الشرطة هيئة مدنية نظامية في خدمة الشعب، وولاؤها له، وتكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن، وتسهر على حفظ النظام العام والآداب العامة، وتلتزم بما يفرضهُ عليها الدستور والقانون من واجبات، واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل الدولة أداء أعضاء هيئة الشرطة لواجباتهم، ويُنظِّم القانون الضمانات الكفيلة بذلك. * الدستور المصري، مادة 206.

الكثير من السياسيين، والمحللين والكُتَّاب والمراكز البحثيَّة، مصريين وأجانب تحدثوا في تحليلاتهم عن أسباب ثورة 25 يناير 2011. كان العنف المتزايد، والفساد، والقهر المتعمد من قبل أفراد الشرطة المصرية لأفراد الشعب أحد أبرز هذه الأسباب. اختلفت زوايا تحليلهم بين الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، لكنَّهم اتفقوا أنَّ قمع الشرطة المصرية للشعب كان المسمار الأخير في نعش النظام السابق. في هذا التقرير سرد لتاريخ الشرطة المصرية الحديث وتقلبات العنف وتغيرات سلوك رجال الشرطة مع المواطن ومع الحراك السياسي والاجتماعي الذي يحدث طوال الوقت. فهل كانت الشرطة هكذا طوال تاريخها؟

الداخلية قبل الدولة المصرية الحديثة

“لا تتخذ من أفراد الشعب عبيدًا، يجب أن تراعي من لا تعرفهُ كمن تعرفه، والحاكم الذي يسير على هذا النهج يصيب النجاح في الإدارة” * من تعاليم الملك في مصر القديمة للوزير الأول الذي كان يرأس نظام الشرطة كذلك.

ترجع أصول تأسيس الشرطة المصرية إلى آلاف بعيدة من السنوات، في عصر الأسرة الفرعونية الأولى كان جهاز الأمن المصري أعرق مؤسسة أمنية في العالم بأسره. لكنَّ طبيعة التاريخ المصري متقلبة، الكثير من فترات الاحتلال والغزاة، بالتالي فقد تغيَّر نظام الأمن مرارًا، وأحيانًا كان جهاز الأمن من غير المصريين كذلك. في فترات كثيرة من التاريخ المصري كانت مهمَّة الأمن تُوكل لمتطوعين يتلقون أجرًا لقاء عملهم، لم تكن الحكومة هي المسؤولة عن الأمن في هذه الفترات، أصحاب الأطيان والتجار كانوا يدفعون رواتب المتطوعين لحفظ الأمن.

تطور مفهوم “الأمن الداخلي” للبلاد عبر التاريخ. فسُمِّيَت الشُّرطة المصرية أسماء عديدة، فمن “العسس” أثناء خلافة عمر بن الخطاب إلى “الشُّرطة” في خلافة عثمان بن عفَّان، ويعتبر لفظ الشُّرطة أكثر الألفاظ انتشارًا رغم قدمه. سميت الشرطة كذلك تسميات عدة مثل “الخفر والبصاصين”.

تحمل كتب التاريخ عدة نماذج لتعامل الشرطة الراقي مع المواطنين المصريين في العصور القديمة. في عهد رمسيس الثالث قامت أعداد كبيرة من العمال بتنظيم إضرابات واعتصامات عديدة، في أحد هذه الاعتصامات وبعد وصول الشرطة؛ طلب العمال من رئيس الشرطة أن يستمع إلى مطالبهم. استمع رئيس الشرطة إلى مطالب العمال ووقف في صفهم، قام برفع شكواهم إلى الملك وسعى لتحقيقها، لم يترك رئيس الشرطة العمَّال حتى تم صرف أجورهم المتأخرة.

يمكن التأريخ لبداية التعذيب في مقار الشرطة بمصر أثناء العصر العباسي الأول، فقد انتشر تعذيب المواطنين لحملهم على الاعتراف بالجرائم، كان هذا التعذيب “البسيط”. أمَّا التعذيب الآخر كان من نصيب الأعداء السياسيين. ظلَّت الشرطة تتقلب مع تقلب الحِقب التاريخية والسلطات الحاكمة في مصر، حتى وصلت للحكم العثماني، ومع وصول العثمانيين للحكم في مصر تشكَّلت قوات الشرطة من جند “الإنكشارية”. بشكلٍ عام قام الإنكشارية بنهب أموال التُّجَّار واستخدام سلطتهم إلى أبعد الحدود من العنف والسلب والنهب، ولم يستطع أحد الوقوف أمام ظلمهم، حتى كان عصر محمد علي وبناء مصر الحديثة.

ما قبل الجمهورية وشرطة الاحتلال

محمد علي بك

كان هناك نوعان من الأمن، الأمن الداخلي وهذا مهمَّة الشرطة، والأمن الخارجي وهو مهمَّة الجيش، كثيرًا ما حدث تداخل بين المهمَّتين في العصور القديمة. رفع محمد علي بك رتبة التنظيم الأمني إلى “ديوان”، أسماهُ “ديوان الوالي” ليضبط الأمن ويفصل في المنازعات بين الشعب. في عهد محمد سعيد باشا والي مصر رفع ديوان الوالي إلى مستوى النِّظَارة، فصارت “نظارة الداخلية” هي المؤسسة المسؤولة عن الأمن الداخلي رسميًا وأصبح رئيس النظارة يسمى “ناظر الداخلية”. حين أعلنت الحماية البريطانية على مصر في القرن التاسع عشر تم رفع لقب ناظر الداخلية إلى وزير، فأصبح وزيرًا للداخلية.

سيطرت قوات الاحتلال، الفرنسي ثم البريطاني؛ على مؤسسة الشرطة، واستخدمتها لقمع المواطنين، وقمع الخصوم السياسيين، هذا ما تقرره الباحثة بسمة عبد العزيز:

لم يختلف الأمر بالنسبة للشرطة كثيرًا بعد مجيء الحملة الفرنسية على مصر، ثم بتعرضها لاحقًا للاحتلال البريطاني، فقد ظلَّ قمع المواطن لصالح الحاكم هدفًا واحدًا لا تحيد عنهُ السلطة، فرض الفرنسيون وجودهم على رأس الشرطة، وعينوا مأمورًا فرنسيًا على رأس كل قسم من أقسام القاهرة، ومارسوا جميع أنواع التنكيل بالمصريين. وهناك أحداث كثيرة ذائعة الصيت تدل على مدى الوحشية التي تعاملوا بها مع المصريين خلال سيطرتهم على الجهاز الأمني.

وللتدليل على وحشية الشرطة أثناء الاحتلال البريطاني تذكر الباحثة قول الرحالة بيرتون:

إن المرء في مصر إذا تعامل مع ضُبَّاط الشرطة أو دخل مركز الشرطة لأي أمر، فلا بُدَّ أن يضربهُ الضابط أو المسؤول على “قفاه” حتى قبل أن تثبت عليه التهمة.

الشرطة المصرية تعتقل امرأتين من الشارع أثناء احتجاجات على الاحتلال البريطاني، يناير 1952

الجمهورية المصرية

بالمُجمل، كانت مهمَّة حفظ الأمن عبر فترات كثيرة تتبع الوالي (أو رئيس الوزراء). ويكفي أن ندلل على أهمية منصب وزير الداخلية أن نذكر أنَّ ارتباطًا وثيقًا كان يربط بين وزارة الداخلية ورئاسة الوزراء. خمسون وزارة احتفظ فيها رئيس الوزراء بمنصب وزير الداخلية لنفسه إلى جانب رئاسته الوزراء من مجمل 69 وزارة تعاقبت على مصر حتى ثورة 25 يناير 2011.

سعد زغلول وعبد الخالق ثروت باشا وجمال عبد الناصر أشهر من تولى الوزارة. قبل وصول عبد الناصر للرئاسة احتفظ لنفسه بوزارة الداخلية.

سعد زغلول

يطلق لفظ “الجمهورية المصرية” على الفترة التي ألغي فيها نظام الحكم الملكي بعد ثورة يوليو 1952، التي توجت بتحرك الضباط الأحرار، وحتى الآن. وهنا لنسرد السمات العامة التي تميزت بها الداخلية خلال العهود الثلاثة التي سبقت ثورة 25 يناير 2011.

عبد الناصر والإسلام السياسي والشيوعيون

احتفظ الرئيس جمال عبد الناصر لنفسه بوزارة الداخلية قبل أن يصبح رئيسًا. لكنَّ جهاز الأمن في حقبة عبد الناصر يتسم بسمات لم تظهر في العهدين التاليين له. فنتيجة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اتخذها النظام تجاه الشرائح الأكبر من الشعب لم تظهر من الشرطة أية بوادر عنف تجاه المواطن “العادي” والعادي فقط. أما المواطن “السياسي” فقد ذاق ما لم يذقه غيره من رجال الشرطة.

كان الاستعمار البريطاني قد استحدث جهاز “البوليس السياسي” لمطاردة خصومه السياسيين، تم حلّ هذا التنظيم بعد ثورة يوليو ولكنَّ النظام أنشا تنظيمًا جديدًا عام 1968، “مباحث أمن الدولة” الجهاز الذي يحتفظ لنفسه بصورة مريعة في أذهان الشعب المصري. مباحث أمن الدولة مهمته فقط حفظ أمن “الدولة” بالتالي حفظ “النظام الحاكم”. وكل ما عداه يعتبر عدوًا. بشكلٍ عام نال المعارضون (الإسلام السياسي والشيوعيون) النصيب الأكبر من التعذيب الممنهج والعنف الذي لا ينتهي في سجون أمن الدولة.

جمال عبد الناصر

لكنَّ المفارقة أنَّ المواطن العادي لم يصبه من القمع شيء يذكر، ولم يكن يستشعر الحرج في التعامل مع ضباط الشرطة، دخول الأقسام، الشكوى، التبليغ عن النزاعات بكل أريحية، والاحتكام للشرطة، كل هذه كانت مظاهر مشهودة، العجيب في الأمر أنَّ النظام قد أعاد هيكلة الداخلية بشكلٍ ما، فضاعف عدد سنين الدراسة فصارت أربع سنوات بدلًا من سنتين، كذلك أضاف بعض المواد المؤهِّلة للحصول على ليسانس الحقوق، وهو ما تعتبره الباحثة بسمة عبد العزيز تحولًا حقيقيًا في نظرة النظام الأمنية، كما أسلفنا تجاه المواطن “العادي” فقط. أما السياسي فقد نال من التعذيب والعنف الكثير.

انتهت هذه الفترة، لتدخل الشرطة منعرجًا جديدًا من العنف والقمع، في فترة الرئيس الأسبق محمَّد أنور السادات.

السادات: نقيض عبد الناصر

المؤرخون والواقع السياسي يشهد للسادات أنه كان مخالفًا لصديقه جمال عبد الناصر في كل شيء تقريبًا، من الحرب مع إسرائيل والقومية العربية واسترداد القدس إلى انتصار وحيد واتفاقية سلام مع العدوّ، من سياسات اشتراكية إلى انفتاح رأسمالي واسع شمل جميع القطاعات، إلى التخلص من الناصريين والزجّ بهم في السُّجون. لكنَّ مسافات التناقض بين الرئيسين وصلت إلى ما هو أبعد من ذلك، وكأن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي يتبناها كلا النظامين تعود بالتأثير على القطاع الأمني أيضًا.

الداخلية في عهد عبد الناصر تعاملت مع المواطن العادي باحترام لكنها قامت بعمليات تعذيب ممنهج للخصوم السياسيين، في عهد السادات انقلبت الصورة، فأفرج السادات عن الكثير من خصوم النظام السابق لكنَّ القبضة الأمنية زادت على المواطنين. فالسياسات الاقتصادية لم تكن كسابقهِ تستهدف الشرائح الأكبر من الشعب “الفقراء”. بالتالي كان مستوى الرضا على النظام أقلّ، وبالتالي حدثت احتكاكات بين القبضة الأمنية للنظام ممثلة في الداخلية وعامة الشعب.

جمال عبد الناصر والسادات

بدأت تظهر في عهد السادات حالات تعذيب لمواطنين للاعتراف “بجرائمهم السياسية” رغم أنهم لم ينتموا لأي تنظيم أو فصيل سياسي، كذلك شهد عهد السادات تجرؤًا من المواطنين على الشرطة كرد فعل على العنف الأمني. فقام الجماهير في منطقة السيدة زينب بمهاجمة القسم الذي كان في وقتٍ سابق احتجز بعض “الجزارين” وعاملهم معاملة سيئة، فقام الجماهير بالهجوم على القسم. من هنا كان التعامل الأمني مع المواطن “السياسي” جيدًا باعتبار أن أعداء النظام السياسيين لم يكونوا كثرًا كالنظام السابق، لكنَّ عنفًا متزايدًا من قبل الشرطة كان قد بدأ في مواجهة المواطن العادي.

في نهاية حقبة السادات اندلعت انتفاضة الخبز عام 1977، ما كان ضربة قوية للنظام الذي وعد الناس بالرفاهية. لم تستطع الشرطة أن تُخمد الانتفاضة فنزل الجيش بدباباته لفرض الأمن وضبط الشارع. بعدها بثلاث سنوات بدأ السادات حملة اعتقالات واسعة نالت كل أطياف المعارضة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين وصلت في سبتمبر1981 لثلاثة آلاف حالة اعتقال. ورغم عدد المعتقلين الكبير في تلك الفترة والذي تجاوز عدد معتقلي عبد الناصر إلا أن حوادث التعذيب كانت قليلة ولم يُسَجَّل الكثير من حوادث التعذيب كما في حقبة عبد الناصر. انتهت حملة السادات باغتياله عام 1981 لتدخل الشرطة المصرية بعد اغتياله مرحلة أخرى، شائكة، مظلمة، وعنيفة بشكلٍ غير مسبوق.

صورة لحريق القاهرة في يناير 1977

حسني مبارك: لا صوت يعلو فوق صوت الداخلية

بعد فشل الشرطة في قمع احتجاجات انتفاضة الخبز (1977) أنشأ النظام تنظيم الأمن المركزي، الذي وصلت أعداد أعضائه 500000 مجنَّد!

الشرطة في عهد الرئيس الأسبق المخلوع محمد حسني مبارك تورطت فيما لم تتورط فيه سابقًا، حفلات التعذيب والعنف الممنهجة تجاه نوعين من المواطنين:

المواطن السياسي.
المواطن الطبيعي.

بطبيعة الحال قد يعتبر البعض أنَّ العنف تجاه المواطن السياسي مبررٌ بشكل من الأشكال لأن النظام يحاول أن يحافظ على وجوده، لكنَّ الذي لا يُبَرَّر السلوك العنيف والقاسي تجاه المواطن المصري العادي. النظام، حسب المفكر سامر سليمان؛ اعتمد في وجوده على ركنين رئيسيين: المنظومة الأمنية ممثلةً في وزارة الداخلية ورجال الأعمال. ورغم هذا مرت الداخلية في هذه الحقبة بأكثر من مرحلة.

الأمن المركزي

باغتيال السادات كانت شهادة اعتماد عداء التيارات الجهادية والجماعة الإسلامية للنظام وللدولة بشكل واضح، وستدخل الدولة معها في حرب كاملة خلال الثمانينات والتسعينات. يستطيع القارئ للأحداث أن يبرر للدولة حربها على ما سمته حينها “الإرهاب” ولكنه لن يستطيع أبدًا أن يتفهم حفلات التعذيب والعنف الواسع على أهالي هؤلاء “الإرهابيين”. كانت الشرطة تتعامل مع أهالي هؤلاء الأفراد كمتهمين أيضًا، اتخاذ بعضهم كرهائن، تهديدهم بإيذاء النساء (الزوجة أو الأمّ) كل هذه ممارسات رصدتها مراكز حقوق الإنسان.

بالجملة تعرض أكثر من وزير داخلية لمحاولات اغتيال عديدة من قبل التيارات الجهادية، وقد عُزل وزير الداخلية الأسبق زكي بدر بسبب تسريب تسجيل صوتي له وهو يسب بألفاظ قاذعة مثقفين ومفكرين مصريين، ما يعني أن عنف الداخلية لم يكن تجاه “الجهاديين” فقط.

New Egyptian interior min Gen Zaki Badr

عرف وزير الداخلية زكي بدر بألفاظه اللاذعة، ما كان سببًا في إقالته

الشيء الآخر الذي لن يستطيع أحد أن يبرره؛ الحملات العقابية المتزايدة والواسعة التي كانت الداخلية تشنها على قرى ونجوع كاملة. في العام 1998 اعتدى أحد افراد الشرطة على سيدة من قرية “النزلة” فقام بعض من صبية القرية بالدفاع عنها، لكنّ المؤسسة الشرطية لم ترض أن يحاول أحد المواطنين الدفاع عن سيدة ضد ضابط الشرطة الذي من المفترض به حمايتها. تعرضت القرية كاملةً إلى حصار من قبل الشرطة أشعلت النيران في منازل بعض الأهالي وتم تخريب محال التجار، أطلقت القنابل المسيلة للدموع وكبسولات الرش. هذا الكابوس تكرر كثيرًا في التسعينات وبداية الألفية. عام 2005 في قرية سراندو تعدى أحد الضباط على سيدة وأنهى حياتها، الحوادث متكررة ويمكن إحصاء حوالي ما يقرب من عشر حملات على الأهالي في قراهم بشكل واسع وعنيف، بإشعال النيران واقتياد الرجال والنساء إلى الحبس دون وجه حق ودون توجيه تُهم.

شهدت كذلك الداخلية في تلك الفترة ارتفاع ميزانيتها، فرجال الأعمال يتحصن بهم النظام في مواجهة العقبات الاقتصادية التي يواجهها بتوسيع الاستثمار، ورجال الأعمال يستفيدون من تسهيل المشروعات والتسهيلات الأمنية الأخرى ـ يجب أن نذكر هنا أن الوزير السابق حبيب العادلي كان متهمًا بعد ثورة يناير 2011 في قضية تربُّح بأربعة ملايين جنيه أثناء وجوده في المنصب. تصاعد دور الداخلية وتراجع دور الجيش، بل إن ميزانية الداخلية قد شهدت ارتفاعًا كبيرًا جدًا في مواجهة تقليل النفقات الخاصة بالجيش. بالطبع يمتلك الجيش موازنة خاصة به، ولكن شهدت تلك الفترة زيادة ملحوظة في ميزانية الداخلية على حساب الجيش.

انتشر في العقد الأول من الألفية الجديدة الكثير من الفيديوهات لضبَّاط الشرطة وهم يقومون بتعذيب المواطنين في المعتقل. في أحد هذه الفيديوهات يظهر الضابط وهو يهتك عرض أحد “المتهمين”. تمت محاكمة هذا الضابط بثلاث سنوات سجن فيما بعد،


بالنسبة للعنف السياسي، فقد أطلقت قبضة الداخلية على جميع معارضي النظام، فضّ الاعتصامات والإضرابات، القبض على النشطاء السياسيين، تعذيب مواطنين لسحب اعترافات بأعمال سياسية لم يقوموا بها أبدًا، تزوير الانتخابات، كانت كل هذه الأعمال موكلة للداخلية للتعامل معها. سجل عدد كبير من القضايا لتعدي ضباط من الشرطة على محامين وقضاة وحتى ضباط من الجيش! لكنَّ أحدًا لم يكن ليتحرك.

