استيقظت مصر صباح أمس على ضجة كبيرة إثر حادثة وقعت بواحة الفرافرة بالصحراء الغربية أودت بحياة 12شخصًا بينهم سياح مكسيكيون، وإصابة 10 آخرين إثر تعرض فوج سياحي لهجمات من قبل قوات الأمن المصرية “عن طريق الخطأ”، وفي هذا التقرير نسلط الضوء على تفاصيل ذلك الحادث وتباين الروايات حوله وشهادات الناجين، وكيف تناوله الإعلام المصري، ورصد للحوادث التي وقعت في الفرافرة قبل هذا الحادث، بالإضافة إلى رصد عدد من الهجمات التي استهدفت السياح بمصر تاريخيًّا:

1- ما الذي حدث؟


في الساعات الأولى من يوم 14 سبتمبر، أصدرت وزارة الداخلية بيانًا مقتضبًا في الثانية صباحًا، نص على :
” بتاريخ 13 الجاري وأثناء قيام قوات مشتركة من الشرطة والقوات المسلحة بملاحقة بعض العناصر الإرهابية بمنطقة الواحات بالصحراء الغربية تم التعامل بطريق الخطأ مع عدد أربع سيارات دفع رباعي تبين أنها خاصة بفوج سياحي مكسيكي الجنسية، والذين تواجدوا بذات المنطقة المحظور التواجد فيها.. وقد أسفرت الواقعة عن وفاة عدد 12 شخصًا وإصابة 10 أشخاص من المكسيكيين والمصريين تم نقلهم للمستشفيات للعلاج .
تم تشكيل فريق عمل لفحص أسباب وملابسات الحادث ومبررات تواجد الفوج السياحي بالمنطقة المشار إليها والمحظور التواجد فيها .”

وأكدت وزارة الخارجية على ما جاء في بيان وزارة “الداخلية”، من خلال مكالمة هاتفية أجراها وزير الخارجية المصري سامح شكري مع “كلوديا ماسيو” وزيرة خارجية المكسيك .

وأصدرت وزارة السياحة المصرية بيانًا اتسق مع بيان “الداخلية”، وأضافت عليه رشا العزايزي المتحدثة الرسمية باسم الوزارة في البيان: “أن السيارات التي استخدمها الفوج السياحي المكسيكي ليست مرخصة، وأن الفوج لم يحصل على التصاريح اللازمة للخروج في “رحلة سفاري”، كما لم يبلغ بأية إخطارات بشأن الرحلة أو مسارها.”

وتجدر الإشارة إلى أن الرواية الرسمية المصرية لم تحدد عدد الضحايا المصريين، ونوع “تعامل” قوات الأمن مع الفوج السياحي سواء كان عن طريق إطلاق الرصاص أم بقصف قنابل جوية، وهو ما سيشير إليه مصادر غير حكومية.
ولم يعلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على الحادثة، وأرسل رسالة تهنئة للمكسيك بمناسبة عيدها القومي.

 

2- تفاصيل غابت عن” الرواية الرسمية المصرية”

وعلى عكس الرواية الرسمية، فقد روى الناجون من مصر والمكسيك تفاصيل أخرى تم نفي أن المنطقة كانت محظورة، ويروي شريف فاروق السائق الناجي من الحادثة شهادته في مكالمة تلفونية على أحد البرامج التلفزيونية المصرية :

“إحنا كنا 4 سيارات دفع رباعي، وعندما وصلنا الكيلو 260 طريق الواحات، لقينا )زبونة) بتقول جعانة جدًا كان الساعة 2 ظهرًا ودخلنا بيها مسافة كيلو و200 متر من الأسفلت، وفرشنا فرشة عملنا قعدة وفوجئنا الضرب نازل علينا من الجو بطريقة كبيرة جدًا.

كان الساعة 2 ظهرًا، وسامعين أصوات بس مش شايفين مين بيضرب، وأول دانة حطمت زجاج العربيات، وجريت للناحية الثانية على الطريق، وبعدها ركبت سيارة أول ما وصلت الأسفلت وأبلغت الشرطة عند أول نقطة إسعاف رقم 240اتصبت بشظايا في رجلي، وكذلك أن المنطقة اللي كنا فيها مكنش فيه إرسال وموبايلي باظ، وركبت عربية وبلغت الشرطة والنجدة وفرد التأمين بلغ مكتب شرطة السياحة …المنطقة اللي قعدنا نتغدى فيها، ليست مناطق محظورة وده كيلو من الأسفلت، ومش مكتوب أي يافطات تقول إن دي منطقة محظورة، ولما رجعنا تاني مع الشرطة لقينا العربيات متفحمة والناس ميتة”.

شاهد الفيديو:

 

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=omZiR5mkFu8″ width=”800″ height=”450″ ]

وفي سياق متصل، اتسقت رواية 6 ناجين من المكسيك مع رواية السائق الناجي في كون الفوج السياحي كان يتناول الغذاء، وأضافت عليه تحديد شكل تعامل قوات الأمن مع الفوج بـ”قصف جوي” إذ قالت وزيرة خارجية المكسيك كلاوديا ماسيو، خلال مؤتمر صحافي، إن الناجين من الهجوم أكدوا أنهم توقفوا لتناول وجبة طعام في منطقة الواحات بالصحراء الغربية المصرية حين تعرضوا “لهجوم جوي بقنابل أطلقتها طائرة ومروحيات”.

من جانبها استنكرت نقابة المرشدين السياحيين، بيان وزارة السياحة، إذ أكد حسن نحلة نقيب المرشدين السياحيين أن المكان الذي وقعت فيه الحادثة “نجلس فيه دائمًا ولم يأت إلينا أي إخطار يفيد بمنع دخولنا أو حظرنا”.

ونفى أيضًا تلقيه معلومات” بوجود اشتباكات بين قوات الجيش والإرهابيين” في المنطقة، ويروي نحلة:” أن شركة السياحة تخطر شرطة السياحة بموعد وتوقيت الرحلة والبرنامج، ثم تحصل على موافقة أمنية وإخطار بالموافقة من قبل قوات حرس الحدود والمخابرات لدخول الصحراء والواحات البحرية.”

من جانبه نشر موقع المراقب الإكتروني “إخطارًا للجهات الأمنية بموعد وصول الفوج إلى الواحات البحرية في 13 سبتمبر أي وقت وقوع الحادثة”.

3- رد فعل مكسيكي:


أدان الرئيس المكسيكي إنريكى بينا نييتو صباح الاثنين 14 سبتمبر حادث مقتل السائحين المكسيكيين مطالبًا الحكومة المصرية بالتحقيق في الحادث، وأعلنت المكسيك أن سفارتها بالقاهرة، في حالة تأهب لمتابعة أوضاع مواطنيها المتضررين في الحادث.

وأفاد الرئيس المكسيكي وتصريح للخارجية المكسيكية بمقتل اثنين من مواطني المكسيك بمصر، لكن مصادر أمنية وقضائية مصرية قالت لاحقًا -بحسب رويترز والبي بي سي إن ثمانية مكسيكيين وأربعة مصريين قتلوا وأن ثمانية مكسيكيين آخرين واثنين من المصريين أصيبوا بجراح في الحادث.

وقالت مكسيكية إن شقيقتها المعالجة الروحانية وابن شقيقتها كانا بين ضحايا الحادث. وأضافت أن قريبًا للمرشد السياحي للمجموعة بعث إليها بقائمة بأسماء ثمانية مكسيكيين قتلوا في الحادث.
وقالت وزيرة الخارجية المكسيكية في تصريح لها بأنها :”اجتمعت بالسفير المصري لدى المكسيك ياسر شعبان، وسلمته رسالة دبلوماسية تعبر عن الانزعاج الشديد للحكومة المكسيكية إزاء هذه الواقعة المشينة، والمطالبة بإجراء تحقيق سريع وشامل ومفصل، فضلًا عن تقديم تفسير موضوعي فوري يتضمن توضيح الحقائق وتحديد المسئوليات المترتبة عليها”.

وأشارت إلى تقديم التعازي تلفونيًّا من قبل كل من وزير الخارجية المصري سامح شكري، ورئيس الوزراء المؤقت إبراهيم محلب الذي قام بزيارة للمستشفى للاطلاع على حالة الضحايا، وإعلان كليهما عن استعداد الجانب المصري لإجراء تحقيقات عاجلة للحادثة، معربةً :”إننا على ثقة من أن الحكومة المصرية سوف تظهر الإرادة السياسية وسرعة التحرك المطلوبين بشأن هذه الواقعة”.

4- كيف تناول الإعلام المصري الحادثة؟

 



في الساعات الأولى من يوم 14 سبتمبر وقبل أي بيان رسمي من وزارة الداخلية المصرية حول الحادثة، لجأ عدد من الصحف المصرية لمصادر أمنية أفادت بـ”تصفية قوات الأمن المصرية لعناصر إرهابية في الواحات، بعد اشتباكات استمرت لساعات.

ولم يتوقف الأمر على ذلك، بل تم البناء على ما قيل من مزاعم حول حادثة الواحات، عندما أوردت بعض الصحف أخبار تفيد بأن التحقيقات الأولية للحادثة تفيد بأن “العناصر الإرهابية تابعين لمجموعة هشام عشماوي المتورطة في اغتيال النائب العام”، وفي أقوال أخرى فإن “التحقيقات الأولية أفادت بأن العناصر الإرهابية الذين تم تصفيتهم متورطون في خطف المهندس الكرواتي الذي تم إعدامه من قبل ولاية سيناء التابعة لتنظيم الدولة”.

وبعد بيان وزارة الداخلية في هذا الصدد اتجهت تقارير تلك الصحف تدريجيًّا نحو الرواية الرسمية، وخلال يوم 14 سبتمبر أفردت المواقع والصحف المصرية اهتمامها بالحادثة بشكل أساسي ونشر الروايات المختلفة حولها وردود الأفعال الرسمية وغير الرسمية.

5- كيف تناولت الصحافة العالمية الحادث؟



ركز عدد من التقارير من الصحف العالمية على الأثر السلبي الذي سيسببه الحادث على قطاع السياحة في مصر، وأشارت إلى نشاط “ولاية سيناء” المتصاعد الذي وصل إلى “العاصمة”، إذ أشارت صحيفة الجارديان البريطانية إلى أن هناك 15 مليون سائح زار مصر في 2010 وانخفض هذا الرقم ليصل إلى 10 مليون بنهاية 2014، وهو ما ينم عن تراجع معدلات السياحة نتيجة للفوضى السياسية والاقتصادية التي تشهدها البلاد في السنوات الأخيرة.

وتحدثت الصحيفة مع الناشط الحقوقي عمرو إمام الذي قُتل أحد أقاربه في الحادث ويسمى عوض فتحي، وقال إمام: “فتحي، الذي يبغ من العمر 37 عامًا، كان مديرًا ومرشدًا سياحيًّا بفندق في الواحات البحرية، وهي محطة سياحية مشهورة على بعد 370 كيلومترًا جنوب القاهرة”.

وذكرت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية أن “حادث الواحات يمثل ضربة جديدة لقطاع السياحة المصرية” ولفتت صحيفتي الوشنطن بوست والنيويورك تايمز، إلى زيادة هجمات إسلاميين متمردين منذ عزل الجيش لمحمد مرسي في2013، وأشارت إلى “تمركز هؤلاء المتردين في شبه جزيرة سيناء، وأطلقوا على أنفسهم “ولاية سيناء” بعد إعلان ولائها لـ”تنظيم الدولة”، وقد قاموا بهجمات وتفجيرات وصلت إلى العاصمة أدت لمقتل مئات لعساكر والمدنيين”.

هذه الحادثة ليست الأولى في الواحات:

لم تكن هذه الحادثة الأولى في الواحات بالصحراء الغربية، ففي أغسطس الماضي أعلن الجيش المصري مقتل 4 جنود من القوات الجوية بعد سقوط طائرتهم أثناء مطاردة مسلحين بالقرب من واحة سيوة بالصحراء الغربية.

وفي يوليو 2014، شنت جماعة أنصار بيت المقدس التابعة لـ”تنظيم الدولة بالعراق والشام” هجومًا على نقطة تفتيش عسكرية تابعة لقوات حرس الحدود بالفرافرة أسفر عن مقتل 22 عسكريًّا.

6- السياح “ضحايا” الصراعات المصرية:

تكرر في مصر وقوع السياح كضحايا لصراعات سياسية وعسكرية ليس لهم أي علاقة بها، ففي الشهر السابق لتلك الحادثة أعدمت ولاية سيناء التابعة لـ”تنظيم الدولة بالعراق والشام” مهندس كرواتي كانت قد اختطفته واتخذته رهينة، وطالبت الدولة بإطلاق سراح النساء المعتقلات في المقابل وهو ما لم تفعله؛ فأعدمت المهندس الكرواتي بعد أيام قليلة من حفل افتتاح مشروع قناة السويس.

ومن أشهر الاعتداءات على السياح في مصر ومن أكثرها دموية هو ما حدث في 17 نوفمبر عام 1997 ميلاديًّا، وسمي بـ”مذبحة الأقصر”؛ إذ داهم 6 مسلحين معبد حتشبسوت بالدير البحري وأطلقوا النار صوب السياح مما أسفر عن مقتل 58 سائحًا.
ووجهت أصابع الاتهام آنذاك لـ”الجماعة الإسلامية” التي انقسمت بياناتها الإعلامية بين مقر بتحمل مسئولية الحادث، وإدانة الحادث ونفي الصلة به.
وقد أدى هذا الحادث إلى إقالة وزير الداخلية اللواء حسن الألفي، وتعيين حبيب العادلي وزيرًا للداخلية، وكان من أكثر الوزراء قمعًا حتى تم إسقاطه إثر احتجاجات 25 يناير 2011.

وفي خلال فترته لم تسلم السياحة من الهجمات التي أودت بحياة عشرات الضحايا من المصريين والأجانب بحوادث متعدد في (طابا34 قتيلًا)) وشرم الشيخ 60 قتيلًا)) ودهب 23 قتيلًا)، وكانت توجه أصابع الاتهام آنذاك لجماعة “التوحيد والجهاد”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد