يظل وضع السجون المصرية مصدر انتقاد كبير للمنظمات الحقوقية واستياء المعتقلين بالرغم من نفي السلطات المصرية ذلك مع استمرار بنائها للسجون بوتيرة متزايدة مُنذ بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013 قد تعكس اعتزم السلطات المصرية اعتقال المزيد من المعارضين.

يظل وضع السجون المصرية، مصدر انتقاد كبير من قبل المنظمات الحقوقية واستياء المعتقلين، رغم نفي السلطات المصرية ذلك، مع استمرار بنائها للسجون بوتيرة متزايدة، مُنذ الثالث من يوليو (تموز) 2013، مما قد يعكس عزم السلطات المصرية، اعتقال المزيد من المعارضين.

ويفيد الائتلاف العالمي للحقوق والحريات، في تقريره الصادر نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن وجود ما يزيد عن 50 ألف معتقل في السجون المصرية، لأسباب تتعلق بانتماءاتهم السياسية المعارضة للنظام الحالي. ولفت الائتلاف في تقريره إلى وجود ما يزيد عن 40 سجنًا، بالإضافة إلى 382 قسم ومركز شرطة، تعج معظمها بالمعتقلين على خلفية قضايا سياسية.

«السجون أصبحت مثل المنتجعات السياحية، بعد تطويرها، طبقًا للمعايير العالمية والدولية»، هكذا تحدث اللواء حسن السوهاجي، مساعد وزير الداخلية ورئيس قطاع السجون، عن وضع السجون في مصر، زاعمًا، في أبريل (نيسان) الماضي، رفض بعض السجناءِ، الخروج من سجونهم؛ «بسبب حُسن المعاملة»، كما نفى وجود أي حالات اختفاء قسري أو تعذيب في مصر.

من جهتها، أفردت صحيفة الإندبندنت البريطانية، في مارس (آذار) الماضي، تقريرًا عن الإخفاء القسري في مصر، نقلته شبكة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». التقرير الذي جاء بعنوان «عار مصر الجديد: وباء حالات الاختفاء القسري باسم الأمن»، قال، إن «المصريين باتوا يخافون من حكومتهم خوفًا متزايدًا، بخاصة مع وصول عدد المُختفين قسريًّا العام الماضي، إلى حوالي 1840 شخصًا»، في إطار ما وصفته الصحيفة بـ«عمليات الخطف العقابية»، التي تُنفذها الدولة ضد معارضيها.

في سياق متصل، أصدر المركز المصري للحقوق والحريات، تقريرًا في 10 أبريل (نيسان) الماضي، تحت عنوان «مدافن أم سجون»، رصد فيه عدد الوفيات في أماكن الاحتجاز المصرية، منذ الثالث من يوليو (تموز) 2013، وحتى نهاية مارس (آذار) الماضي. وأظهر التقرير وفاة 395 محتجز «نتيجة ممارسة التعذيب أو الحرمان من الرعاية الطبية أو سوء الأوضاع المعيشية بمراكز الاحتجاز»، مُحملًا وزارة الداخلية مسؤولية وفاتهم.

كما لفت التقرير إلى أن «اختلال النظام القضائي المصري، وقصور التحقيقات الداخلية لإدارات السجون، وقصور القوانين والتشريعات المحلية، التي تجرم التعذيب، ساهمت بشكل كبير في ارتفاع عدد الوفيات، في صفوف المعتقلين»، مُفصّلًا عدد أماكن الاحتجاز، وأعداد الوفيات بين المحتجزين، في كل محافظة على حدة.


وبعيدًا عن لغة الأرقام، تمكن «ساسة بوست»، من الوصول لعدد من المعتقلين وذويهم، الذين تحدثوا عن أوضاع الاعتقال والسجون المصرية، بشكل مغاير تمامًا عما تؤكده السردية الرسمية المصرية.

واتهمت زوجة أحد المعتقلين، وزارة الداخلية في التسبب بمقتل زوجها، بسبب الإهمال الطبي، فيما اشتكى آخر من سوء الأوضاع المعيشية لأخيه، وإجباره على إعطاء رشاوى لأفراد الأمن، لدخول مستلزمات الزيارة.

حينما رفض الأمن إدخال الدواء للمعتقل قبل أيام من وفاته

في 26 أغسطس (آب) 2013، اعتقلت قوات الأمن المصرية، البرلماني السابق عن حزب الحرية والعدالة، محمد الفلاحجي، من مقر عمله، «وهو بكامل صحته، ولا يشتكي من مرض غير السكري»، كما تحكي زوجته التي اتهمت قوات الأمن المصرية بالتسبب في وفاة زوجها، بسبب الإهمال الطبي، في 25 من مايو (آيار ) الماضي.

محمد الفلاحجي من داخل البرلمان المصري قبل حله (المصدر: بوابة القاهرة)

وتفصل زوجته لـ«ساسة بوست»، مراحل تدهور حالته الصحية، وتعامل وزارة الداخلية تجاهه: «حُبس الفلاحجي انفراديًا داخل مقر فرق الأمن، بمحافظة دمياط، قبل أشهر قليلة من ترحيله إلى سجن جمصة العمومي، مطلع عام 2014، حيث صعوبة إدخال العلاج، أو منعه تمامًا في بعض الأحيان»، ذاكرة قضية اعتقال أحد أبنائها مطلع 2015، ورفض إدارة السجن نقله إلى والده في سجن جمصة، رغم ترحيل كل من كان معه في القضية إلى سجن جمصة، «حتى لا يرى الابن والده».

وتقول الزوجة، إنه في الرابع من مارس (آذار) 2015، بدأ الفلاحجي يشعر بآلام في الكلى، مع رفض إدارة السجن نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج، ومع ضغوط المعتقلين على إدارة السجن، نُقل الفلاحجي إلى المستشفى التخصصي، في التاسع من مارس (آذار)، ولكن «الأمن أعطى أوامره للمستشفى بعدم علاجه»، بحسب زوجته التي لفتت إلى أنه ظل على الأرض في غرفة الحجز ثلاثة أيام، قبل عودته إلى السجن. وفي أبريل (نيسان)، ذهب إلى نفس المستشفى مرة أخرى، حيث أجرى تحاليل تُفيد تدهور وظائف الكلى، قبل أن يعود مرة أخرى للسجن، دون تلقي علاج، بحسب ما أكدت زوجته.

وتحكي الزوجة عن الأيام الأخيرة لزوجها، وتدهور حالته الصحية، ففي 12 مايو (أيار) الماضي، ظهر بداية الفشل الكلوي، حاولت الزوجة إدخال ثلاث حقن ألبومين دون جدوى، «بكيت أمام أمين الشرطة لإدخال الحقن، لكنه استهزأ ببكائي، وأخذ مني الحقن دون أن يوصلها لزوجي»، تقول الزوجة، مُشيرةً إلى أنه مع يوم 19 مايو (أيار) الماضي، وصلت الحالة الصحية لزوجها إلى مرحلة الفشل الكلوي والكبدي.

صورة لمحمد الفلاحجي في الأيام الأخيرة قبيل وفاته مع انتفاخ بطنه بسبب الاستسقاء (المصدر :بوابة القاهرة)

«ظلت عربة الترحيلات تقتله»، هكذا تروي الزوجة في الإشارة إلى نقله من مستشفى لآخر، «مع إعطاء الأوامر الأمنية للمستشفيات بعدم احتجازه بها»، قبل أن يُحجز في مستشفى الأزهر بدمياط الجديدة، يوم 20 مايو (أيار)، ليتوفى فجر 25 مايو (أيار)، بعد نحو أربعة أيام من احتجازه بالمستشفى.

«مش هتصبّح علينا؟»

«لا الأكل ده مبيدخلش»، هكذا قال أحد أفراد الأمن، المعنيين بتفتيش ما يُحضره الأهالي لذويهم المعتقلين في الزيارة. «عرفت أنه يريد أخد نقوذ، كي يدخل المستلزمات، طالما أنه قال ذلك غاضبًا كالعادة. أعطيته 10 جنيهات، لم يُوافق سوى بـ20 جنيهًا»، هكذا يروي عبدالسلام (اسم مُستعار)، مُضيفًا: «رشوة أفراد الشرطة أصبحت إجبارية، كي تدخل مستلزمات الزيارة، التي أحضرناها للمعتقل».

يُضيف عبدالسلام، في حديثه لـ«ساسة بوست»، أنّ أفراد الأمن لم يتوقفوا، واحدًا تلو الآخر عن المطالبة بالنقود. قطع ثلاثة أفراد منهم زيارته مع أخيه، الأول اقترب منه وهمس في أذنيه: «مش هتصبح علينا؟»، وهكذا الأمر مع الثاني والثالث.

مصر ماضية في بناء سجون جديدة

في ظل الانتقادات الحقوقية والدولية لملف حقوق الإنسان في مصر، وبالأخص بعد بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013، يبدو أن النظام المصري لا يتأثر بها كثيرًا؛ فمنذ ذلك البيان ازدادت وتيرة إنشاء السجون في مصر، بشكل متسارع، لتصل إلى 17 قرار بإنشاء سجون على مساحات واسعة، أي أنه يصدر قرار إنشاء سجن كل شهرين تقريبًا. السنة المالية الحالية قدمت وزارة الداخلية خطة إلى وزارة المالية لإنشاء خمسة سجون تبلغ تكلفتها 1.2 مليار جنيه.

وقد أفردنا تقريرًا خاصًا عن بناء السجون في مصر منذ بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013، تحت عنوان
قرارات حكومية بإنشاء 16 سجنًا جديدًا في مصر منذ 3 يوليو 2013. وهذا خط زمني يُلخص أبرز تلك القرارات:


عرض التعليقات
تحميل المزيد