التقرير يتحدث عن احتمالات تخفيضقيمة الجنيه المصري أمام الدولار

«لن أفرح باستقرار سعر الصرف، والمصانع متوقفة»، ظلت هذه المُفردات التي صرح بها طارق عامر، محافظ البنك المركزي المصري، الأسبوع الماضي، دافعًا لقفزة كُبرى تنتظر الدولار أمام الجنيه المصري، بعد قفزات عديدة شهدها الدولار في السنوات الأخيرة.

القفزة الأخيرة المتوقعة للدولار في 2016.. 15 جنيهًا

قفزات الدولار خلال العاميين الماضيين، رفعت من الفارق بين سعر الدولار الرسمي الذي تتعامل به البنوك في مصر، وسعره في السوق السوداء، مُحققًا نسبة بلغت 25% بين السعرين، والتي ظلت المُحدد الرئيسي لتجار السوق السوداء، لرفع قيمة الدولار مقارنة بسعره الرسمي.

يقول هاني جنينة، رئيس مركز الأبحاث بشركة «بلتون فاينانشال»، في تصريحات لـ«ساسة بوست»، إن خفض قيمة الجنيه المصري، أصبح واقعًا بالنسبة للبنك المركزي المصري، موضحًا أن هذا التخفيض قد يساهم في تخفيض الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية علي المدي البعيد.

يُذكر أن شركة بلتون القابضة للاستثمارات المالية، توقعت انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار خلال خمس سنوات، ليسجل الأخير نحو 12 جنيهًا الآن، في السوق السوداء.

ورجحت الشركة، في ورقة بحثية، وصول العملة الأمريكية خلال العام الجاري إلى تسعة جنيهات، مستندة في تقديراتها إلى الفرق بين العائد على أذون الخزانة المصرية والأجنبية، والتى يصل أجلها لعام واحد، وكذلك الخفض أو الرفع السنوي للجنيه أمام الدولار، منذ ديسمبر (كانون الأول) 2014 وحتى الآن.

ترجيح شركة بلتون، أن يصل سعر الدولار رسميًا خلال العام الجاري إلى تسعة جنيهات؛ يرفع بالتوازي القيمة الموازية لسعر الدولار في السوق السوداء إلى 15 جنيهًا، بنفس القيمة التقريبية لارتفاع سعر الدولار في البنوك، والتي يبلغ الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء للدولار نسبة 25% خلال العام المالي الأخير.

يتفق مع وجهة النظر السابقة، عمرو جمال الدين، الباحث في وزارة المالية المصرية، والذي عمل لفترة بصندوق النقد الدولي في واشنطن، إذ قال لـ«ساسة بوست»، إن «التعويم سيساهم في قفزة كبيرة لسعر الدولار في السوق السوداء، ليصل بسعره إلى ما بين 14 إلى 16 جنيهًا»، موضحًا أن قيمة الدولار ستستقر عند هذا الحد لفترة، وعندها سيترك البنك المركزي الأمر لقوى العرض والطلب، لعدم قدرته على استكمال سياساته في ظل انهيار موارد الدولار.

ومن وجهة نظر هاني جنينة، فإن قرار الخفض ليس حلًا سحريًا للأزمة الممتدة على مدار خمس سنوات، إذ إن المشكلة، وفقًا له، مُرتبطة بتراجع المصادر الرئيسية للدولار، والمتمثلة في السياحة وتحويلات المصريين في الخارج، والتي تراجعت بشكل كبير، بالتزامن مع ارتفاع قيمة العملات الأجنبية الأُخرى، أمام الدولار، مما شكّل عاملًا ضاغطًا على الجنيه المصري، مُوضحًا أنّ تخفيض العُملة، على الأرجح، سيدعم كذلك سيولة النقد الأجنبي في القطاع المصرفي المحلي.

يُذكر أن تحويلات المصريين في الخارج، تراجعت خلال الفترة من يوليو (تموز) إلى ديسمبر (كانون الأول) من السنة المالية الجارية 2015 – 2016 لتصل إلى نحو 8.3 مليار دولار، مقارنة بـ9.3 مليار دولار، خلال نفس الفترة من السنة المالية السابقة، بتراجع قدره نحو مليار دولار، وفقًا لما أعلنه البنك المركزي المصري.

وتابع جنينة، أن إحدى المشاكل التي أدت لتعميق الأزمة، هي تخزين الدولار بدافع الاحتياط، مما أفقده صفته كمخزن للقيمة، واضطرار مجموعات كبيرة للتخلي عن الجنيه المصري، واستبداله بالدولار والادخار بنفس القيمة، موضحًا أنه قد يتزامن مع إجراءات تخفيض الجنيه، وضع قيود جديدة على السلع المستوردة؛ لتخفيض فاتورة الاستيراد، الذي يستحوذ على أكبر مُخصص للعملة الأجنبية.

أين ذهبت المنحة السعودية الأخيرة؟

ذهبت التوقعات نحو انفراجة اقتصادية كُبرى للأزمة المالية الطاحنة، التي تعيشها مصر، عقب زيارة العاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز لمصر، في أبريل (نيسان) الماضي، بعد توقيع أكثر من اتفاقية اقتصادية، وتعهده بتزويد مصر من الوقود، إلى جانب منح دولارية.

هذه التوقعات رهنت المنحة السعودية، التي حصلت عليها مصر بعد فترة انقطاع للمنح الخليجية على مدار عامٍ كامل، بتعافٍ لمعدلات النمو الاقتصادي، وارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي، بما يضمن تحقيق تقارب بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء للدولار.

وبلغت قيمة المنحة السعودية التي حصلت مصر عليها 2.5 مليار دولار، في 10 أبريل (نيسان) الماضي، التي تزامنت مع توقيع اتفاقية بين مصر والسعودية، لإعادة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وإقرار السلطات في القاهرة بأحقية الرياض في جزيرتي تيران وصنافير.

كانت هناك توقعات بانفراجة في الاقتصاد المصري بعد المنحة السعودية التي اُعلن عنها في أبريل (نيسان) الماضي

«لماذا لم تُحقق المنحة السعودية استقرارًا لسعر العملة؟»، يجيب عن ذلك عمرو جمال الدين، الباحث في وزارة المالية المصرية، والذي عمل لفترة بصندوق النقد الدولي بواشنطن، قائلًا إنّه «مهما بلغ حجم المنح الخليجية، والقروض الخارجية، لن تكون حلاً لأزمة الدولار والجنيه المصري».

وأوضح جمال الدين، أنه «لتوحيد السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، تحتاج لضخ ملايين ومليارات الدولارات للمستوردين، وهي المسألة التي لن تتحقق إلا بوجود مصادر دائمة للدولار كالسياحة وتحويلات المصريين في الخارج، وإيرادات قناة السويس، وهي نفسها المصادر الغائبة».

وحسب جمال نجم، نائب محافظ البنك المركزي المصري، فحجم ماتستورده مصر سنويًا يصل إلى 76 مليار دولار، والتي تضمنت العام الماضي قمصان وملابس نوم للسيدات والبنات، بقيمة 194 مليون دولار، وملابس للأطفال بقيمة 272 مليون دولار، وكنزات بقيمة 159 مليون دولار، وبدل للسيدات والبنات بقيمة 103 مليون دولار، وسيارات ركوب للأشخاص بقيمة 3.2 مليار دولار، وهواتف محمولة بقيمة 1.3 مليار دولار، وملابس جاهزة بقيمة 1.4 مليار دولار، وفاكهة بقيمة 490 مليون دولار.

«المضاربة على الدولار، خلقت جيشًا من المنتفعين والمُضاربين، سواء خارج أو داخل مصر»، يقول عمرو جمال الدين، مؤكدًا أن الاستثمار الأجنبي، لن يأتي لمصر، في ظل وجود سعرين للدولار، لآثار ذلك السلبية عليه، وانخفاض الأرباح بسبب فروق التقييم.

المستفيد والخاسر من قفزات الدولار

القفزات الكُبرى التي حققها الدولار أمام الجنيه المصري، كانت عاملًا مزدوجًا في تعظيم استفادة مجموعات بعينها، وتخفيض أرباح مجموعات أخرى.

المستفيدون

  • الحكومة

يقول جمال الدين، إن استفادة الحكومة المصرية من قفزات سعر الدولار، تتمثل في انخفاض قيمة الدين العام بفوائده، والتي تشمل على سبيل المثال سندات الخزانة وشهادات قناة السويس، التي حققت من ورائها أرباحًا كبرى، منذ أكثر من عام، نتيجة إقبال المواطنين على شرائها بقيمة أعلى للجنيه آنذاك، قبل أن تنخفض هذه القيمة نتيجة قفزات الدولار؛ لتصير قيمة خفض الجنيه، أكبر من قيمة الفائدة على هذه الشهادات، التي تصل إلى 12%.

وكانت القيمة الإجمالية للشهادات الاستثمارية لقناة السويس، قد وصلت إلى نحو 64 مليار جنيه، لتنفيذ مشروع حفر التفريعة، التي وجدت إقبالًا كبيرًا من المواطنين لشرائها، للربح المتمثل عليها بقيمة 12% فائدة.

  • السوق السوداء

تُحقق القفزات الكبرى في سعر الدولار، أرباحًا خيالية لتجار السوق السوداء، التي تنشط في هذه الفترة، من خلال مضاربة التجار على الأسعار الرسمية، واستغلال حاجة المستوردين للعملة الأجنبية، خلافًا لما يسمح به البنك المركزي لمكاتب الصرافة، ببيع الدولار بفارق 15 قرشًا فوق أو دون سعر البيع الرسمي.

  • المتقاضون رواتبهم بالدولار

من الفئات المستفيدة من وراء القفزات الكبرى للدولار، هم الواطنون المصريون، ممن يتقاضون رواتبهم بالعملة الصعبة، سواء كان ذلك داخل أو خارج مصر.

فالقفزات الكبرى لقيمة الدولار، تنعكس على زيادة القوة الشرائية لأجورهم المالية، على عكس من يتقاضى راتبه بالجنيه المصري.

  • المصدرون

هم فئة ترتفع أرباحهم، مع كُل زيادة لقيمة الدولار أمام الجنيه المصري، إذ يتيح التصدير أرباحًا أكبر لهم، حيث تزيد القوة الشرائية للدولار عند تحويله للجنيه المصري، وترتفع معه حجم الصادرات.

الخاسرون

  • المستوردون

المستوردون من الفئات المتضررة من ارتفاع قيمة الدولار، لانعكاس ذلك على القيمة الفعلية للمنتجات المستوردة من الخارج؛ لذلك يضطرون إلى رفع أسعار المنتجات في الأسواق المصرية، لتعويض الخسارة.

يظهر ذلك في التقرير الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، في شهر يونيو (حزيران)، الذي حدد نسبة ارتفاع أسعار مجموعة الحبوب والخبز بنسبة 8.4%، ومجموعة اللحوم والدواجن بنسبة 3.8%، ومجموعة الخضراوات بنسبة 3.8%، ومجموعة الفاكهة بنسبة 5.2%، ومجموعة الوجبات الجاهزة بنسبة 4.0%، وقسم الرعاية الصحية بنسبة 15.1%.

تجسد ذلك أيضًا في وصول عدد الأدوية الناقصة، التي ليس لها مثيل أو بديل، إلى 180 صنفًا، وذلك بسبب استيراد مصر لحوالي 30% من حجم المواد الخام، ومواد أخرى تدخل في تصنيع الدواء، والتي ساهم ارتفاع الدولار في امتناع المستوردين عن استيراد بعضها، مما نتج عن ذلك أزمة نقص دواء.

  • المواطن الذي يتقاضى راتبه بالجنيه المصري

وهي الفئة الأكثر تعرضًا للضرر من وراء ارتفاع قيمة الدولار؛ لانعكاس ذلك على انخفاض القدرة الشرائية للجنيه المصري، إذ يُقدر الخبراء حجم الخفض في القيمة الفعلية للراتب، إلى حوالي 14.5% .

المصادر

تحميل المزيد