يظهر مع مرور الوقت اقتراب البرلمان المصري من السلطة التنفيذية أكثر من كونه مراقبًا لها، ولا يسمح البرلمان بأصوات تغرد «ولو قليلًا» خارج سرب التأييد، لينشغل بمعارك يراها البعض فرعية بالنسبة للشعب مع الصحافة والأعضاء غير المرضي عنهم، ممررًا قوانين وقضايا هامة ومثيرة للجدل جاءت اتساقًا مع رغبات السلطة التنفيذية، في نظر البعض.

في مبنى المخابرات تشكل البرلمان

في خضم الانتخابات البرلمانية، كثر الحديث والتكهنات حول تدخل الأجهزة الأمنية والسيادية في تشكيل البرلمان المصري، كي تضمن دعم أغلبية أعضاء البرلمان للسلطة التنفيذية، ليلعب البرلمان دور الداعم للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وسلطته التنفيذية أكثر من كونه مراقبًا لها .

التكهنات باتت أكثر وضوحًا في نظر البعض، عندما أعلن حازم عبد العظيم، وهو أحد المشاركين في إعداد قائمة «في حب مصر»، والتي تمثل العمود الفقري لائتلاف دعم مصر صاحب الأغلبية البرلمانية، عن تدخل الرئيس وأجهزته الأمنية والمخابراتية في تشكيل تلك القائمة. مما تسبب في انسحابه منها .

وقال عبد العظيم في شهادته التي نشرها تحت عنوان «شهادة حق في برلمان الرئيس» أن اجتماعات إعداد القائمة كانت تدار في مبنى المخابرات العامة، ووصف الانتخابات بـ«غير المحايدة» بسبب «تدخل الرئيس وأجهزته فيها» وقال عبد العظيم: «لم أجد نفسي متوائمًا نهائيًا مع توجه القائمة، وهو الدعم المطلق للرئيس».

أعلن عبد العظيم، عن شهادته مطلع عام 2016 قبل أيام قليلة من عقد البرلمان أولى جلساته، في العاشر من يناير (كانون اثاني) من عام 2016، تلك الجلسة التي انتخب فيها علي عبد العال عضو ائتلاف دعم مصر، رئيسًا للبرلمان.

ويتكون الائتلاف من 317 نائبًا ، بينهم 101 حزبي عن سبعة أحزاب ، و216 مستقلًا، ليشكل الائتلاف بذلك الأغلبية البرلمانية، تلك الأغلبية التي جعلت من البرلمان صوتًا داعمًا للسلطة التنفيذية، ولا تسمح بمن يغرد خارج سرب التأييد قليلًا، بالخوض في التغريد، لينشغل البرلمان في معارك فرعية في نظر البعض، مع من ينتقد دوره ودعمه للسلطة التنفيذية، في الوقت الذي تمر فيه الكثير من القوانين والقضايا العامة الشائكة مرور الكرام على البرلمان، دون مناقشة كافية لها أو لعب دور ملموس في مصلحة المواطن يعارض توجهات السلطة التنفيذية.

البرلمان يمرر قانونًا كل خمس دقائق في دور الانعقاد الأول

مع بداية دور الانعقاد الأول للبرلمان، والذي يبلغ 120 يومًا، وجد البرلمان نفسه أمام مئات القوانين التي أصدرتها السلطة التنفيذية، عقب بيان القوات المسلحة في الثالث من يوليو (تموز) 2013، وبالرغم من أهمية القوانين وكثرتها، أعطى المجلس نحو خمس دقائق فقط في المتوسط لمناقشة القانون قبل تمريره!

إذ وافق البرلمان على 341 قانونًا بعد مناقشتهم خلال 29 ساعة فقط توزعت على 19 لجنة خاصة، و11 جلسة عامة، وهي إشارة دعم واضحة وكبيرة للبرلمان على قرارات السلطة التنفيذية وتشريعاتها,

وفي الوقت الذي لم يتخذ فيه البرلمان خطوات ملموسة في مراقبة السلطة التنفيذية، في ملفات شائكة كارتفاع الأسعار وملف سد النهضة وغاز شرق المتوسط، والتواجد العسكري المصري في اليمن، وصفقات السلاح المصرية، وغيرها من المفات الحيوية، يظل البرلمان منشغلًا برقابة أعضائه غير المرضي عنهم، ورقابة الصحف المنتقدة للسلطة سواء كانت حكومية أو خاصة.

