1,177

دخلت مصر على خط الأزمة السورية بشكل أكثر فاعلية في الشهور الأخيرة، أهلها لتكون الراعي الرسمي لأكثر من مبادرة سورية وجدت توافقًا كبيرًا والتزامًا من النظام السوري، وبعض فصائل المعارضة السورية المُسلحة. يحاول التقرير استكشاف طبيعة هذا الدور المنوط بمصر، وما هي أبعاده التي تتحرك من خلاله، وعلاقة دولتي الإمارات والسعودية به.

مصر تستثمر علاقاتها مع نظام الأسد: دعم عسكري وزيارات أمنية رفيعة المستوى

سعى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ بداية ولايته الرئاسية، لإرسال رسالة واضحة يُؤكد فيها بشكل علني عدم دعم القاهرة للثورة السورية، ومُساندته للجيش الرسمي السوري في معاركه بالمدن السورية،  في رسالة اعتبر من خلالها المحللون أن «القاهرة تصطف في مسار الدول التي تدعم نظام بشار الأسد، وتقف مع روسيا نحو الوصول لتسوية للأزمة السورية تتضمن بقاء «الأسد» على رأس السلطة.

وتجلى هذا الدعم لنظام بشار الأسد في تصريح للرئيس عبد الفتاح السيسي في مقابلة تلفزيونية مع التلفزيون البرتغالي في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2016، حين أكد على أنّ «خيار السلطات المصرية في الأزمة السورية بدعم الجيش السوري في عملياته داخل الأراضي السورية والحل السياسي كأولوية على أي خيار».

سارت مصر على خط دعم نظام بشار الأسد في المحافل الدولية، كتصويتها في مجلس الأمن لصالح القرار الروسي بشأن الأزمة السورية إلى جانب الصين وفنزويلا،  في أكتوبر ( تشرين الأول) من عام 2016، والذي تضمن «الوقف الفوري لكافة الأعمال العدائية وخصوصًا مدينة حلب، والتأكيد على التحقق من فصل قوات المعارضة السورية المعتدلة عن جبهة فتح الشام، المصنفة إرهابية كأولوية أولى».

وتنكشف متانة العلاقة بين النظام المصري ونظيره السوري على مستوى التعاون الأمني والاستخباراتي عبر أول زيارة مُعلن عنها بشكل رسمي من جانب وفد أمني رفيع المستوى على رأسها رئيس المخابرات السورية اللواء علي المملوك للقاهرة، بناء على دعوة من الجانب المصري، في 18 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2016، برفقة ستة مسؤولين سوريين، التقى خلالها رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء خالد فوزي، حسب ما أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية.

وأعلنت الوكالة السورية الرسمية أن الجانبين اتفقا على تعزيز المواقف السياسية بين البلدين، ومكافحة الإرهاب الذي يتعرض له البلدان. وانعكس هذا التنسيق الأمني على دعم القاهرة للنظام السوري بـ«تشكيل وحدة عسكرية مصرية بقاعدة حماة الجوية تضم 18 طيارًا، ينتمون إلى تشكيل مروحيات بشكلٍ خاص، فضلًا عن وجود ضابطين مصريين برتبة لواء، على مقربة من غرف العمليات بهيئة أركان الجيش السوري بدمشق، يقومان بجولات استطلاعية على الجبهات السورية، بعد وصولهم إلى دمشق سبتمبر (أيلول) 2016، وأنّهما شاركا – حينها – في اجتماع تقييمي لمنطقة عمليات الفرقة الخامسة السورية التي تنتشر حول درعا»، حسبما أكدت جريدة السفير اللبنانية، نقلًا عن مصادر عسكرية سورية.

وتُشير المعلومات المذكورة في التقرير إلى توسُّع الانخراط العسكري المصري مع القوات السورية في عام 2017، عبر وصول قوات مصرية كبيرة ستشارك في العمليات العسكرية، ولن تكتفي بتقديم المدد الجوي في قاعدة حماة. تتقاطع هذه المعلومات مع ما أوردته وكالة «تسنيم» الإيرانية، في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، عن «قيام  الحكومة المصرية بإيفاد قوات عسكرية إلى سوريا، في إطار مكافحة الإرهاب والتعاون والتنسيق العسكري مع الجيش السوري بقيادة الرئيس بشار الأسد».

