في أغسطس(آب) الماضي، أعلنت إدارة المتحف المصري عن اختفاء 33 ألف قطعة أثرية، وبعدها بأسابيع  نشرت إدارة متحف اللوفر في أبوظبي صورًا، منها تمثال لإيزيس وهي ترضع ابنها حورس، وهو التمثال الذي يعد من بين آثار مصر التي فقدت خلال الثورة؛ ما أثار الشكوك حول متحف اللوفر – أبو ظبي الذي من المتوقع أن يتم افتتاحه في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم.

وتناثرت بعض الآراء والإشاعات أن الرئيس المصري سمح بهذه القطع الأثرية من أجل تدعيم متحف اللوفر الإماراتي الجديد، نظرًا للعلاقة الطيبة التي جمعته بحكومة أبو ظبي، وعلى الرغم من أن هذه الإشاعات لم يتم تأكيدها حتى الآن، ففي حالة صحتها، لن يكون السيسي هو الحاكم المصري الأول الذي يفرط في آثار مصر، بل سبقه محمد علي والخديوي إسماعيل وتوفيق وعبد الناصر والسادات.

محمد علي.. رائد استخدام آثار مصر لتحقيق أهداف دبلوماسية

في الثاني من أغسطس(آب) عام 1831 قرر محمد علي والي مصر إهداء بريطانيا مسلة تحتمس الثالث، وجاء قرار محمد علي تخليدًا لذكرى انتصار الأسطول الإنجليزي على الفرنسي في معركة أبو قير البحرية في  الثاني من أغسطس (آب) عام 1789 أثناء الاحتلال الفرنسي لمصر. مسلة تحتمس الثاني تعتبر هي الأثر المصري الوحيد ذو القيمة العالية الذي تم نقله إلى بريطانيا في وقت غير الاحتلال البريطاني، وهي مشيدة الآن على نهر التايمز في العاصمة البريطانية لندن منذ عام 1871، أي بعد حوالي 40 عام من قرار محمد علي.

وفي أحد القصص الفرنسية الشهيرة – وإن كانت غير مؤكدة تاريخيًا –  ذُكر أنه بينما كان نابليون يستعد ويجهز جيوشه للقدوم لغزو مصر، حضرت إليه زوجته الأولى «جوزفين» وقالت له: «أحضر ليه مسلة صغيرة من مصر عندما تعود إلى فرنسا».

أما المؤكد فهو أنه في عام 1833 ـأُسقطت مسلة رمسيس الثاني من أمام معبد الأقصر بأمر محمد علي؛ حتى يتم نقلها إلى فرنسا، وذلك لأنه كان مولعًا بفرنسا وكان يراها نموذجًا يحتذى، فقد كانت الدولة الأولى التي فكر فيها عندما أراد أن يرسل بعثات تعليمية للخارج. أما رحلة السفينة من مصر إلى فرنسا فكانت قصة أخرى، ففي البداية كانت هناك مهمة شاقة، وهي كون المسلة في الأقصر، ولا يوجد بحر تبحر إليه السفن من فرنسا إلى الأقصر لتحمل المسلة ثم تعود، لذلك تم بناء سفينة ضخمة وأطلق عليها اسم الأقصر.

وغادرت السفينة من مدينة طولون الفرنسية عام 1831 التي عبرت البحر المتوسط لتصل دمياط ومن فرع دمياط عبرت السفينة من البحر إلى نهر النيل، ثم وصلت الأقصر في النهاية بعد عدة شهور. وعند وصولها إلى الأقصر تم حفر مجرى كبير للسفينة حتى تقترب من معبد الأقصر لتحمل المسلة، وبعد سنوات من فك المسلة وتغليفيها بالخشب لحمايتها، أبحرت السفينة عائدة إلى فرنسا، وقرر الملك الفرنسي «لويس فيليب» وضع المسلة في الساحة الحمراء أو ساحة الكونكورد الذي أُعدم فيها الملك لويس السادس عشر عقب الثورة الفرنسية، حتى تطغى بهجة المسلة على كآبة إعدام لويس السادس عشر.

من أجل السد العالي.. عبد الناصر ضحى بمعابد النوبة

في خمسينات القرن الماضي عندما تقرر  بناء السد العالي لحماية مصر من الفيضانات، ولأهمية وجود مصدر دائم لتوليد الطاقة، كان هناك الكثير من العقبات أو الخسائر التي كانت ستتكبدها مصر نتيجة هذا المشروع، ومنها أحد أهم آثار مصر، معبد أبو سمبل الذي ربما كان مصيره الغرق تحت مياه بحيرة المياه التي تكونت خلف السد العالي، لولا الدور العظيم لمنظمة اليونسكو؛ حيث دشنت حملة عالمية لتمويل مشروع إنقاذ معبد أبو سمبل ونقله لمكان آخر بعيدًا عن مياه النيل، وتكلف هذا المشروع ما يقرب من 40 مليون دولار بمساعدة هولندا وأمريكا وأسبانيا وألمانيا وإيطاليا.

وتقديرًا لهذه الجهود؛ أهدى عبد الناصر مجموعة من آثار مصر لهذه الدول، وتحديدًا معابد النوبة، فكان نصيب أمريكا هو   معبد دندور، وهو المعبد الذي تم تشييده من أجل الإلهين: إيزيس وأوزوريس، ولحجم المعبد الصغير الذي لا يتعدى حجم حجرة صغيرة، فقد شيّد في متحف الميتروبوليتان بنيويورك عام 1978. ومعبد دابود الذي بناه الملك النوبي آزخر آمون، تم إهداؤه إلى إسبانيا ووضع في القصر الملكي بمدريد عام 1972. وكان هناك معبد آخر يسمى «معبد طافا» بناه الرومان أثناء احتلالهم لمصر، وقدمه عبد الناصر هدية  لهولندا، وأعيد تركيبه بمتحف الآثار بمدينة ليدن.

ولما لم يكن هناك معابد كافية من أجل إيطاليا وألمانيا، أهدى عبد الناصر  إيطاليا مقصورة  الليسيه التي بنيت في عهد الملك تحتمس الثالث عام، ومن داخل معبد كلابشة أخذ عبد الناصر البوابة البطلمية وأهداها إلى ألمانيا، وتم وضعها في الجانب المصري في متحف برلين.

Embed from Getty Images
إحدى الحفلات الموسيقية أمام معبد دندور في متحف الميتروبوليتان بنيويورك.

معبد دابود في القصر الملكي في مدريد

صورة معبد تافا في مصر قبل نقله إلى هولندا

البوابة البطلمية – مصدر الصورة مصر العربية

مقصورة الليسيه – مصدر الصورة مصر العربية

الخديوي إسماعيل يكمل مسيرة محمد علي.. والسادات على خطى عبد الناصر

كادت الحرب تشتعل بين إنجلترا وفرنسا من ناحية وبين الولايات المتحدة من ناحية أخرى، وذلك عندما وافق الخديوي إسماعيل على طلب القنصل الأمريكي «ألبرت إيلي فارمان» بحصول أمريكا على مسلة  يتم وضعها في نيويورك كالمسلتين اللتين تم وضعهما في باريس وفي لندن، ولأن الخديوي إسماعيل معروف بسخائه وهداياه التي كلفت مصر الكثير – حتى أنه في كتاب «سرقات مشروعة» ذكر الكاتب أشرف العشماوي أن الخديوي إسماعيل أهدى ما يقرب من 4000 قطعة من آثار مصر لملوك فرنسا وألمانيا والنمسا، فضلًا عن أنه كان يفكر في تقليل النفوذ الأوربي في مصر –  وافق على طلب القنصل الأمريكي.

ليس ذلك فقط، بل منحه مسلة أكبر وأكثر قيمة؛ لأنه كان يفكر بأن الولايات المتحدة دولة صاعدة، ومن الجيد بناء علاقات طيبة معها؛ علها تساعده في التخلص من نفوذ إنجلترا وفرنسا في مصر، وهو الأمر الذي لم يعجب حكومة لندن وباريس، واعتبروه تدخلًا صارخًا للولايات المتحدة في مصر والشرق الأوسط، وحاولوا الضغط على إسماعيل ومن بعده الخديوي توفيق، ولكن توفيق وافق على نقلها عام 1881 لتستقر في حديقة سنترال بارك بولاية نيويورك الأمريكية.

أما عن السادات، فيقول المستشار أشرف العشماوي في كتابه: إن السادات كان من أكثر الرؤساء الذين ، فقد وصلت عدد آثار مصر التي فرط فيها السادات على سبيل الهداية إلى 100 قطعة، وخصصت هذه القطع لمجموعة من الشخصيات، أهمها كان إمبراطور إيران محمد رضا بهلوي عام 1971 ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر 1973 والرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان 1975. و رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد للسلام، ولم يكن السادات وحده هو من يهادي أقرانه بالآثار الماضية؛ بل زوجته جيهان أيضًا التي أهدت قطعًا من آثار مصر إلى إيميلدا ماركوس زوجة الرئيس الفلبيني الأسبق، وزوجة رئيس المكسيك في ذلك الوقت.

المصادر

تحميل المزيد