خفض البنك المركزي المصري، اليوم الإثنين 14 مارس (آذار) 2016، سعر الصرف الرسمي للجنيه مقابل الدولار، 14.5%، ليتراجع سعره جنيهًا و12 قرشًا عن المستوى الذي استقر عنده منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ليصبح السعر الرسمي لشراء الدولار من البنك المركزي اليوم 8.93 جنيه، في أول تغيير لقيمة العملة (مقابل الجنيه) منذ تولي طارق عامر، محافظ البنك، مهام منصبه في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

قرار البنك المركزي، اليوم الإثنين، بخفض السعر الرسمي للجنيه 112 قرشًا أمام الدولار دفعة واحدة، ترك انطباعات وتأثيرات متباينة على القطاعات المالية، والمواطن المصري، نرصدها لكم في هذا التقرير.

كيف خضعت الدولة للمستثمرين في خفض سعر الجنيه الرسمي؟

جاء قرار خفض سعر الجنيه المصري أمام الدولار، بمثابة الانتصار لقطاع رجال الأعمال، الذين صدحت مطالبهم خلال الأسبوع الماضي بهذا الإجراء الذي وصفوه بـ«الضروري»، وتراوحت التهديدات حيال ثبات سعر الجنيه بإغلاق مصانعهم، أو انتقال استثماراتهم إلى الخارج.

هذا الرأي يؤكده شريف الجبلي، الملياردير المصري، رئيس غرفة الصناعات الكيماوية باتحاد الصناعات، في تصريحات لـ«ساسة بوست»، إذ قال، إن «سعر الدولار في مصر يتجاوز تسعة جنيهات في السوق السوداء، ونسبة كبيرة من المتعاملين تغطي احتياجاتها من السوق السوداء وليست الرسمية».

ويزعم الجبلي، أن القرار سيكون له كذلك انعكاسات إيجابية على الصناعة المحلية، «نظرًا لما سيحققه من وفرة الدولار في البنوك، يستطيع من خلالها الصناع استيراد الخامات اللازمة للإنتاج»، على حد قوله.

كانت التوقعات تُشير إلى هذه الخطوة، التي كشفت عن تراجع الحكومة أمام تهديدات المستثمرين، خلال الأيام السابقة، بخاصة أن مُعظم صانعي السياسات المالية المصرية ينتمون لفئات المُستثمرين.

يتزامن ذلك، مع القرار الصادر منذ ثلاثة أيام، بخفض أسعار الغاز لمصانع الحديد والصلب، من سبعة دولارات إلى 4.5 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، فيما تتراوح تكلفة استيراد الغاز من الخارج ما بين ثمانية إلى تسعة دولارات للمليون وحدة حرارية.

وكان قد سبق هذه الخطوة، عديدٌ من القرارات التي ذهبت لصالح المستثمرين وقطاع رجال الأعمال في مصر. ففي 19 مايو (آيار) 2015، أعلنت رئاسة مجلس الوزراء عن تأجيل تطبيق ضريبة الأرباح الرأسمالية، على توزيعات البورصة، لمدة عامين، بعد أن أعلنت وزارة المالية الشروع في تطبيقها، وسط حالة غضب من النخبة المالية، فقد كان من المفترض توفير خمسة مليارات جنيه للدولة حسب تصريحات وزير المالية.

كما شملت قائمة القوانين، تعديل بعض أحكام القانون رقم 62 لسنة 1975، في شأن الكسب غير المشروع، والتي كان أهمها ما يتعلق بالتحفظ والتصالح مع رموز الأنظمة السابقة.

وقبل أيام من انعقاد «المؤتمر الاقتصادي» في شرم الشيخ، وافقت المجموعة الاقتصادية في مجلس الوزراء، على تخفيض وتوحيد الحد الأقصى للضريبة على الدخل، من 25% إلى 22.5%، وإلغاء الضريبة الاستثنائية الإضافية، في مسعى منها لتشجيع الاستثمار.

وفي 12 مارس (آذار)، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي، قرارًا بقانون يتضمن تعديلًا تشريعيًّا على ثلاث مواد في قانون اﻹجراءات الجنائية، يمنع سقوط الدعوى الجنائية عن الموظف العام مختلس مال الدولة، وينظم تصالح الدولة مع المستثمرين في جرائم المال العام.

كذلك أصدر السيسي قرارًا بتعديل قانون شركات المساهمة، وشركات التوصية بالأسهم، والشركات ذات المسؤولية المحدودة، بالإضافة إلى قوانين الضريبة العامة على المبيعات، وضمانات وحوافز الاستثمار، والضريبة على الدخل، وهو تحرك يستهدف تسهيل الاستثمارات في مصر.

التعويم الجزئي للجنيه المصري: محاصرة لاقتصاد المضاربة

يدعم قرار التعويم الجزئي للجنيه، تضييق الحصار على السوق السوداء، وتجارها ممن كانوا يكتنزون الدولارت في الأيام الفائتة، بأسعار مُطابقة للسوق السوداء.

يقول هاني جنينة، رئيس قسم البحوث بشركة بلتون، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»، إن «تكرار العطاءات الاستثنائية خلال الأيام المقبلة، ستؤدي لإحداث صدمات عرض في السوق، ولتلبية المتأخرات المتراكمة لدى الشركات بما يخفف الضغوط لديها، ويزيد من ثقتها في الاقتصاد المصري».

ويرى جنينة، أنه من بعد اليوم لن يدخل دولار واحد للسوق الموازية، فوفقًا له، فإن البيع للبنوك له مزياه، بخاصة مع ارتفاع سعر الشراء من العملاء، لسعر مقارب لأسعار السوق السوداء، مع منح ميزة إضافية لشراء شهادة بسعر فائدة مميز، يبلغ 15%، نظير التنازل عن الدولار، حسبما قال.

هذا ويُعتقد أن يسجل الدولار، خلال نهاية العام الحالي سعرًا يتراوح ما بين تسعة إلى تسعة ونصف جنيه كحدٍّ أقصى، حال موافقة البرلمان المصري على برنامج الحكومة، وما يتضمنه من إجراءات «الإصلاح المالي»، التي تشترطها المؤسسات المالية الدولية التي تقترض منها مصر.

وكان الفارق بين سعر الدولار الرسمي الذي تتعامل به البنوك، وسعره في السوق السوداء، بعد القفزات السريعة التي حققها مؤخرًا، قد تجاوز 25%، إذ يستقر سعر الدولار البنكي 7.78 جنيهًا للشراء و7.83 جنيهًا للبيع في البنوك، فيما يصل سعره في السوق السوداء، مقابل الجنيه المصري إلى 9.87 جنيهًا للبيع، و9.91 جنيهًا للشراء.

المصريون يفقدون 14% من مدخراتهم

«كيف ستتأثر فاتورة أجور الموظفين بانخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار؟»، يجيب عن ذلك  وائل زيادة، رئيس قطاع البحوث بالمجموعة المالية «هيرميس»، في تصريحات لـ«ساسة بوست»، قائلًا إنه «عندما ينخفض الجنيه أمام الدولار ينعكس على ارتفاع الأسعار، كنتيجة لارتفاع أسعار الواردات المقومة بالعملة المحلية، وسيكون تقدير هذا الارتفاع  بنفس نسبة انخفاض الجنيه مقابل الدولار».

يُوضح زيادة الأمر قائلًا: «الجنيهات التي كانت كافية لشراء زجاجة مياه، أصبحت غير كافية، وكذلك انخفاض الأجر الحكومي بالسعر المتوقع في الموازنة الجديدة،  فقيمة 1200 جنيه، وهو الحد الأدنى للأجور، تساوي نحو 153.2 دولار، وهي القيمة التي تتراجع، بعد إعمال السعر الجديد للدولار في الموازنة الجديدة، لتصير قيمة هذا المبلغ نحو 145.4 دولار، بالسعر المتوقع للدولار، منخفضًا بـ7.8 دولار عن السعر الحالي».

CAIRO, EGYPT - JUNE 17: Prices are listed in Egyptian pounds at vendor's stalls on June 17, 2013 in Cairo, Egypt. The numbers of illegal street vendors selling everything from snacks to clothes has increased since the revolution in Egypt. As other employment opportunities shrink and there are greater lapses in security, more vendors being to open up shops and take over the already crowded streets and sidewalks. (Photo by Ann Hermes/The Christian Science Monitor via Getty Images)

الجنيه

وبحسب زيادة، فإن أحد المُسببات الرئيسية، غير المباشرة لانخفاض القدرة الشرائية للمرتب، بخاصة بعد إعلان خطة الحكومة، هو انخفاض سعر الجنيه بنحو 42 قرشًا في الموازنة الجديدة، وبذلك ستتعرض أنماط دخول المواطنين للتأثر نتيجة خفض قيمة الجنيه، وانخفاض قدراتها الشرائية.

كذلك يرتبط خفض قيمة الجنيه المصري، بارتفاع تكاليف المشتريات الناتج عن تدهور آخر في قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بنفس هامش انخفاض الجنيه.

ويُعزز هذا الارتفاع، اشتمال مُعدات قطاعات السيارات والأدوية والأغذية ومواد البناء، وشركات الاتصالات على نحو 60 إلى 70% من الخارج، والتي بدروها ستسعى لتعويض هذه الزيادة في فاتورة الاستيراد بارتفاع في أسعارها، وهذا الارتفاع سيتباين من شركة لأخرى، وفقًا لنسبة المكون الأجنبي من إنتاجها.

يؤكد هذا الارتفاع، حمدي النجار، رئيس الشعبة العامة للمستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، الذي توقع في حديثٍ لـ«ساسة بوست»، أن ترتفع أيضًا أسعار السلع، المسؤولة عن تمويلها البنوك، من مواد غذائية مثل القمح والسكر والزيت.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد