النواب الاتفاق، وبذلك انقسمت ليبيا إلى ما هو أشبه بالدولتين؛ أولها حكومة الوفاق في طرابلس برئاسة فائز السراج التي تحظى بشرعية أممية، إلى جانب الدعم المغربي، وثانيها حكومة برلمان طبرق التي تضع ولاءها تحت قيادة المشير حفتر، المدعوم مصريًّا.

عربي

منذ 3 أسابيع
بعد انشقاق قبيلته عن حفتر.. هل يعود أبناء القذافي للحكم مرة أخرى؟

ومع أن مصر أيدت اتفاق الصخيرات شكليًّا عبر خارجيتها، فإن تحركاتها السياسية والعسكرية عمدت إلى إسقاطه، وتمرير اتفاق سياسي جديد يحفظ مصالحها من جهة، ويجعلها الراعي الأول لأية مبادرة سياسية مستقبلًا، وهو الدور الذي أفرز تنافسًا مكتومًا بين البلدين، وصل مداه عقب معركة طرابلس.

فعلتها مرتين.. كيف حاولت مصر إسقاط اتفاق الصخيرات؟

في فبراير عام 2017م، استقبل رئيس أركان الجيش المصري السابق، الفريق محمود حجازي، ممثلًا للجنة الوطنية المعنية بالملف الليبي، كلًّا من خليفة حفتر، وعقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، وفايز السراج رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فضلًا عن أعضاء من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وممثلين لأعيان ليبيا وقبائلها.

(لحظة توقيع اتفاق الصخيرات في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015م)

الحدث الذي راقبه المغرب باهتمام كان يهدف لإفراز اتفاق جديد على أنقاض اتفاق الصخيرات، ومثَّلت الاجتماعات التي عُرفت باسم «لقاءات القاهرة» فرصةً لتسوية الأزمة الليبية بعد فشل الأمم المتحدة عقب عدم تنفيذ الاتفاق المغربي.

واقترحت مصر مبادرة مكونة من أربعة بنود رئيسة، تبدأ بتشكيل لجنة مشتركة من أعضاء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لتعديل اتفاق الصخيرات، ثم رفعها لمجلس النواب الليبي لاعتمادها، وفي البند الثاني خُوِّل لمجلس النواب إجراء التعديلات الدستورية اللازمة لتضمين الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري، ثم إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في موعد أقصاه فبراير 2018م، مع استمرار جميع شاغلي المناصب الرئيسة في ليبيا.

بالرغم من التقارب العلني والتوافق الذي أحدثته القاهرة بين حفتر والسراج، فإنَّ المبادرة المصرية فشلت نتيجة تهديد قادة البنيان المرصوص، وعسكريين، وضباط يترأسون كتائب ضاربة وقوية بغرب البلاد، المتاخمة للحدود مع المغرب باقتحام العاصمة طرابلس والسيطرة عليها، في حال استمرار مسار القاهرة لضم حفتر وضباطه ضمن قيادة الجيش.

وبعد نحو عامٍ ونصفٍ على معركة طرابلس، التي أطلقها حفتر في أبريل (نيسان) العام الماضي، نجحت حكومة الوفاق بدعمٍ تركي في السيطرة الكاملة على غرب ليبيا برًّا وجوًّا، كما سيطرت على كامل مدن غلاف العاصمة الليبية طرابلس بعد انسحاب قوات الجنرال الليبي منها، لتبدأ الوفاق هجومًا مضادًا للزحف على مدينة سرت – وسط ليبيا – بعد السيطرة على قاعدة الجفرة الاستراتيجية، لتكون منطقة الهلال النفطي – تحوي 80% من النفط الليبي – في مرمى نيران الوفاق.

هرع حفتر إلى القاهرة التي استضافت معه عقيلة صالح، رئيس برلمان طبرق، ليخرج الرئيس المصري بما عُرف بـ«مبادرة القاهرة» لإنهاء الأزمة الليبية، تكون مرجعيتها مواثيق الأمم المتحدة. حددت المبادرة وقفًا فوريًّا لإطلاق النار عبر استكمال المفاوضات وأعمال اللجنة العسكرية «5+5» بجنيف، مع إلزام الجهات الأجنبية كافة بإخراج المرتزقة الأجانب من الأراضي الليبية، وتفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها، مع تمثيل لأقاليم ليبيا الثلاثة في مجلس رئاسي ينتخبه الشعب تحت إشراف الأمم المتحدة، ثم اعتماد إعلان دستوري يمثل استحقاقات المرحلة المقبلة سياسيًّا وانتخابيًّا.

وبالرغم من الزخم العربي والدولي الذي أحاط بالمبادرة المصرية عبر بيان جامعة الدول العربية، فإنَّ المغرب أعلن رفضه إعلان القاهرة عبر تأكيده ضرورة أن يكون اتفاق الصخيرات هو المرجعية الأساسية في أي اتفاق سياسي، وهو الاتجاه نفسه الذي تبنته حكومة الوفاق رسميًّا؛ بسبب ما أسمته محاولة حفتر للعودة إلى المفاوضات بعد هزيمة عسكرية.

من بوابة المغرب.. هل تدخل ليبيا مرحلة انتقالية رابعة؟

بات يُنظر إلى المغرب بعد نحو تسع سنواتٍ من الصراع الليبي على أنه وسيطٌ نزيه بين الفرقاء الليبيين يمكن الوثوق به لبدء خطوة لإنهاء الأزمة الليبية، وقبل أيام استضاف مدينة «بوزنيقة» المغربية وفدًا من المجلس الأعلى للدولة، ومجلس نواب طبرق بهدف حل النقاط الخلافية في اتفاق الصخيرات، وهو اللقاء الذي سبقه إعلان رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، استعداده للقاء عقيلة صالح، رئيس برلمان طبرق، وهي الدعوة التي التقطها المغرب للتوسط بين الطرفين.

ناقشت المفاوضات الأخيرة اتفاقًا يقضي بتقسيم تولي المناصب السيادية في المؤسسات الرقابية الليبية، وبحسب المادة 15 من «اتفاق الصخيرات»، فتتمثل تلك المناصب المتنازع عليها في في محافظ مصرف ليبيا المركزي، ورئيس ديوان المحاسبة، ورئيس جهاز الرقابة الإدارية، ورئيس هيئة مكافحة الفساد، ورئيس وأعضاء المفوضية العليا للانتخابات، ورئيس المحكمة العليا، والنائب العام.

ورغم أنَّ القاهرة حاولت عرقلة تلك المفاوضات عبر استضافة ممثلين عن المنطقة الغربية الليبية من أعضاء من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وعدد من قيادات غرفة بركان الغضب التابعة لحكومة الوفاق، على رأسهم المسؤول الأمني للسراج، فإن مباحثات «بوزنيقة» توجت بتوقيع اتفاق شامل حول البنود التي جرى التفاوض بشأنها، بما فيها الاتفاق حول المؤسسة الوطنية للنفط، والمؤسسة الليبية للاستثمار.

عربي

منذ 4 أسابيع
بعد تقارب السراج وعقيلة صالح.. لأي مدى يستطيع حفتر تغيير المشهد لصالحه؟

وحاليًا يبدو المشهد العسكري على الأرض أقرب إلى الجمود منذ أكثر من مائة يوم حول مدينة سرت، مفتاح الشرق الليبي، ومؤخرًا، أعلن كلٌّ من حكومة الوفاق وبرلمان طبرق (السراج وعقيلة صالح) الوقف الفوري لإطلاق النار وسط ترحيب إقليمي ودولي، لكنَّ حسابات الربح والخسارة دفعت الجنرال الليبي لإعلانه رفض القرار، تزامنًا مع الوصول لصيغة جديدة من اتفاق الصخيرات يتطلب إنجاحها القبول بحفتر أو إطاحته.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد