التزامًا بدعوة فنانين وأحزاب سياسية مؤيدة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للخروج في مظاهرة لتأييده في ميدان «هشام بركات»، المعروف باسم ميدان رابعة العدوية سابقًا، في مدينة نصر شرق القاهرة، خرج مؤيدو السيسي رافعين لافتات «الاستقرار وبقاء السيسي ورفض الفوضى».

المشهد السابق هو المعلومات الرسمية التي تداولتها وسائل الإعلام المصرية حول أسباب خروج مؤيدي السيسي، فيما تُناقضها صورة أخرى يرصدها «ساسة بوست» في التقرير التالي عبر تتبع حكايات مؤيدي السيسي وشهادات خاصة تتوصل للكيفية التي جرى حشدهم بها، وكيف تباينت هذه الكيفية من محافظة لأخرى وأدوار الشركات الحكومية وكبار العائلات في الأقاليم استجابة لتعليمات أمنية مسبقة، ومظاهر ذلك.

هكذا تؤكل الكتف.. بهذه الطرق أصبح السيسي صديق ترامب المخلص!

بدل وجبة وأجر يوم عمل.. مكأفاة عامل الدولة عند النزول للتأييد

في الساعات الأولى من صباح يوم الخميس، وجد سامي زغلول (اسم غير حقيقي طلب عدم الكشف عن هويته)، (42 عامًا) عامل في وزارة البترول المصرية، استفسارًا في صيغة سؤال وجهه إليه زميل آخر، عما إذا كان راغبًا في كتابة اسمه في ورقة تسجيل أسماء المُشاركين في مسيرات التأييد عند المنصة بحي مدينة نصر شرق القاهرة، كما أوصى  الوزير كافة القطاعات.

حسم زغلول السؤال بالإجابة القاطعة بالموافقة على تدوين اسمه، بعدما علم أن الأسماء المكتوبة في الورقة ستحظى بالموافقات الأمنية عند نيلهم أي ترقية وظيفية، كعامل يضمن سلامته وأمنه الشخصي لاستكمال إجراءات أي صعود مهني محتمل.

كانت موافقة زغلول على كتابة اسمه مشروطة بالتزامه بالحضور عند مبنى الوزارة الواقع في نفس حي تجمع مؤيدي الريس في الساعة التاسعة صباحًا، قبل الانتقال مع زملائه داخل أتوبيسات الشركة لميدان رابعة العدوية، حيث تجمع مؤيدو السيسي وسط تأمين شرطي مُكثف أحاطهم من كُل جانب.

عند الساعة المُحدد لها الحضور، وصل زغلول من مقر سكنه بمحافظة الجيزة، ليستلم لافتات مكتوب عليها عبارات تأييد للسيسي و«الاستقرار» إلى جانب علم مصر. فيما أوصاهم أحد المديرين بالهتاف المستمر، والبقاء لأطول فترة زمنية ممكنة، والتواجد مع بعض دومًا بهدف أن «يكون لوزارة البترول موقف مشرف في الوقفة؛ علشان الوزير يعرف أن رجالته وراءه ومعاه»، على حد تعبيره.

بجانب عبارات الثناء التي تلقاها زغلول من مديره بعد التزامه بالحضور؛ نال امتيازات أخرى تُضاف لأجره نهاية الشهر؛ متضمنة «بدل يوم عمل» إضافة إلى «بدل وجبة غداء» والتي يستحقها أي عامل تجاوز عدد ساعات العمل اليومية وفقًا للقانون.

إلى جانب الامتيازات السابقة، فقد صرف زغلول وجبة غداء أخرى من عربة تتبع الوزارة كانت واقفة في أحد أركان الميدان، إذ يقول: «نزولي النهارده كأني روحت يوم الشغل في يوم الأجازة؛ وبالتالي اتحسبلي مكافأة يوم إضافي، ينزل أجره مع الراتب آخر الشهر، فضلاً عن بدل وجبة»، والتي يحصل عليها الموظف عند قضائه ساعات عمل إضافية عن موعد مغادرته جهة العمل.

واستبقت الوزارة نزول موظفيها بالتعاقد مع أحد المطاعم لتوفير وجبة غداء لكُل عامل نزل في هذا اليوم، إذ اشتملت الوجبة التي كانت علبة مغلقة، على ساندويتش كفتة وآخر لحمة باردة مع عصير وطبق حلويات، والتي أتاحتها الوزارة عبر منفذ تابع لها في موقف تجمع مؤيدي السيسي، يقف عليه عامل أمن، وفقًا لزغلول.

لا يهتم زغلول بالسياسة كثيرًا ولا يتفاعل -كعادته، مع الجدل الدائر حول مستقبل البلاد السياسي الذي يستمع له بين الحين والآخر سوى مع أصدقائه على المقهى أو في نقاشات عائلية.

مؤخرًا، سمع زغلول أحاديث كثيرة من جيرانه وزوجته عن فيديوهات المقاول محمد علي الذي يتهم السيسي بالفساد والسرقة العلنية؛ غير أن زغلول «ليس مستعدًا للانخراط في حديث عن هذه القضايا خوفًا من مصير ينتهي به للعزل من الوظيفة أو الانتقال لشركات «تعبانة»، وفقًا لتعبيره.

الأحايث المتكررة حول فيديوهات المقاول المصري كانت دافعًا له للاستماع إليها عبر هاتف أحد أبنائه «خُفت أسمعها من موبايلي؛ حد يمسكه في الشغل بالصدفة ويعرف أني بتفرج عليها؛ والأمور تيجي على دماغي بعد كده».

تمسك زغلول بالصمت تجاه الأحداث وقرارات الحكومة الاقتصادية التي حملت نتائجها آثارًا سيئة عليه؛ يعود لخشيته من أن ينتهي الحال به للعزل أو نقله لشركة أخرى، «نقلوا معظم الموظفين الي بيتكلموا في السياسة سواء على «فيسبوك»، أو حتى في أحاديث جانبية لشركات على قدها، وأرباحها ضعيفة جدًا، والناس الي عرفوا أنهم كانوا بيروحوا رابعة العدوية أيام الإخوان اتفصلوا من أشغالهم».

لم تكن هذه المرة الأولى التي شارك فيها زغلول في مناسبات سياسية بهدف دعم السيسي؛ إذ سبق له النزول بطريقة «الأمر المباشر» نفسها، إلى استاد القاهرة لحضور مؤتمر دعم التعديلات الدستورية التي تسمح للسيسي بالبقاء في السلطة حتى عام 2034.

يختتم زغلول تصريحاته التي كان يهمس بها خلال لقائه مع مُحرر «ساسة بوست» خشية سماعه، قائلاً أنه وغيره الكثيرين مضطرون لذلك؛ «علشان لقمة العيش ومتأذيش في شغلي وترقياتي؛ لأن دي يتحدد بناءً عليها أجري والزيادات فيه».

وكانت شركات حكومية تتبع وزارة البترول المصرية قد تفاخرت عبر صفحاتها الخاصة على موقع «فيسبوك» بمسيرات التأييد للسيسي و«دعم الاستقرار والتنمية ورفض الفوضى» التي أطلقتها، معلنة أنها كانت المسيرات الأكبر التي انطلقت لدعم الدولة.

وخالفت رواية زغلول حول طرق الحشد ما ذكرته الصفحة المسؤولة عن تغطية أخبار الشركات الحكومية في قطاع البترول بعدما ذكرت: «أن دعوة النقابة العامة للعاملين بالبترول للنزول في مسيرات تأييد، جاء بناءً على رغبة آلاف الموظفين الذين طالبوا بضرورة النزول لدعم الدول واستقراراها ودحض دعوات الإخوان لهدم الدولة المصرية ومحاربة الجيش وتخوين اجهزة الدولة».

غير أن ما حدث مع زغلول وحشده مع آخرين لمسيرة التأييد، تشابه مع شهادات لعاملين بشركات حكومية تحدثوا لـ«ساسة بوست» أيضًا، عن وسائل الحشد التي تباينت بين إرسال رسائل لهم أو التوقيع بأسمائهم في ورقة للحضور.

«مستقبل وطن».. حزب الرئيس يحشد هو الآخر

قبل الإعلان الرسمي عن انطلاق تظاهرات مؤيدة للسيسي بنحو أسبوع، تلقي يوسف عادل (اسم غير حقيقي طلب عدم الكشف عن هويته)، أمين حزب «مستقبل وطن» في أحد مراكز محافظة الشرقية، اتصالاً هاتفيًا من عضو مجلس الشعب الممثل للحزب في البرلمان، يطلب منه اجتماعًا عاجلًا بمقر الحزب.

توقع عادل أسباب الدعوة المفاجئة للاجتماع بعد انتشار فيديوهات المقاول محمد علي، ودعوات الأخير للتظاهر لإسقاط النظام الحالي، ليكتشف أن الحضور متضمن أبرز رجال المال في المدينة واثنين من ضباط وزارة الداخلية وعضو مجلس الشعب مع أكثر من مسئول في الحزب.

كان الهدف من الاجتماع هو الاستعداد والتكفل ماديًا بتوفير أتوبيسات لحشد المواطنين من المدينة الجمعة المُقبلة (في إشارة ليوم أمس)، إذ أخبروا بأن: «ده الوقت المطلوب علشان تقفوا مع الرئيس؛ مطلوب توفروا أتوبيسات، وتحشدوا الناس يوم الجمعة الي جاية، والمكان هنحددوا ليكوا خلال أيام للتجمع فيه».

بعد يومين من هذا الاجتماع؛ بُلغ عضو مجلس الشعب بمكان التجمع عند المنصة بمنطقة مدينة نصر، شرق القاهرة، فكلف بدوره رجاله بما فيهم عادل ورجال التجارة البارزين؛ الذين تحركوا سريعًا في حشد الناخبين عبر ملصقات مطبوعة وزعوها في الميادين الرئيسية، واستخدام صِلاتهم ونفوذهم في حشد أكبر عدد ممكن.

في الساعات الأولى من صباح يوم أمس الجمعة، كانت عشرات الأتوبيسات عند ميادين رئيسية تستقبل مواطنين المدينة والقرى المجاورة لها، ممن تجمعهم صلات عائلية بعضو مجلس الشعب أو مصالح، وآخرين كانوا مؤيدين لبقاء السيسي، بحسب عادل.
و«مستقبل وطن» هو حزب سياسي، كان لجهاز المخابرات الحربية ومكتب رئيس الجمهورية أدوار رئيسية متجاوزة مجرد دعم الحزب، بدءًا من إنشائه وتمويله وانتهاءً بتوجيهه بشكل مباشر، منذ تأسيسه وحتى اليوم، بحسب تحقيق نشر في وقت سابق بموقع «مدى مصر».

تكرر المشهد السابق في أكثر من محافظة، إذ أذاعت الصفحة الرسمية لحزب «مستقبل وطن» بمدينة سمالوط بمحافظة المنيا بثًا مباشرًا، في توقيت 10:44 صباحًا، لفوج من الأتوبيسات التي تصطف عند أحد مواقع المدينة، والتي تستعد لنقل مؤيدي السيسي للقاهرة.

كما رصد شهود عيان تحدثوا لـ«ساسة بوست» مرور نحو عشرات الميكروباصات المرقمة التي تحمل مؤيدين للسيسي، قادمة من على الطريق الزراعي والإقليمي الجديد المؤدي للقاهرة من ناحية مدينة العبور، التي تقع في شرق القاهرة.

وتتطابق هذه الروايات مع ما نشرته وسائل إعلام أجنبية حول وجود حشد من الدولة بطرق مختلفة عبر ممثلييها المحليين في محافظات الجمهورية، أو عبر الضغط على عاملييها في الجهاز الحكومي للخروج في مسيرات تأييد من أجل بقاء السيسي.

وللعائلات في الأقاليم.. نصيب من الحشد

في مشهد حشد مؤيدي السيسي للذهاب صباح أمس نحو منطقة تجمعهم، كان لكبار العائلات في الأقاليم بالمحافظات أدوار رئيسية في استخدام الحدث للإعلان عن أنفسهم، وإعادة إحياء لوجودهم حماة عن مجتمعاتهم المحلية، وداعمين للنظام الحاكم.

كان على رأس هؤلاء عدد من قبائل الصعيد في محافظات الصعيد أو بالجيزة التي لعبت دورًا رئيسيًا في حشد المئات سواء داخل مناطقهم أو عبر نقلهم للعاصمة المصرية وذلك في المحافظات القريبة من العاصمة المصرية.

وسبق لرابطة قبائل الصعيد تنظيم مؤتمر جماهيري في محافظة الجيزة «للتوعية بالتعديلات الدستورية» بحضور أعضاء مجلس النواب ولفيف من القيادات المجتمعية والنسائية والسياسيين ورجال التعليم. وقال كمال عثمان مخلوف، رئيس رابطة قبائل الصعيد، في تصريحات صحفية إن «الأمن داعم لنا بشكل مستمر، من أجل الوقوف خلف الدولة في هذه المرحلة الصعبة».

الأمر ذاته تكرر مع عائلة خلف، كُبرى عائلات محافظة المنوفية، التي حشدت هي الأخرى مئات من سكان قرية المحافظة في أتوبيسات للذهاب لميدان تجمع مؤيدي السيسي، ويقول أحمد خلف، 55 عامًا، إن العائلات «أفضل ناس تحقق الاستقرار للرئيس، لأن كلمتنا مسموعة، وهيبتنا محفوظة».

«فورين بوليسي»: بعد ظهور المقاول محمد علي.. مصر لا تحتاج للنخب الليبرالية

عرض التعليقات
تحميل المزيد