تعاون برلماني حكومي لإسقاط عضوية «السادات»

شهدت أزمة النائب محمد أنور السادات تعاونًا برلمانيًا وحكوميًا ضد السادات لإسقاط عضويته في المجلس، في الوقت الذي لم يجد فيه السادات ذلك التعاون البرلماني الحكومي معه أثناء ترؤسه للجنة حقوق الإنسان في البرلمان.

فبعدما فاز السادات برئاسة لجنة حقوق الإنسان في البرلمان، لم يستمر على رأسها طويلًا، فمع منتصف دور الانعقاد الثاني للبرلمان بدأ الخلاف بين السادات وعبد العال، عندما اتهم السادات رئيس المجلس بإعاقته عن أداء دور اللجنة، الأمر الذي دفع عبد العال لمنع مساعدي السادات من دخول البرلمان، في واقعة وصفها السادات بـ«سابقة برلمانية».

وفي 30 أغسطس )آب) الماضي، تقدّم السادات باستقالته من رئاسة اللجنة لـ«عدم تعاون رئاسة المجلس وأمانته والحكومة معه» على حد وصف السادات، الذي لفت إلى وجود خلاف شخصي وتحفز من عبد العال تجاهه.

بدورها، تقدّمت وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي بمذكرة ضد السادات تتهمه فيها بالتواصل مع جهات أجنبية، للإضرار بمصالح المجلس، المذكرة استغلها عبد العال الذي حوّل السادات إلى التحقيق في تلك المذكرة.

وفي اليوم التالي لتصريح السيسي الشهير الذي أكد فيه فقر مصر بتكراره عبارة «إحنا فقرا أوي»، سأل السادات عبد العال عن إنفاق 18 مليون لشراء ثلاث سيارات ملاكي للمجلس، لم تكن مدرجة في مشروع موازنة المجلس قبل انعقاده، مضيفًا: «كيف نقنع المواطنين بتحمل إجراءات التقشف وخطة الإصلاح المالي والاقتصادي بينما ينفق مجلسهم المنتخب بهذا البذخ واللامبالاة على مظاهر لا علاقة لها بعمل المجلس ومتطلباته.

https://www.youtube.com/watch?v=Bb15DnA6-EM

وكشفت تلك التساؤلات معلومات تكشف ولأول مرة، ومثلت تغريدًا خارج السرب، الأمر الذي عجّل كما يبدو من إجراءات التحقيق مع السادات تمهيدًا لإقصائه، فبعد أسبوع فقط من تلك التصريحات، وتحديدًا في الخامس من فبراير (شباط) الماضي، بدأت لجنة القيم بالمجلس في التحقيق باتهامات وزارة التضامن الاجتماعي المقدمة ضده.

وبعد أقل من أسبوع أوصت لجنة القيم بإسقاط عضوية السادات، محيلة تقريرها للجنة التشريعة التي أوصت هي الأخرى بإسقاط عضوية السادات، الذي اعتبر أن ذلك القرار «معد منذ فترة» .

وفي الجلسة العامة التي عقدت، يوم 27 فبراير (شباط) الماضي، وافق المجلس بأغلبية تعدت الثلثين على إسقاط عضوية السادات، بعد موافقة 468 نائبًا، وامتناع أربعة عن التصويت، ورفض ثمانية، من بينهم النائب السيناوي حسام رفاعي، الذي طرده عبد العال بعد رفضه إسقاط عضوية السادات.

وتعليقًا على إجماع البرلمان على إسقاط عضوية السادات قال عبد العظيم إن البرلمان ينفذ الأوامر التي تصله من الرئاسة بإطاحة أي صوت يعارض الحكومة أو الرئيس.

البرلمان يقرر تقديم بلاغ في إبراهيم عيسى

استكمالًا لمعارك البرلمان الفرعية، وافق البرلمان في اليوم التالي لاسقاط عضوية السادات على تقديم بلاغ للنيابة العامة ضد الصحافي إبراهيم عيسى، لاتهامه بالإساءة للبرلمان.

وجاء قرار البرلمان، بعدما تصدر الصفحة الأولى لجريدة المقال، التي يرأس تحريرها إبراهيم عيسى، انتقادًا للمجلس معتبرًا إياه يستحق جائزة أوسكار لأفضل فيلم «كارتون» ، وفي الصفحة الأولى أيضًا اعتبرت الصحيفة أن البرلمان والقنوات الفضائية من إخراج جهاز الأمن الوطني.

وجاء في الصفحة الأولى للصحيفة «جائزة الأوسكار تذهب إلى شريف اسماعيل عن دور أفضل ممثل عن تمثيله دور رئيس الوزراء، وجائزة أفضل فيلم لتعويم الجنيه، والبرلمان عن أفضل فيلم كارتون، وجائزة أفضل إخراج لجهاز الأمن الوطني لإخراجه البرلمان والقنوات الفضائية، وجائزة أفضل خدع سينمائية لتجديد الخطاب الديني».


واعتبر عبد العال تلك العبارات جرائم «طبقا لقانون العقوبات» وقال إنه يحمي المجلس، ولفت إلى أن ابراهيم عيسى دأب على «إهانة المجلس» ، وهو ما أكد عليه النائب مصطفى بكري، والنائب مرتضى منصور الذي تقدم بمقترح تقديم البلاغ ضد ابراهيم عيسى ووافق عليه المجلس.

معركة البرلمان مع الأهرام

لا تتوقف معارك البرلمان الفرعية مع أحد الصحف الخاصة فقط، وإنما امتدت لصحيفة الأهرام الحكومية الرسمية نفسها، ليبدأ التلاسن وتبادل الاتهامات بين عبد العال، ورئيس مجلس إدارة الأهرام السيد النجار.

وفي أحد تغطيات الأهرام التي يبدو أنها أزعجت رئيسه عبد العال، ذكرت الصحيفة الحكومية أن عبد العال أهان اللغة العربية بـ165 خطأ لغويًا خلال كلمته التي ألقاها في ذكرى مرور 150 عامًا على الحياة البرلمانية في مصر، ورصدت الأهرام متوسط أخطاء لغوية في كلمة عبد العال يبلغ تسع أخطاء في كل دقيقة.

وفي نفس الجلسة البرلمانية، التي اتخذ فيها البرلمان قرارًا بإسقاط عضوية السادات، هاجم عبد العال الأهرام، واتهمها بـ«تشويه الحقيقة» بسبب موقفها من أزمة السادات، وقال عبد العال «(الأهرام) تهاجم البرلمان رغم أننا بنصرف عليها»، ولفت عبد العال إلى امتلاك مؤسسة الأهرام لشركات وجامعات «لكنها للأسف الشديد ابتليت بإدارة ربما لا تديرها طبقًا للمعايير الاقتصادية».

ودفعت تصريحات عبد العال، إدارة الأهرام لإصدار بيانًا، الثلاثاء الماضي، أكدت فيه مهنيتها، ولفتت مؤسسة الأهراف في بيانها أيضًا إلى أن تصريحات عبد العال بشأن أداء المؤسسة المالي تعكس عدم العلم بأي شيء عن هذا الأداء».

مماطلة البرلمان في عودة الشوبكي

في 27 يوليو (تموز) الماضي، أصدرت محكمة النقض المصرية حكمًا واجب النفاذ يقضي ببطلان عضوية النائب أحمد مرتضى منصور، وفوز منافسه عمرو الشوبكي في انتخابات العجوزة عن دائرة الدقي العجوزة، بعدما أثبتت المحكمة حصول الشوبكي على أصوات أكثر من تلك التي حصل عليها منصور بعد إعادة فرزها.

وعلى الرغم من مرور أكثر من سبعة أشهر على حكم المحكمة، إلا أن المجلس اكتفى بإسقاط عضوية منصور، دون تصعيد الشوبكي محله حتى الآن، وهو ما اعتبره مراقبون مماطلة من البرلمان في تصعيد الشوبكي، وربطه البعض بموقف الشوبكي الأقل دعمًا للنظام المصري من منصور.

عرض التعليقات
تحميل المزيد