العلاقة بين الجنيه المصري والدولار الأمريكي تبدو جدلية لا تنتهي، خاصة مع الارتفاع المستمر في الأسعار وما تحمله الأنباء عن ارتفاع سعر صرف الدولار من مخاوف وهموم حول المزيد من التضخم، بما يعني أعباء اقتصادية إضافية على المواطن، في 7 أسئلة بسيطة نتناول العلاقة بين الجنيه والدولار وكيف يمكن أن تؤثر على الأداء الاقتصادي سلبًا وإيجابًا.

1- البداية، كيف ظهر الجنيه المصري إلى النور؟

حتى عام 1834، لم تكن هناك عملة محددة للنظام النقدي في مصر، بل ولم يكن يصك أصلًا سوى عدد قليل من العملات، حتى صدر مرسوم في عام 1834 يقضي بصك عملة مصرية جديدة استنادًا إلى نظام المعدنين (الذهب والفضة)، وبموجب هذا المرسوم أصبح سك النقود في شكل ريالات من الذهب والفضة حكرًا على الحكومة، وفى عام 1836 تم سك الجنية المصري وطرح للتداول.

في البداية كان يتم تحديد سعر صرف الجنيه المصري بالنسبة للعملة الأجنبية المقبولة بقوة القانون، بينما تم إصدار الجنيه الورقي لأول مرة من قبل البنك الأهلي عام 1899، وتم لاحقًا توحيد البنك الأهلي والبنك المركزي المصري لتأسيس البنك المركزي في عام 1961.

2- كيف كان يتم تحديد سعر صرف الجنيه؟

في البداية كان يتم تحديد سعر صرف الجنيه استنادًا إلى نظام المعدنين وذلك منذ إصداره ولمدة 30 عامًا متواصلة، ومع تذبذب أسعار الفضة في بدايات القرن العشرين، تم اعتماد الذهب وحده كمعيار لقيمة العملة المصرية من قبل الشركاء التجاريين لمصر وبخاصة بريطانيا.

تم تثبيت سعر الصرف الرسمي مع العملات الأجنبية الهامة بقوة القانون، مما أعطاه قبولا في المعاملات الداخلية، وقد أدى هذا لتقييم الجنيه المصري عن طريق معايير الذهب المتعارف عليها آنذاك، بحيث كان الجنيه المصري 7.4375 جرامًا من الذهب، واستخدم هذا المعيار ما بين عام 1885 وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى في عام  1914.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى ووقوع مصر وقتها تحت الاحتلال البريطاني، تم ربط الجنيه المصري بالجنيه الإسترليني، بحيث كان الجنيه الإسترليني يوازي 0.975 جنيهًا مصريًا، وظل الجنيه المصري مرتبطا بالجنيه الإسترليني حتى عام 1962، حيث تم اتخاذ قرار بربطه بالدولار من تحولات النظام العالمي وأفول نجم التاج البريطاني وصعود الولايات المتحدة، وتم تقدير سعر صرف الجنيه ليعادل 2.3 دولار لكل جنيه مصري، وتغير السعر إلى 2.55 دولار لكل جنيه مصري عام 1973 بسبب انهيار سعر الدولار على أصداء حرب أكتوبر.

في عام 1989 ومع الانفتاح الاقتصادي لحكومة الرئيس مبارك، تم تعويم الجنيه جزئيًا  ليصبح سعر الدولار الواحد يعادل 3.3 جنيهًا مصريًا، قبل أن يتم تعويم الجنيه بشكل كامل في عام 2003 ليتراوح سعره حول معدل 6 جنيهات.

*تعويم العملة: ترك سعر العملة يتحدد تلقائيا وفقًا لقواعد العرض والطلب دون أن تتدخل الحكومة لتحديد سعرها، مع محاولة ضبط السعر عبر الاحتياطيات النقدية.

3- إذن، كيف تطورت العلاقة بين الجنيه والدولار وصولًا إلى السعر الحالي؟

ما بين عامي 1939 و1949 كان سعر الدولار الأمريكي يتراوح بين 20-25 قرشًا، قبل أن يقفز إلى ما بين 38-40 قرشًا ما بين عامي 1950 و1978.