تغيرت مهمة الشرطة بدرجة كبيرة، وهذا يظهر جليًا في شعارها، فقد كان شعارها “الشرطة في خدمة الشعب” وقد تغير في عهد الوزير حبيب العادلي إلى “الشرطة والشعب في خدمة الوطن”. لم تعد مهمَّة الشرطة حماية المواطن، وإنما حماية النظام، وتطور الأمر للقيام بمهام خاصة بها لتوطيد سلطتها، صارت الصورة الذهنية لرجل الشرطة في ذهن المواطن العادي صورة للقهر والعنف غير المبرر. هذا ما تقرره الدراسات والمصادر التي اعتمد عليها هذا التقرير.

حوادث التعذيب المتكررة، الظلم، التاريخ الطويل من القمع والعنف الذي سردناه سابقًا، كانت الشرارة التي دفعت جموع المصريين للنزول للشوارع والقيام بثورة 25يناير 2011.

أحد المواطنين وخلفه إحدى سيارات الأمن المركزي محروقة، 28 يناير 2011

بعض آليات الشرطة المصرية في عهد مبارك:

لم تقتصر آليات الداخلية في التعامل مع الخصم السياسي في التعذيب أو حتى التهديد بإيذاء الأهل وغيره من الممارسات، لكنَّ الداخلية المصرية وجدت طريقًا آخر لتحقيق أهدافها، نذكر هنا آليتين منهما باختصار.

مكث حبيب العادلي في وزارة الداخلية 13 عامًا، وهي أطول مدة لوزير داخلية في تاريخ الوزارة

مجموعات البلطجية:

في نهاية التسعينات من القرن الماضي وبداية القرن الجديد، وبدلًا من إلقاء القبض عليهم وتقديمهم للعدالة؛ قامت الشرطة المصرية بتكوين مجموعات من الخارجين على القانون أو المتهمين بسوابق جنائية “البلطجية”، قامت بتكوين المجموعات لمساعدتهم في تحقيق ما يريدون. تعددت الحوادث، في العام 2006/2007 تم الاعتداء على طلاب أحد الاتحادات بجامعة عين شمس، أعضاء حركة 6 أبريل وحركة كفاية نالوا من البلطجية ما كان مقسومًا لهم أيضًا. أخيرًا خلال ثورة يناير استعانت الشرطة كذلك بالبلطجية، حسب الكاتب المصري الكبير محمد حسنين هيكل فإن الداخلية كانت تمتلك قبل الثورة تنظيمًا كبيرًا وهائلًا من البلطجية. لم يتسنّ لأحد حتى الآن التأكد من هذه المعلومات.

مجموعات المتحرشين!

25 مايو 2005 مظاهرة نسائية للاعتراض على التعديل الدستوري للمادة 76، تم تمزيق ملابس النساء المتظاهرات، العبث بأجسادهنّ ومحاصرتهنّ، تمَّ كل هذا في الشارع تحت نظر الشرطة. كانت هذه المجموعات من الشباب المتحرشين تابعة للشرطة. تكرر الأمر مرارًا. القيادات النقابية من النساء في شركة المحلة نلن كذلك من التحرش والعبث بأجسادهنّ نصيبهنّ من مجموعات المتحرشين التابعة للشرطة. لم يستطع أحد أن ينكر كل هذه الممارسات حتى أن المركز القومي لحقوق الإنسان – المحسوب على الدولة – قد أقرّ بحدوث وقائع تحرش وهتك أعراض في تقريره السنوي لعام 2006.

كان هذا عرضًا وسردًا لتاريخ الداخلية المصرية.


عرض التعليقات
تحميل المزيد