ونقلت الوكالة عن مصادر قولها «إن مصر أصبحت حريصة على تقديم المساعدات العسكرية وإرسال قوات إلى سوريا للمشاركة في معارك الحكومة السورية ضد الإرهابيين»، وأكدت كذلك «أن الحكومتين السورية والمصرية ستعلنان عن هذه التنسيقات التي ستكون قائمة بينهما بهدف مكافحة الإرهاب، رسميًا، في مستقبل ليس ببعيد».

اقرأ أيضًا: ما وراء لقاء حماس والمخابرات المصرية: الوساطة السعودية.. وصراع الأجهزة الأمنية

الوسيط مصري والضامن روسي.. 3 اتفاقيات وقف إطلاق نار في أقل من عام

بدأت مصر تدخل على خط الأزمة السورية في 20 يوليو (تموز) العام الجاري، وسيطًا بين الفصائل المُسلحة ونظام الأسد، وذلك برعاية هدنة بمنطقة الغوطة الشرقية في 20 يوليو (تموز) من عام 2017،  والتي أدت إلى وقف إطلاق النار بالمنطقة، ونشر قوات روسية تكون مسئولة عن رعاية الاتفاقية، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وعمل ممرات لعبور المدنيين.

Embed from Getty Images

ودخلت روسيا ضامنًا لهذه الاتفاقية، وفاعلًا أساسيًّا فيها، من خلال نشر قواتها لرعاية الاتفاقية، فضلًا عن تولي وزارة الدفاع الروسية إعلان نتائج مفاوضات الأيام الثلاثة التي انعقدت في القاهرة بحضور مُمثل لوزارة الدفاع الروسية، وآخر من الجانب المصري، ومُمثل من جيش الإسلام، وتيار الغد السوري.

ووجدت الاتفاقية قبولًا من الجانب السوري، الذي تعهَّد بوقف كافة الأعمال القتالية بمنطقة الغوطة الشرقية، بينما بارك جيش الإسلام، أحد الفصائل السورية المُسلحة، الوساطة المصرية، وأعلن التزامه الكامل بكافة التوصيات التي خرجت من هذه المفاوضات. جددت مصر مساعيها في الأزمة السورية عبر رعايتها لوساطة جديدة تتعلَّق بوقف إطلاق النار بمدينة حمص السورية، جرى توقيع بنوده في 31 يوليو (تموز) الماضي، بمُشاركة نفس أطراف اتفاقية الغوطة الشرقية، وتضمَّنت بنوده وقف إطلاق النار بين المعارضة المُسلحة «المعتدلة» وقوات النظام في ريف حمص الشمالي، بضمانة وزارة الدفاع الروسية، عبر نشر قوات الشرطة العسكرية الروسية بمنطقة التسوية، ووساطة الجانب المصري الذي انعقدت المفاوضات على أرضه.

وعادت مصر مرة أخرى وسيطًا للأزمة السورية خلال الشهر الجاري، برعايتها اتفاقية هدنة جديدة وقف إطلاق النار في جنوب العاصمة السورية دمشق من جانب فصائل كل من «جيش الإسلام» و«جيش الأبابيل» و«أكناف بيت المقدس» برعاية مصرية وضمانة روسية كحال الاتفاقيات السابقة.

وتضمنت بنود الاتفاق «استمرار فتح المعابر في جنوب العاصمة دمشق لدخول المساعدات الإنسانية ورفض التهجير القسري». وسبق دخول مصر وسيطًا لمبادرات وقف إطلاق النار، رعايتها أكثر من مؤتمر للمعارضة السورية المعتدلة لتوحيد صفوفها، وبلورة مطالبها في المفاوضات، فضلًا عن احتضانها مؤتمر تأسيس تيار الغد السوري المُعارض.

هل تحولت مصر لمُمثل للإمارات والسعودية في الأزمة السورية؟

لا تنفصل فاعلية الدور المصري، مؤخرًا، في الأزمة السورية عن حالة التماهي في المواقف بينها وبين دولتي الإمارات والسعودية حيال قضايا الشرق الأوسط، وخصوصًا موقفها من دولة قطر في الأزمة الأخيرة، فضلًا عن المسعى الإماراتي السعودي في الدفع بمصر نحو الأزمة السورية كمُمثل لها، والدفاع عن مصالحهم في أي مفاوضات تشمل تسوية للأزمة، خصوصًا بعد استحالة الإطاحة ببشار الأسد، حسبما سعت كلتا الدولتين منذ البداية.

Embed from Getty Images
وزير الخارجية المصري يقف بين مجموعة وزراء خارجية عرب.

وتحولت الخصومة بين السعودية ومصر على خلفية التباين في المواقف حيال الأزمة السورية، إلى حالة دعم سعودي للموقف المصري، على خلفية استقرار الدول الكُبرى كأمريكا وروسيا على وجود الأسد ضمن أي تسوية قادمة للأزمة السورية. وتجلت ملامح الدفع الخليجي من كلتا الدولتين لمصر في احتضان مصر تأسيس تيار الغد السوري، الممول إماراتيًا، الذي كان أول الحاضرين لأي اتفاقية هدنة ترعاها القاهرة، وكان المُمثل الحصري للمعارضة السورية، الذي اختارته القاهرة مُعبرًا عن وجهة نظر المعارضة السورية، وكذلك احتضان مصر جيش الإسلام، الفصيل السوري المُسلح في كُل المفاوضات، وهو المدعوم سعوديًا سواء سياسيًا أو ماليًا.

الدعم الخليجي والدفع بالدور المصري تجلى كذلك في القبول اللافت من «جيش الإسلام» أحد أكبر فصائل المعارضة في الغوطة الشرقية، المدعومة سعوديًا، بالمبادرات المصرية، فضلًا عن اختصاص مصر بدعوة مُمثل لجيش الإسلام لحضور جلسة المفاوضات في القاهرة، في دلالة واسعة على الدعم السعودي غير المعلن للدور المصري.

يظهر ذلك في تصريحات لرئيس الهيئة السياسية في «جيش الإسلام» محمد علوش، يدعم فيها الدور المصري لوساطات التهدئة في الأزمة السورية، فضلًا عن  التأكيد على الالتزام بما ستنتهي إليه الوساطة المصرية. وجيش الإسلام هو فصيل سوري مُسلح تأسس لتجميع كافة القوى السلفية التي تحارب على الأرض تحت لوائه، وينخرط التنظيم في المواجهات مع الجيش السوري، منذ اندلاع الأزمة، ويلقى دعمًا بالمال والسلاح من النظام السعودي، أو من رجال قبليين، يكونون مُمثلين للمخابرات السعودية.

المخابرات العامة.. الراعي الرسمي لوساطات مصر في سوريا

حضر جهاز المخابرات العامة المصرية راعيًا رسميًا للمفاوضات والوساطات في الأزمة السورية في الشهور الأخيرة، واحتضان مقره الرسمي بشرق العاصمة المصرية اجتماعات مُمثلي الأزمة السورية، وكذلك اختصاصه بتوجيه الدعوات لمُمثلي الأزمة السورية، دون حضور لمُمثلي وزارة الخارجية المصرية، التي يندرج هذا الملف ضمن اختصاصاتها.

Embed from Getty Images
بعض أعضاء الوفد السوري خلال مُشاركتهم في الاجتماعات التي رعتها السلطات المصرية.

يعكس الحضور الطاغي للجهاز الأمني الذي ترمز له تقارير الصحف المصرية بـ«الجهاز السيادي» إلى الصلاحيات الواسعة التي يضطلع بها، والممنوحة له من «السيسي شخصيًا»، بالتوازي مع تراجع دور الخارجية، واقتصار مهام مُمثليها سواء داخل مصر أو خارجها على المسائل البروتوكولية، أو الظهور في احتفالات دبلوماسية، وإصدار بيانات خالية من المعلومات، مكتوبة بلغة باهتة، ومفردات تكشف عن تغييبها الكامل عن الملفات الأساسية في المنطقة العربية.

ويتجلى كذلك إسناد هذا الملف كاملًا للجهاز الأمني المصري منذ البداية إلى أن أحد أبعاد هذا الدور يرتبط بشكل أساسي بالتنسيق الأمني بين الجانب المصري والسوري، وأن مسألة الدعم الأمني المصري لنظيره السوري، لا تنفصل عن رعاية القاهرة لهذه المبادرات وترحيب النظام السوري بها، بل والتزام قواته بوقف إطلاق النار في المناطق المحددة وفقًا للاتفاقيات.

ويتسم الجهاز في تسويته ورعايته لهذه المفاوضات وغيرها بعدم إصدار بيانات تشرح أدواره أو طبيعة ودوافع هذا الدور، خلافًا لما تقوم به وزارة الخارجية من إصدار بيانات توضيحية عن تفاصيل اجتماعات مُمثليها مع دبلوماسيين أو مُمثلي دول أخرى بشكل دوري.

اقرأ أيضًا: شهر العسل بين النظام المصري وحركة حماس.. المخابرات المصرية كلمة السر!