موتانا لا يموتون بالفعل، حتى نقرر نسيانهم. – جورج إليوت

كما يقول الفيلسوف الروماني الشهير، شيشرون، فإن الموتى ينتقلون إلى ذاكرة الأحياء، وعندما سقطت الطائرة المصرية المنكوبة منذ أيام، فجر 19 مايو (أيار) الحالي، وفي خضم البحث عن أسباب سقوطها، واختفائها المفاجئ، ونشر تصريحات المسؤولين من جميع الأطراف، ومتابعة جهات البحث والإنقاذ، بدا مُهمًّا أن تُوثّق القصص الشخصية عن حياة هؤلاء الضحايا، توثيقًا لهم هُم، بعيدًا عن ضوضاء الكارثة.

1- وداعًا أحمد

في وقت آخر، ربما لم تكن لتسمع عن مدينة أميان الفرنسية، أخبر أحدًا بها ولن يعرفها على الأرجح، وسيتذكرها المتخصصون من ناحية المعاهدة السياسية الشهيرة باسمها، لكننا الآن، وفي هذه الأيام تحديدًا، سنكتشف للمرة الأولى أن هناك ما يجمع بين أميان، والقاهرة، والجامعة الأمريكية، و«بروكتر وغامبل- P&G»، عملاق الصناعات الاستهلاكية الأول عالميًّا، والطائرة المصرية المنكوبة؛ رابط يجمع بين كل ذلك بمعجزة ما، متمثل في شخص مصري، ودّعناه ضمن الذين فقدناهم بالأمس.

رجل الأعمال المصري أحمد هلال

على موقع فرعي للجامعة الأمريكية في القاهرة على الإنترنت، عام 2008، سنجد صفحة بها سير ذاتية مختصرة، لـ 27 شابًا وفتاة، من أفضل خريجي الجامعة، يُعرّفنا بهم الموقع كمتحدثين في مُؤتمر «CareerMart» السنوي، الذي تقيمه الجامعة لطلبتها كل عام، وتدعو فيه عددًا محدودًا من أنجح الشباب المصري، في كل المجالات، من خريجيها أو خريجي الجامعات الأخرى، لينقلوا خبراتهم لطلبتها وللآخرين.

في هذا العام سنجد سيرةً ذاتيةً مصغرةً لشاب مصري، يدعى أحمد هلال، تخرج في كلية الهندسة عام 2000، قسم الهندسة الميكانيكية، مع تخصص إضافي بالهندسة الصناعية، ليعمل مباشرةً كمدير تنفيذي لخط من خطوط تعبئة منتجات «P&G» المصري، المنتجات الخاصة بالأقمشة والرعاية المنزلية، إحدى أهم فئات منتجات العملاق الأمريكي، الذي يتمتع بإحدى أعلى نسب التنافسية العالمية، حيث تقبل أقل من 1% من المتقدمين للعمل بها سنويًّا.

لم يتوقف أحمد عند هذا الحد، عامان آخران كانا كفيلين بإيصاله إلى منصب مدير العمليات للخط الرئيسي، ثم عام آخر ليصل في 2003 إلى منصب مدير قسم التعبئة بالكامل، أحد أكبر وأضخم أقسام تعبئة الشركة على مستوى العالم، ثم عامين آخرين ليصبح في 2005 مدير مجموعة تعبئة «Fabric & Home Care» بالكامل، من أكبر مجموعات الشركة في أفريقيا والشرق الأوسط.

في عام 2014 عرفت مدينة أميان، المركز الصناعي الرئيسي لمنطقة بيكاردي، ركودًا بعد إغلاق مصنع «جوديير» للإطارات والمطاط، وهو من أكبر مصانع المدينة، إلا أنّ النمو الاقتصادي لشركة «P&G» في المدينة، وخطوط إنتاجها الصناعية، عوضا جزءًا كبيرًا من ذلك، باستثمارات بلغت مئات الملايين من اليورو، و1019 موظفًا، و209 عمال مؤقتين، وخطوط إنتاج جديدة، لتصبح الشركة هي الأكبر في المدينة، وبالتالي المنطقة، وكان أحمد هلال يُدير كل ذلك.

على موقع المدينة الرسمي، قدمت أميان تعازيها الحارة لأسرة المدير العام، المصري أحمد هلال، البالغ من العمر 40 عامًا، والذي كان من بين ضحايا الطائرة المصرية المنكوبة. «هذه لحظات بالغة الصعوبة لكل طاقم الشركة، في أنحاء العالم»، هكذا نعاه المتحدث الرسمي لشركة «P&G».

 

2- محمود منصور.. الحالم بالطيران من قريته للعالم

ظل حُلم محمود يراوده دائمًا، الطفل ذو العشرة أعوام، يحلُم كُلما لمحت عيناه طائرة مُحلقة، في سماء قريته الصغيرة -العزازي، بقرية مركز أبو حماد بالشرقية- بالتحليق حول العالم، الذي لم يعرف من دوله إلا القليل، هو محصلة ما تعلمه في مدرسته الابتدائية بقريته التي قضى فيها ثلاثة عقود من عمره.

تحقق حلم الشاب القروي، محمود السيد منصور، في نهاية العقد الثاني من عمره، بالالتحاق بشركة مصر للطيران، بعد نجاحه في تجاوز امتحان اللغات، وقد تطلب منه هذا الاختبار التفرغ عامين كاملين، لدراسة بعض مفردات الإنجليزية، كي يُقبل في شركة مصر للطيران.

موظف أمن بشركة الطيران محمود منصور

عُين محمود كموظف للأمن بشركة مصر للطيران، منذ عام 2008، وكانت مُهمته مرافقة الطائرات مسؤولًا عن الأمن داخلها، مع أمل في تحقيق حُلم آخر، وهو أن يُصبح مسؤولًا عن أمن طائرة يقودها نجله أحمد، ذو الثلاثة أعوام.

أخذت حياة محمد طابع الاستقرار، بمنزل جديد داخل قريته، مع زوجته وثلاثة من أبنائه، أسماء ذات الثمانية أعوام، في الصف الثاني الابتدائي، وأحمد في الثالثة من عمره، وإيمان البالغة عامين، مُحاولًا تعويض أبنائه بتعليم جيد، يؤهلهم فيما بعد لشغل أماكن مرموقة، في مستقبلهم الذي مثل الشغل الشاغل له، وأكبر دافع للقلق في حياته.

اعتاد محمود، خلال فترة عمله بالشركة، الاتصال بعائلته قبل الصعود للطائرة، ومن ثم إغلاق هاتفه. يتذكر أخاه الأكبر -العامل مشرف أمان صناعي بإحدى شركات الإسكان والتعمير- آخر مكالمة بينه وبين شقيقه، فيما قبل رحلة الطيران الأخيرة: «آخر مرة كلمته كان قبل الرحلة مباشرة، واطّمن فيها على العائلة. هو متعود على مكالمتنا قبل أي رحلة، لأنه بيقفل المحمول أول ما يطلع الطيارة».

ويُضيف شقيقه: «كان بيحب الحياة، دؤوب في شغله، قليل الكلام، يحب الخير للجميع، وساعي في حل مشاكل القريبين منه».

3- ريهام وأحمد.. حرب السرطان التي انتهت في المتوسط

مع انتهاء العام الجاري، يكون قد مر على زواج الطبيب الصيدلي، أحمد العشري، وزوجته، ريهام مُحسن، تسع سنوات كاملة، زمنٌ كفل لكليهما قدرًا عظيمًا من المحبة والود، وتجاوزا خلاله صعابًا، منحتهما دائمًا، أملًا حياتيًا يناسب ما كان بينهما، زمن ربما بدا قصيرًا على مرمى البصر، لكن أثره كبير.

ريهام وأحمد مع أطفالهما

الزوجُ طبيب صيدلي، وُلد في مدينة المحلة الكُبرى بمحافظة الغربية. بدأ عمله مندوب مبيعات لشركة أدوية، قبل أن يتمكن من إنشاء مخزن صغير للأدوية، تحوّل بعد فترة إلى شركة توزيع. ومع هذا النجاح في مسيرته المهنية، كان حُبه لريهام أيضًا ناجحًا.

باع أحمد بيته وسيارته، واستعان ببعض المدخرات المالية التي كان يُوفّرها، لعلاج زوجته ريهام (27 عامًا)، المعيدة بكلية الهندسة، في إحدى الجامعات الخاصة. مرض ريهام كان السرطان، والأمل كان في إجراء عملية استئصال للورم الخبيث. وعلى مدار أكثر من شهر، رافق أحمد زوجته ريهام في كُبرى مُستشفيات العاصمة الفرنسية باريس، حتى انتهت الرحلة بعملية استئصال ناجحة، وأصبح بإمكان الزوجين استكمال حياتهما بشكل طبيعي مع صغارهما الثلاثة.

