على مدار سنوات طويلة، كانت الصراعات بين القوى المُحافظة والقوى الليبرالية في المكسيك تأخذ مساحة لا يُستهان بها، نزاعات مستعرَّة في أرجاء البلاد، تترتب عليها تدخلات أجنبية، فرنسية تارة، وأمريكية تارة أخرى، وغيرهما.

وفي ظل الحرب الأهلية الطاحنة التي اشتعلت عام 1857 أخذت البلاد مسارًا تاريخيًا جديدًا من الصراع الذي سيتشكل معه جزءٌ من تاريخ، ليس المكسيك وحدها، ولكن مصر أيضًا. فكما سنرى، لم تكن «حرب الخليج» هي الحرب الوحيدة التي خاضتها الجيوش المصرية خارج حدودها حديثًا، وبالرغم من أنها أشهر تلك الحروب، إلا أن هناك عددًا من النزاعات التي كان الجيش المصري طرفًا فيها من قريب أو بعيد، وحرب المكسيك كانت إحداها.

المكسيك وتاريخٌ طويل من الحرب الأهلية

خريطة تقسيم المكسيك بين عامي 1861:1875

سادت قائمة طويلة من الصراعات أجواء المكسيك منذ بداية القرن الـ19، نزاعات وحروب أهلية متجددة يهمنا فيها تلك الحرب التي اشتعلت عام 1875 بين القوى المحافظة المتمثلة في الكنيسة الكاثوليكية، والتي تُسيطر على القوة الاقتصادية والسياسية والثقافية للبلاد، وبين القوى الليبرالية التي تسعى لتحرير البلاد من قبضة الكنيسة، وما تُصاحبها من شركات ومؤسسات نشأت في ظل الحقبة الاستعمارية وتدعمها القوى المحافظة بقوة، ومن سطوة الجيش كذلك.

استعان كل اتجاه بقوة خارجية «استعمارية» تدعم وجوده واستمراره، وبينما كانت الولايات المتحدة ملاذ الاتجاه الليبرالي، كانت أوروبا هي سبيل المحافظين للمواصلة. وتلاحقت ديون الطرفين مع وعود بإعادتها عند تولي السيطرة على البلاد وإزاحة الطرف الآخر نهائيًا. وكان انتصار القوى الليبرالية عام 1860 إيذانًا بنهاية الحرب، وبداية مرحلة جديدة من الصراع، فالبلاد المنهكة من الصراع الطويل، والديون المتراكمة للدول الأجنبية، وبقايا صراعاٍت داخلية، كل هذا جعل من العسير على حكومة «خواريز»، المدعومة من الولايات المتحدة، والتي تولت الحكم بعد انتهاء الحرب، سداد ولو جزء بسيط من ديونها للدول الأوروبية، وهو ما أشعل حربًا جديدة أحد أطرافها هذه المرة هي الدول الأوروبية المطالبة بديونها.

أعلنت كل من فرنسا، وبريطانيا، وإسبانيا في أكتوبر (تشرين الأول) لعام 1861 تحالفًا دوليًا؛ يستهدف استرداد أموالهم من حكومة المكسيك، وتحت شعار استرداد الأموال المسلوبة والرد على المعاملة السيئة للأجانب المقيمين في المكسيك من قبل الحكومة، أعلنت الحرب على المكسيك، وفي ديسمبر (كانون الأول) لنفس العام كانت القوات البريطانية والإسبانية والفرنسية تُطل على المكسيك بحرب جديدة.

لم يستمر الأمر طويلًا، ففي مارس (آذار) لعام 1862 انسحب كل من بريطانيا وإسبانيا على خلفية اتفاق يقضي بالاعتراف باستقلال المكسيك مقابل السماح للجنود الأجانب بالعبور إلى «أور يازابا»، وهو الاتفاق الذي أشعل الخلاف بين الدول الاستعمارية الثلاث. انسحب كل من بريطانيا وإسبانيا، وبقيت فرنسا في مواجهة غضب الثوار الليبراليين وأجواء المكسيك الحارة والمُعبأة بالأمراض التي لم يستطع الجنود الفرنسيين المواصلة معها، وعلى خلفية حروب سابقة طلب «نابليون الثالث» من «سعيد باشا»، والي مصر آنذاك، أن يساعده بجنودٍ مصريين على أمل أن يتحملوا ما لم يستطع جنود فرنسا تحملّه.

«الأورطة/الكتيبة» المصرية السودانية في المكسيك

«الأورطة» كلمة عثمانية، وهو اسم قديم للوحدة العسكرية، والتي تُعرف اليوم بالكتيبة. وقد صاحبت الكلمة الجنود السودانيين والمصريين الذين خرجوا من مصر للمشاركة في حرب المكسيك إلى جوار الجنود الفرنسيين. تكونت الأورطة من 453 جندي ما بين ضباط وصف ضباط وجنود، وتحت قيادة البكباشي «جبرة الله محمـد أفندي»، ووكيله اليوزباشي «محمـد الماس أفندي». غادرت الأورطة مصر في يناير (كانون الثاني) 1863 على ظهر النقالة الفرنسية «لا سين» من الإسكندرية، ووصلت فيراكروز، المكسيك، في 23 فبراير (شباط)، ومات منها في أثناء السفر 7 جنود، بينما توفي 15 جندي في الأيام الأولى لوصولهم المكسيك دون سبب واضح مُعلن.

شارل جلياردو بك مؤسس متحف بونابرت بالقاهرة مع أربعة من ضباط الأورطة السودانية المصرية بالمكسيك.

اختزلت مشكلات الأورطة بداية، في عدم تكافؤ السلاح الخاص بها مع سلاح الجنود الفرنسيين؛ مما دعا القيادة الفرنسية إلى تسليم أفرادها سلاحًا فرنسيًا تُناسب ذخيرته ما معها من سلاح. اللغة أيضًا كانت إحدى المشكلات التي واجهت الجنود على كلا الطرفين؛ مما جعل من الضروري استدعاء جنودًا جزائريين مشاركين في الحملة للقيام بترجمة أوامر القيادة الفرنسية للجنود، وترجمة احتياجات الجنود ومطالبهم للقيادة.

بعد وصول الأورطة للمكسيك قامت القيادة الفرنسية بإعادة تشكيل الجنود وتوزيعهم، حيث تمت إعادة تنسيق الأورطة على الطريقة الفرنسية فتم تقسيمها لـ 4 فرق وصرف الأوامر التي تحدد مهمة كل فرقة، فبمجرد استقرار الأمر للجنود في المكسيك، صدرت إليهم الأوامر بمساعدة الفرنسيين في عمليات القضاء على الثوار وعصابات الفدائيين المكسيكيين واللصوص الذين واصلوا الاعتداء على الجنود الفرنسيين، وعلى نقاط الدفاع التي لا تتمتع بحماية قوية، وقوافل المؤن والذخيرة الخاصة بالجيش الفرنسي، وعندها بدأت إنجازات الأورطة في المكسيك، والتي أبهرت القادة الفرنسيين، حسب قول قائدهم نفسه:

هؤلاء الجنود المصريون والسودانيون الذين لا تسمح نفوسهم بالهزيمة يستحقون كل ثناء، وإني لم أر في حياتي مطلقًا قتالًا نشب في سكون عميق وحماسة نادرة مثل ذلك الذي خاضه هؤلاء الجنود؛ فقد كانت أعينهم وحدها هي التي تتكلم، وكانت جرأتهم تذهل العقول وتحير الألباب، حتى لكأنهم ما كانوا جنودًا، بل أسودًا. *القائد العام الفرنسي، عن الأورطة السودانية المصرية.

إنجازاتٌ وأساطير صاحبت الجنود المصريين – السودانيين في المكسيك

في البداية، تم تكليف جنود الأورطة بحماية طريق المواصلات الذي يصل مدينة فيراكروز بخط الإمدادات الخارجية للجنود الفرنسيين، وقد تولوا تلك المهمة منذ بداية وصولهم عام 1863، وحتى مغادرة الجيش الفرنسي للمكسيك عام 1867، وهو ما جعل القائد الفرنسي حينها يُصرّح بأنه ليس لديه ما يُبديه بشأن جنود الأورطة، سوى الإطراء والثناء من كل الوجوه. ودخلت الأورطة عدة معارك رئيسة منذ وصولها للمكسيك بخلاف حماية خط الإمدادات في فيراكروز، فقد تولت الأورطة كذلك:

  • حماية خطوط الاتصالات على الطريق بين مدينة بوبيلا وبين السواحل المكسيكية، والتي حاول الثوار المكسيكيون مهاجمتها مرارًا وتكرارًا.
  • حماية خط سكة حديد تابع للجيش الفرنسي، حتى الانتهاء من استكمال أعمال البناء الخاصة به.
  • قامت بدور حرس الشرف في الاحتفالات التي أُقيمت بمدينة ميكسيكو العاصمة، بعد دخولها من قبل الجيش لفرنسي بمشاركة الأورطة، والمساهمة في تنظيم الاحتفاليات بعرض عسكري خاص.

وتعد «معركة القطار 1863» من أهم المعارك التي خاضتها الكتيبة المصرية في المكسيك، حيث كان هناك 7 من جنود الكتيبة يتولون حماية القطار المتوجه من مدينة فيراكروز إلى سوليداد، والذي كان يحمل ما يقارب 50 من قيادات الجيش الفرنسي. فقد قام الثوار بقطع الطريق وخلع قضبان القطار؛ مما أدى لتوقفه، وتعرضه لوابل من النيران المكسيكية، وتولى الجنود الـ7 مهمة الدفاع عن القطار حتى وصول التعزيزات من الجيش الفرنسي. ولم تكن هي المعركة الوحيدة التي تحمل هذا النمط من أخذ جنود الكتيبة المصرية السودانية على عاتقهم مهمة حماية منشآت وجنود وقادة فرنسيين، بالرغم من قلة عددهم، ويمكنك قراءة المزيد عن هذه البطولات في كتاب «بطولات الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك» للأمير عمر طوسون من هنا.

الهزيمة لفرنسا.. والتكريم للجنود المصريين

بالرغم من الانتصارات التي أحرزتها القوات الفرنسية داخل المكسيك، إلا أنه وبمساعدة أمريكا، والتي كانت هي الأخرى قد انتهت لتوها من حرب أهلية طاحنة، أصبح لمتمردي المكسيك اليد العليا على القوات الفرنسية، وساهمت أمراض المكسيك وأجوائها الحارة واستنزاف موارد الخزينة الفرنسية في معارك طويلة كذلك في إنهاء الصراع لصالح أصحاب الأرض. ففي يناير (كانون الثاني) 1866 أعطى نابليون الثالث أوامره للقوات الفرنسية بالانسحاب، وأعلن أن هذا الانسحاب سيتم على 3 مراحل تنتهي في نوفمبر (تشرين الثاني) 1867، وكان إعدام قوات الثوار للإمبراطور «ماكسيميليان» –الذي نصبه نابليون الثالث إمبراطورًا على المكسيك بعد احتلالها- بمثابة تحذير لأيَّة قوات أجنبية ستحاول استلام زمام المبادرة من نابليون، ومحاولة احتلال البلاد مرة أخرى.

بنهاية الحرب في المكسيك، كانت الأورطة السودانية المصرية قد تولت – خلال الفترة من 1867:1863- مهامًا متعددة، وشاركت فيما يُقارب 48 معركة حربية، وأثبتت جدارتها في غالبية المعارك التي خاضتها، فوفقًا للتقارير التي رفعها قائد الكتيبة والقائد العام للجيش الفرنسي، لم تُسجل حالة واحدة من سوء السلوك أو التخاذل عن أداء المهام المطلوبة لأي جندي من جنود الكتيبة المصرية السودانية خلال السنوات التي قضتها الكتيبة في المكسيك كاملة. وهو ما ساهم في ترقية العديد من أفراد الكتيبة خلال فترة تواجدهم بالمكسيك أو عند عودتهم، وكذلك منح عددًا منهم أنواط الشرف خلال الزيارة التي قامت بها الأورطة لفرنسا في طريق عودتها إلى الوطن بعد انتهاء خدمتها في المكسيك.

عادت الكتيبة السودانية المصرية إلى مصر في أواخر مايو (أيار) 1867، حيث قامت بتقديم عرض عسكري أمام «الخديوي اسماعيل»، حيث نال أفرادها ثناء الخديوي وترقياته، وكان قد عاد من أفراد الكتيبة 313 جندي من أصل 453 جندي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد