تسعى المعارضة السياسية المصرية لفرض نفسها كبديلٍ سياسيّ للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ونظامه، خاصَّةً بعد اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية التي ستتسلم المملكة بمقتضاها جزيرتي تيران وصنافير.

بالتزامن مع هذا السعي ثمَّة بعض المراجعات على مستوى التصورات لدى بعض القوى السياسية التي تسعى لإعادة تنظيم صفوفها والاتفاق على طموحاتها ودورها المستقبلي.

ويستوضح «ساسة بوست» تصوًّرات بعض المعارضين ورؤيتهم للبدائل السياسية وأدوارهم في المرحلة المقبلة.

اختلاف المنطلقات

على مستوى التعريف لا تتطابق تصورات كل الأطراف التي تحدثنا إليها. وبشكلٍ عام، يرى «وائل نعمان» عضو حزب مصر الحريَّة أن المعارضة هي ما تقوم بتصدُّر حركة الشارع وتصوغ مطالبه إذا تحرَّكَ، وتشارك السلطة في صنع القرار، وأن تطرح نفسها كبديل سياسي يمكن أن يصعد إلى السلطة في أي وقت.

من ناحية أخرى، لا تزال جماعة الإخوان المسلمين ترى نفسها صاحبة حق في السلطة، حيث أن نجاح ممثلها: الرئيس المعزول «محمد مرسي» في انتخابات الرئاسة عام 2012 أعطاها «شرعية» الحكم، وبالتالي فهي لا تنظر إلى نفسها كبديلٍ سياسيّ للسلطة الحالية، بل إن «الانقلاب» هو ما يعوقها عن أداء مهمتها التي اختارها الشعب للقيام بها، حسب ما أفاد به الدكتور طلعت فهمي المتحدث باسم جماعة الإخوان المسلمين – جبهة محمود عزت – في حديثه لساسة بوست.

أما «عبدالرحمن منصور»، الناشط المعارض والباحث الزائر بجامعة إلينوي في الولايات المتحدة، فيفضل أن يصف المعارضة بكونها ديمقراطية، معتبرًا أن تسميتها «معارضة مدنية» ترسيخًا خاطئا للصراع، قائلا: لا نعارض العسكر لأنهم عسكر، فهناك حكام عسكريون  تولوا سلطة بعض الدول وساهموا في تقدمها ديمقراطيًّا، ومن ناحية أخري  هناك أحزاب مدنية لكنها (كارتونية) تكرس الاستبداد ولا تسعى للديمقراطية.

أيضا يرى منصور أن الوقوف في مساحة  المعارضة فقط غير كافٍ، ولا بد من المشاركة  في الحكم. وهو ما يطرح السؤال، هل  لدى المعارضين ما يؤهلهم للصعود للسلطة؟

يجيب: المعارضة الآن في لحظة عدم وفاق، وليس هناك تصور كامل لشكل النظام أو حل للمشاكل الاقتصادية ومشاكل الجيش والشرطة والإعلام، وثلاثة أنظمة سابقة حكمت البلاد، لكن كل هذا لا يمنع من الصراع على الحكم، فالقول بأن المعارضة غير جاهزة هو جزء من أطروحة الثورة المضادة.

كل المصادر التي تحدَّث إليها «ساسة بوست» أجمعت على ضرورة وجود 1- «مشروع سياسي» و 2- «كوادر» لتكون المعارضة جاهزة لتولِّي السلطة.

وينفي «محمد القصاص»، عضو المكتب السياسي لحزب مصر القوية، أن تكون المعارضة جاهزة بشكل كافٍ لتولي السلطة، قائلًا: أنا في حزبٍ مُعارض وأقول إن المعارضة غير جاهزة. الأحزاب تأثرت جدًا وفقدت أعضاءها، وهناك نقص على مستوى البرامج. لا توجد تصورات كاملة وناضجة عند السلطة أو المعارضة على حد سواء، مبارك لم يقدم بديلًا، ولا المجلس العسكري ولا الإخوان ولا السيسي. أما على مستوى الكوادر فمن كانوا قادرين على فعل شيء: هاجروا. وعلى المستوى السياسي لا توجد قواعد للعبة السياسية، فالأحزاب لا تتفق على قواعد اللعبة، وكثير منهم مازال يدور في فلك الخلاف الأيديولوجي.

أما وائل نعمان فيرى إمكانية امتلاك كل حزب مشروعًا سياسيًا، أو كل مجموعة أحزاب متقاربة الرؤى. قائلا من جانبنا كحزب، نسعى لنقوم بذلك، لكنّ نقص الكوادر يعرقلنا. يختلف المشروع عن برنامج الحزب، لأن الأخير غير صالح للتطبيق المباشر نظرًا لأنه يتكون من أيديولوجيات. يؤيده في ذلك الدكتور طلعت فهمي بقوله: نحن لا نتكلم عن مشروع يخص تيارًا سياسيًا ولكن مشروع وطن تشارك فيه كافة القوى والتيارات السياسية وكافة أفراد الشعب.

جبهة الانقاذ الوطني، 2013

 

إلا أن منصور يرى أن الكوادر موجودة في المعارضة والمطلوب هو استدعاؤها فقط، وداخل أجهزة الدولة ولا يسمح لها بالحديث، قائلًا: لو تمكنوا من الحديث كنا سمعنا رأيهم واعتراضهم على تسليم تيران وصنافير مثلًا. أيضًا هناك مصريون يساهمون في تنمية دول أخرى يمكن أن يشاركوا. وبالنسبة لامتلاك المعارضة مشروعًا فيؤكد منصور أن المشاريع موجودة وكانت متمثلة في برامج مرشحي الرئاسة عام 2012.

يعلق الدكتور وحيد عبد المجيد – الخبير بمركز الأهرام للدراسات – على هذه النقطة قائلًا: الحديث عن كوادر مُعدَّة سلفًا في مصانع وعلب حديث غير سياسي، ويفترض أن هناك أشخاصًا مؤهلون ليتولوا مسؤولية القطاعات المختلفة، وهو حديث شمولي يلجأ إليه من ينصبون أنفسهم أوصياء على الناس، ولا يريدون أن يفهموا أن العملية السياسية تقوم على تنافس في الرؤى والبرامج، وأن دور الأشخاص  في المرتبة التالية.

ويبدو أن هؤلاء المعارضين يعوِّلون على تغييرٍ ما في المشهد السياسيّ، يُحمِّسُ أصحاب الخبرات للمشاركة في إدارة الدولة، ويتيح لهم فرصة أخذ مواقع هامة، والمساهمة في تطوير طريقة الإدارة عبر طرح أفكار بديلة. وبالنسبة للمشاريع السياسية فيأملون أن تصوراتهم المبدئيَّة في الأحزاب وبرامج المرشحين السابقين للرئاسة تصلح كنقطة بداية لتكوين مشاريع كاملة بعد حوار بين الأطياف المختلفة.

هل امتلاك «كوادر ومشروع سياسي» أمر كافٍ لصعود المعارضة للسلطة؟

يجيب على هذا السؤال الدكتور «حسن نافعة» أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة قائلا: وجود كوادر ومشروع غير كافٍ، ولا بد من وجود مناخ ديمقراطي يتيح للأحزاب أن تُحرك جماهيرها وتتواصل مع قواعدها، وأن تتمكَّن من  أدوات التأثير على الرأي العالم. وإذا لم يتوفر هذا المناخ فإن البديل هو نزول الشارع، ووجود الحركات السياسية والاحتجاجات العنيفة وحالة احتقان قابلة للانفجار، ولا أحد يستطيع توقع متى تنفجر.

ربما كان ما يحذر منه نافعة هو الأقرب لما يسعى إليه المعارضون، حيث أن المناداة بسقوط النظام كانت حاضرة في تظاهرات أبريل الماضي، وهو ما يتفق معه القصاص وفهمي ويؤكده عبدالرحمن منصور بقوله: المعرفة ستكون عامل تثوير الناس في موجات التغيير القادمة، كما كانت الصورة عامل تثوير قبل 2011. تتراجع أهمية الصورة العاطفية تدريجيًّا، لأن الناس للأسف اعتادت على الدماء والعنف بعد تشبعهم بجرعات مكثقة منها الفترة الماضية، وأيضاً لأنه أصبح هناك ضخ للصور المؤثرة من كل الأطراف، لكن الأكثر فعالية الآن هو قوة المعلومة الموثقة.

إلا أنّ ثمة سؤال يطرح نفسه:

كيف سينجح المعارضون في سعيهم.. بينما هم ليسوا على وفاق؟

يرد الدكتور «طلعت فهمي» بقوله: أتصور أن الجماعة بعد «الانقلاب» ستكون أكثر حرصًا على التوافق بين كافة القوى الشعبية على الوصول إلى مساحات التقاء في إدارة دفة البلاد، في إطار من الاحتواء المتبادل من الجميع والتخلص الكامل من عهد الإقصاء والتخوين. أما ما يتعلق بعودة «الرئيس مرسي» فقد سبق أن وافق الرئيس على إجراء انتخابات مبكرة قبل «الانقلاب». ورفَض «الرئيس مرسي» بقوة ومازال التنازل عن «الشرعية» في ظل غياب مؤسسات منتخبة بديلة وإلا كان البديل هو أن تتنقل السلطة من الشعب إلى المؤسسات الأمنية وهو ما حدث بعد «الانقلاب» بالفعل.

رغم إبداء الحرص على التوافق، إلا ان ما يقلق المعارضين من غير الإخوان المسلمين هو تمسك الجماعة بعودة الرئيس المعزول محمد مرسي. يقول محمد القصاص: إن جماعة الاخوان التي مارست الحكم لمدة عام وترى نفسها صاحبة الحق فيه، لن يكون من السهل التفاوض معها بسبب التمسك بعودتها للحكم. هناك أزمة ثقة بين الأحزاب تتسبب في فشل التفاهم بينهم.

لكن القصاص يعلق أملًا على انتهاء ازمة الثقة بالزمن، قائلًا: لا يظل حزب على موقف واحد دائمًا، والأحداث تجبر الجميع أن يقتربوا من بعضهم ويفكروا.

ويؤكد عبدالرحمن منصور أن هناك جهودًا للدفع نحو وثيقة توحِّد المعارضة، فيقول: سيكون هناك أفق للنقاش. الأمر سيستغرق وقتًا كما يحدث في أي معارضة. كما أن السلطة الحالية تؤسس عاملًا من عوامل نجاح وتوحد المعارضة، فلأول مرة بعد «30 يونيو» يصدر بيان موقع من كل الأحزاب السياسية من اليمين لليسار، كان لرفض اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية الموقعة مؤخرًا.

أواخر  يوليو (تموز) الماضي أعلن الدكتور «عصام حجي» عن مشاركته وآخرين في وضع خطوط عريضة، يمكن من خلالها بناء فريق رئيسي يخوض انتخابات الرئاسة المقبلة المفترض إجراؤها عام 2018، ولم تتضح بعد ملامح الفريق والمشاركين فيه، لكن حجي أبدى استعداده للتعامل مع كل الاتجاهات والتيارات.

هذا الطرح قُوبل بالرفض من قبل كثير من المحسوبين على المعارضة، والتشكيك في جدواه، والتساؤل عن مدى أهلية حجي لإطلاق مثل هذه المبادرة، خاصة أنه يأتي من خلفية علمية وليست سياسية، فهو متخصص في علوم الفلك ويعمل في وكالة ناسا لأبحاث الفضاء.

في ظل الحديث الحذر عن تقارب المعارضة.

هل يمكن أن يحدث اتفاق على أرض الواقع؟

يجيب الدكتور وحيد عبد المجيد: المسألة متعلقة بالوعي العام ومدى تطوره، قد يحدث هذا في لحظات أو سنوات أو عقود وهي مسألة تحكمها عوامل كثيرة، ماعدا ذلك لا يمكن توقع ما سيحدث. لكن في لحظة ما، لابد أن يشعر الناس أنهم خارج إطار التاريخ وينبغي أن يعودوا إليه، ويستحدثوا تنافسًا حرًا على أساس البرامج لإعادة بناء بلد مهدم من كل جوانبه. فإن كان المعارضون موجودين سيبحثون عن توافق، أو يكون قد صعد جيل جديد يرتب الأمور من جديد.

يمكن تشبيه المعارضين بفريق لكرة القدم يسعى للتغلب على التحديات والسعي إلى الفوز بالمباراة.  كل ﻻعب يريد أن يفوز فريقه بالمباراة لكنه في المقابل حريص على أن يكون هو محرز هدف النصر.

عرض التعليقات
تحميل المزيد