في عام 1979 قفز سعر الدولار إلى 60 قرشًا وظل يتأرجح حول هذا السعر حتى عام 1988، وفي عام 1989 وصل سعر الدولار إلى 83 قرشًا.

في عام 1991 حقق الدولار طفرة كبيرة ليصل إلى سعر 1.5 جنيها مصريًا بفعل التعويم، قبل أن يصل إلى 3 جنيهات بنهاية عام 1992.

ما بين عامي 1993 و2000 تراوح سعر الدولار مابين 3.30 إلى 3.50 جنيهًا، وفي عام 2002 وصل السعر إلى 4 جنيهات بعد التعويم الكلي للعملة.

في عام 2004 بلغ سعر الدولار 6 جنيهات قبل أن يصل إلى 6.30 بحلول عام 2006.

ارتبطت الثورة المصرية بانهيار كبير في سعر الجنيه حيث قفز سعر الدولار من 5.80 جنيهًا ليتراوح حول 7 جنيهات قبل أن يقفز إلى 7.15 بحلول عام 2011، ثم 7.50 إلى 7.60 مع مطلع عام 2013 وفقًا للأسعار الرسمية للدولار في البنوك.

4- كيف يتم تحديد سعر صرف الدولار في البنوك؟

سوق العملات يتم التعامل معه كسوق السلع التي تخضع بالضرورة لقوانين العرض والطلب، ويأتي العرض من الدولار من خلال  صادرات الاستثمار والسياحة وتحويلات العاملين بالخارج والخدمات كقناة السويس والموانيء، بينما يأتي الطلب على الدولار من عدة أبواب أهمها الواردات السلعية.

حينما يكون هناك توازنٌ بين ما يدخل للاقتصاد من عملة صعبة وما يخرج منها، فإن سعر صرف الجنيه يبقى على مستواه. بينما حينما يكون ما يدخل أقل مما يخرج، فإن سعر صرف الجنيه من المفترض أن ينخفض، ما لم يتدخل البنك المركزي مستخدمًا احتياطي النقد الأجنبي لديه للدفاع عن الجنيه.

يتحدد سعر الصرف من خلال ميزان المدفوعات (إجمالي المعاملات التجارية بين الدولة والخارج) سواء أكانت الصادرات والواردات أو المنح أو القروض أو الاستثمارات، وكلما كان الداخل إلى البلاد أكبر من الخارج منها كلما ساعد ذلك الدولة على استقرار سعر العملة، حيث تستخدم الدولة المنح والقروض التي تحصل عليها إضافة إلى الاحتياطي من النقد الأجنبي للحفاظ على سعر العملة عبر ضخ الدولار إلى السوق.

5- ما هي أسباب موجة الانخفاض الأخيرة في سعر الجنيه؟ ولماذا قررت الحكومة خفض سعر الجنيه في البنوك؟

حصلت الحكومة المصرية في الأعوام الأخيرة على عدة منح وقروض وودائع ساعدتها على ضبط سعر الدولار “12 مليارًا في عهد حكومة هشام قنديل و20 مليارًا مساعدة خليجية لحكومة السيسي”، ومع تناقص قيم هذه المساعدات خلال الأشهر الأخيرة وانخفاض احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي الذي لم يعد بمقدوره الدفاع عن سعر العملة، فكان من الطبيعي أن يلجأ إلى تخفيضها.

أما عن سر اختيار التوقيت فالأمر يرجع لأسباب عدة؛ أولها، انخفاض أسعار النفط بأكثر من 50%، وانخفاض أسعار السلع الرئيسية عالميا، ما يحول دون ارتفاع فاتورة استيراد الحكومة للسلع وبالتالي لن يؤثر هذا التخفيض على التضخم.

ويشير الخبراء إلى أن الأثار السلبية لرفع سعر صرف الجنيه أمام الدولار ستكون محدودة، بالنسبة للتضخم والدين الحكومي ونسبة عجز الموازنة. أما السبب الثاني فهو هذا التخفيض سيكون عاملا محفزا لجذب الاستثمارات الأجنبية في البلاد مع تلاشي المخاوف من الخسائر التي تتحقق من خسائر فروق العملة خاصة مع اقتراب موعد المؤتمر الاقتصادي، ورغبة الدولة في استقطاب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات الأجنبية.

وتدعي الدولة كذلك أنها تهدف من خفض أسعار الجنيه في البنوك إلى تحجيم السوق الموازية (السوق السوداء) التي وصل الدولار فيها إلى معدلات تقترب من 8 جنيهات خلال تعاملات الأسبوع الماضي، إلا أن رصيد الفشل الحكومي في التعامل مع السوق الموازية للعملات لا يبشر بخير.

6- ما هي الآثار المحتملة السلبية والإيجابية لارتفاع سعر الدولار؟

يرتبط ارتفاع سعر الدولار بالزيادة في الأسعار بسبب ارتفاع تكلفة إنتاج السلع والخدمات، في الوقت الذي تدعي فيه الحكومة أن هذه الموجة من الارتفاع لن تؤثر على الأسعار بشكل كبير نظرًا لارتباط أسعار السلع والخدمات بأسعار الدولار في السوق السوداء التي لم تشهد تغيرًا كبيرًا.

يؤدي ارتفاع قيمة الدولار إلى انخفاض قيمة المدخرات بالجنيه المصري، مما قد يدفع بعض المدخرين إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار (الدولرة) وهو ما يعني مزيدًا من الطلب على الدولار ومزيدًا من الانخفاض في قيمة الجنيه.

في ذات الناحية، فإن ارتفاع أسعار الدولار يؤثر على معدلات تنفيذ المشروعات وتأخرها، حتى وإن كان القانون يلزم جهات الإسناد بتعويض شركات المقاولات عن ارتفاع أسعار الخامات.

من ناحية أخرى، فإن تحرير سعر الصرف قد يسهم في زيادة الاستثمارات الأجنبية مع تلاشي المخاوف من خسائر فروق العملة بسبب تداول الدولار بأقل من قيمته مقدرًا بالعملة المحلية، كما سيحد انخفاض قيمة العملة من الميزة التنافسية للصادرات، حيث سيحقق المصدرون أرباحًا من ارتفاع سعر العملات الأجنبية.

7– ما هي التوقعات المستقبلية بشأن سعر الدولار؟

تأمل الحكومة في تحصيل أكبر قدر ممكن من الاستثمارات خلال مؤتمر مارس من أجل سد الفجوة بين المعروض والمطلوب من الدولار، والحفاظ على الأسعار وتحجيم السوق الموازية، ويشير الخبير الاقتصادي عمر الشنيطي، أنه من المتوقع أن يستمر ارتفاع الدولار أمام الجنيه عدة أيام أخرى في البنوك لأن البنك المركزي ليس من سياسته تحريك سعر الصرف الرسمي إلا على فترات متباعدة، وبالتالي سيستمر ارتفاع الدولار حتى يصل لمستوى لا يحتاج المركزي لتغييره لفترة ليست بالقصيرة. وقد يكون المستهدف الذي تشير إليه العديد من بنوك الاستثمار هو (٧٫٥-٧٫٧)؛ وهو ما يقارب ٦٪ زيادة مقارنة بالسعر الرسمي قبل الموجة الأخيرة (٧٫١٨). وبعد هذه الموجة، من المتوقع أن يستقر سعر الصرف الرسمي عند المستوى الجديد لقرابة عام.

ويتوقع الشنيطي ألا تنجح الحكومة في تحجيم السوق الموازية تمامًا، بحيث يبقى الدولار متداولًا خلالها بمعدل يفوق الأسعار الرسمية بحوالي 5 %، حيث ستستمر الأسواق الموازية في مزيد من المضاربة إلى حين ظهور أثر المؤتمر الاقتصادي.

المصادر

تحميل المزيد