يحكي حسن عبد الغفار، أحد زملاء ريهام في العمل: «كانت إنسانة ودودة، منتمية لعائلتها الصغيرة انتماءً شديدًا. انتماء وحبّ كانا يظهران في حديثها المستمر عن زوجها، ونجاحه في مشاريعه الطبية». بحسب عبد الغفار، فإن إصابة ريهام بالمرض أصابها بالحزب الشديد الذي انعكس على حياتها، مع مُحاولاتها إخفاء ذلك.

حين ذهب الزوجان لباريس، بغرض علاج ريهام، تركا أطفالهما الثلاثة مع والدة أحمد. ولم يكن الأطفال على علم بمرض والدتهم، ولا بحقيقة رحلة العلاج، على أمل في أن تعود إليهم بصحة مُتحسّنة، لكن ريهام وزوجها كانا من ضحايا الطائرة المنكوبة.

4- وطاقم مضيفات ذهب ولم يعد

في رحلتها الأولى، بعد توليها منصب «رئيس طاقم الضيافة»، وفي ساعات قليلة أمضتها في باريس، لم تترك ميرفت زكريا زكي، كبيرة مضيفات الطائرة المصرية المنكوبة، نفسها للسعادة كثيرًا، إذ كان لمرض والدتها بالغ الأثر فيها؛ لذا كان اتفاقها مع شقيقتها، أن يكون أول ما ستقوم به عقب عودتها إلى القاهرة، زيارة والدتها، وعلى هذا حددت الموعد مع عائلتها، في اتصالها الأخير بهم.

يقول محمود حمد، ابن خالة ميرفت، لـ«ساسة بوست»: «اتفقت أن تتقابل مع أختها عند خالتي المريضة، بمجرد وصولها إلى القاهرة. كانت قلقة جدًّا عليها». رحلت ميرفت مع ضحايا الطائرة قبل أن تطمئن على أمها، تاركة ابنتها الوحيدة مريم، الطالبة في السنة الأخيرة بالجامعة الأمريكية في القاهرة. «كانت مريم كل حياتها، بعد وفاة زوجها. الآن مريم مُنهارة جدًّا، وأيضًا خالتي، والجميع» كما يقول محمود.

ميرفت أثناء رحلة عمرة

لميرفت مسيرةٌ فنية محدودةٌ جدًّا، اقتصرت على دور صغير في المسلسل المصري «أبو العلا البشري»، جسدت فيه شخصية هالة عوض، نجلة الفنانة كريمة مُختار في المسلسل. لم تُكمل ميرفت في المجال الفني، وانتقلت للعمل مُضيفة طيران.

سمر عز الدين، زميلة ميرفت، عُرف عنها قلقها الشديد، الذي يُمكن ملاحظته بوضوح في صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، مع ذلك، كانت قوية ومتماسكة في اتصالها الأخير بوالدها، استطاعت أن تُسيطر على قلقها في الاتصال الذي سبق إقلاع الطائرة بدقائق.

يصف والدها هذه المكالمة فيقول: «لم يكن في صوتها أي بوادر توتر، أو ما يوحي بوجود أية مشكلات في الطائرة، بل أكدت أن الطائرة ستصل في موعدها كالعادة»، وربما كانت سمر حريصة على ألا تظهر خوفها وقلقها لوالدها، وهو أسلوبها معه منذ أن بدأت العمل كمضيفة، في شركة مصر للطيران، في مايو (أيار) عام 2014، لكن فتاته الوحيدة المدللة هاتفته بنبرة مختلفة عن تلك التي خاطبت بها صديقتها، هدى هاني، عندما قالت لها سمر في اتصال هاتفي أخير: «ابقي اسألي عن أمي في غيابي»!

الآن يسترجع أصدقاء سمر ذكرياتها ومواقفها معهم، كثيرون أيضًا أخذوا يبحثون عن معلومات عنها، منذ أُعلن عن أنها إحدى ضحايا الطائرة المنكوبة. وفي تتبع للمنشورات الأقدم على صفحتها بفيس بوك، يتضح أن سمر المولودة في منطقة حدائق القبة بالعاصمة المصرية القاهرة، عام ١٩٨٩، وضعت أربع صور لمضيفة طيران، تجر حقيبتها، وهي خارجة من الماء، وخلفها طائرة مُحطمة. وحين تسلمت عملها في شركة مصر للطيران، جعلتها صورة حسابها الشخصي، ثُم كررت الأمر في يونيو (حزيران) 2015، وثالثًا في يناير (كانون الثاني) الماضي، وأخيرًا في مارس (آذار) الماضي. «كان لديها إحساس شديد، بأنها ستموت بتلك الطريقة»، كما قال صديقها تامر عبده أمين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد