كان أهم الثوابت التي قاومت الزمن خلال حُكم الرؤساء الأربعة هي القدرة على التحكم في موارد الدولة، وتوزيعها على قطاعات المجتمع باعتبارها عطايا من النظام وليست حقًّا أصيلًا للمواطن، لتوطيد دعائم هذه الأنظمة، وإكسابها شرعية تحقق من خلالها سيطرة سياسية على مواطنيها.

كانت الدخول الريعية للدولة هي الوسيلة الأكثر أمانًا للنظام لتحقيق هذه السيطرة، والتي انتقلت بالتدريج إلى إحلال الضرائب محلها في ظل تراجع هذه الموارد بشكل سريع، وفشل النظام الدائم في توليد موارد ذاتية له.

خلال السطور التالية، تشرح “ساسة بوست” ما هي الدولة الريعية، وكيف تأسست أنماط العلاقة بين أنظمة الرؤساء الأربعة والمواطنين في الدولة، وماهي السبل التي لجأ إليها كُل رئيسي لتحقيق السيطرة السياسية حيال الحركات المناهضة لحكمه.

 

ماهي الدولة الريعية؟

 

هي الدولة التي تستمد جانبًا كبيرًا من إيراداتها من الريع، وحسب تعريف الاقتصادي آدم سميث فإن الريع هو هبة من الطبيعة كالبترول مثلًا. وقد لاحظ علماء الاقتصاد السياسي أن الطبيعة الريعية لدولة ما تؤدي إلى ميل نظامها السياسي نحو الاستبداد والتسلط مثلما هو الحال في العديد من البلدان العربية.

 

جمال عبدالناصر .. مُقايضة الحقوق الاجتماعية بالحقوق السياسية

من خلال عقد مكتوب بين الرئيس جمال عبد الناصر والشعب، تأسس نمط للعلاقة بين الدولة والمواطن، مرتكزة على مقايضة الحقوق الاجتماعية بالحقوق السياسية وهو ما يفسر لجوء نظام 23 يوليو للعنف الشديد في مواجهة أي تحرك للحركة العُمالية (إعدام قيادات العمال خميس والبقري 1952)

مصادر تمويل دولة “عبدالناصر” اعتمدت بشكل أساسي على الأموال التي صادرها من الرأسمالية، والميل الدائم لتعبئة الموارد الخارجية وطلب المعونات الأجنبية، وهو ما يظهر في أول واقعة صدام لعبد الناصر مع الغرب حول تمويل بناء السد العالي، والذي امتنع البنك الدولي عن المُساهمة فيه.

بعد الدفعة الأولى التي حققها النظام السياسي الناصري بالاعتماد على الأموال التي صادرها من الرأسمالية، خاصة جناحها الأجنبي، دأب النظام للبحث عن موارد أخرى توطد شرعية العنف الشديد حيال أي حركة سياسية مُناهضة له.

بحلول عام 1965، تأكد للنظام الناصري عجزه عن توليد موارد ذاتية خصوصًا مع انتهاء الخطة الخمسية الأولى التي أطلقها “عبدالناصر” لتوليد موارد للدولة، الأمر الذي أدى بالاقتصاد المصري إلى الركود منذ عام 1966، وبهزيمة الجيش في سيناء عام 1967، كان على النظام الناصري أن يرضخ لشروط دول الخليج في المصالحة التي أجراها مع النظم النفطية المحافظة، لتمويل نظامه بمنح خارجية ليستطيع سد كافة التزاماته المالية، وإعادة بناء الجيش المهزوم.

 

الإيرادات الريعية.. القوة المُحركة لمالية دولة السادات

مرت سياسات الرئيس الراحل محمد أنور السادات بمرحلتين رئيسيتين تباينت فيهما آليات تحصيل موارد للدولة في كل مرحلة حسب ما كان يقتضيه السياق السياسي الحاكم لكُل فترة.

قبل معاهدة السلام مع إسرائيل

كان نظام الحُكم قبل توقيع المُعاهدة يميل إلى الاستدانة، وكانت النتيجية الطبيعية للاستدانة في السبعينيات هي مطالبة الجهات الدائنة في الخارج الحكومة المصرية بالقيام ببعض الإصلاحات التي تضمن لها استرداد أموالها.

كانت هذه المُطالبات الدافع الرئيسي للحكومة المصرية لتوقيع اتفاقية الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي عام 1977، والتي التزمت الحكومة المصرية بمقتضاها بتخفيض العجز في الموازنة، وتقليص الإنفاق العام.

كان أحد أهم نتائج هذا الاتفاق هو تخفيض الدعم الممنوح للسلع الغذائية، التي يعتمد عليها الفقراء ومتوسطو الحال مثل الخبز والزيت والدقيق والسكر، وهو ما واجهته جموع المواطنين برد فعل عنيف تمثل في انتفاضة الخبز يوم 18 و 19 يناير ثم انتهت بمواجهات بين الشرطة والجيش من جانب والمنتفضين من جانب آخر، وكان حصيلتها مائة من القتلي، ومئات المصابين.

تداعيات هذه الانتفاضة جعلت نظام السادات يتراجع عن هذه القرارات الاقتصادية الجديدة، ثم يقوم بعد هذه الانتفاضة بتوقيع اتفاقية أعادت الروح والشرعية لنظامه، وهي معاهدة السلام مع إسرائيل، التي كانت إحدى نتائجها زيادة موارد الدولة.

بعد المعاهدة

نجح الرئيس الراحل محمد أنور السادات في تعبئة الموارد الخارجية من أكثر من مصدر، لتصير هذه الموارد الخارجية هي القوة المُحركة لمالية دولة السادات بالتزامن مع توقيع مصر معاهدات السلام مع إسرائيل 1979 والتي كانت أحد نتائجها زيادة حجم المُساعدات الخارجية التي باتت تتدفق على مصر بفعل تقاربها الشديد مع الولايات المُتحدة، وبلغت قيمة المعونة الاقتصادية الأمريكية 815 مليون دولار أمريكي.

 

في الفترة التي أعقبت معاهد السلام، انحصرت موارد الدولة في الدخول الريعية مثل قناة السويس والبترول والمُساعدات الأجنبية، خصوصًا أن تحقيق القطاعات الرأسمالية أرباحًا مالية سريعة كان في مجالات سهلة كالاستيراد وبناء العقارات، والتي لا تدر للدولة مكاسب مادية.

لكن تحقيق القطاعات الرأسمالية هذه الأرباح السريعة والكبيرة نتاج سياسات “السادات” الاقتصادية انعكس على موارد الدولة بطريقة غير مباشرة، إذ توالت المنح المباشرة في صورة تبرعات للنظام من رجال الأعمال ممن ارتبط صعودهم المالي، وتكوين ثرواتهم بسياسة السادات المُتمثلة في الانفتاح الاقتصادي كرشاد عثمان، وعصمت السادات.

يُظهر تضخم حجم الإيرادات الريعية في عهد “السادات” من بلوغ حجم موارد الدولة الريعية أكثر من نصف نسبة الناتج المحلي الإجمال لسنة 1979.

 

دولة مُبارك .. «الضرائب» المورد الأول للنظام

مع بداية حقبة التسعينيات، بدأت مصر في الانتقال بوتيرة مُتسارعة إلى دولة تُحصل مواردها من اقتطاع أموال من المواطنين تحت تأويلات مُتعددة، لتكون “الضرائب” هي طوق النجاة لنظام مُبارك بعد انخفاض المصادر الريعية التقليدية كعائدات قناة السويس وعائد بيع البترول والغاز وكذلك تراجع حجم المعونات الأجنبية إلى مصر، التي أتت على رأسها المعونة الاقتصادية الأمريكية التي جمدتها الولايات المُتحدة على خلفية مطالبتها مصر بتبني الإصلاحات في نظامها الاقتصادي بما يتفق مع سياسات صندوق النقد الدولي.

تزامن هذا التدهور في عائدات الدولة من البترول والغاز الطبيعي، لانهيار أسعاره عالميًّا إلى النصف تقريبًا من 1.2 مليار دولار في عام 1986 بالمقارنة بـ 2.26 مليار دولار عام 1985، مع تراجع عائدات قناة السويس من 1000 مليون دولار إلى 900 مليون فقط. ورافق هذا التدهور في موارد الدولة الرئيسية تعليق المساعدات الاقتصادية الأمريكية لمصر على خلفية مطالبة أمريكا مصر بتبني الإصلاحات التي يطلبها صندوق النقد الدولي.

تُظهر الأرقام كيفية اعتماد نظام مُبارك على الضرائب كمورد أول ورئيسي له، إذ كان المُقرض الأكبر للدولة هو بنك الاستثمار القومي، حيث كان يستأثر بنصف ديون الدولة، والذي تأتي موارده من صناديق التأمين والمعاشات، وتتعدى ميزانيته السنوية ميزانيات البنوك الثلاثة الكبار التي تمتلكها الدولة وهي بنك الأهلي، وبنك مصر وبنك الإسكندرية.

بيد أن مفهوم اقتراض الدولة من بنك الاستثمار القومي يبتعد عن كونه اقتراضًا بالمعنى المتداول، فحسب تعريف علماء الاقتصاد أن حصول الدولة على موارد وصناديق التأمين والمعاشات يبتعد عن مفهوم الضريبة. لأن إقراض المواطنين للدولة يفتقد للطابع الحُر والتعاقدي، لأن صناديق التأمين والمعاشات لم تقرر بشكل طوعي أن تُقرض الدولة. وليس باستطاعة المساهمين فيها أن يغيروا هذا الأمر. كما يرى الخبراء كذلك أن هناك اعتبارًا آخر يجعل من هذه القروض أشبه بالضريبة وهو سعر الفائدة السلبي الذي كانت تدفعه الدولة للصناديق.

موارد دولة «السيسي» من المنح الخارجية إلى الضرائب

مع بداية ولاية الرئيس عبدالفتاح السيسي كحاكم للبلاد، تظاهر “السيسي” في أحاديثه الإعلامية بالتشابه مع جمال عبد الناصر في أدواته الاقتصادية والاجتماعية في نظام حُكمه، متزامنًا مع تحليلات تنطلق جميعها من أن ولاية “السيسي” هي الإحياء للدولة الناصرية بكافة تفاصيلها.

لكن بعد مرور ما يقرب من السنة ونصف من ولاية السيسي الأولى، انكشف أن القاسم المُشترك بينه وبين جمال عبد الناصر قاصرعلى إعادة السيطرة الأمنية، حيث مصادرة المجال العام وإخضاعه للرقابة والإدارة الأمنية، بينما يظل الفارق شاسعًا بين أدوات عبد الناصر الاقتصادية التي دفعته إلى مجموعة من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية واسعة النطاق تبرر مصادرة المجال العام من جديد، وبين نظام السيسي الذي عمل على إعادة إحياء نظام مبارك بانحيازاته الاجتماعية والاقتصادية وسياسته الخارجية.

برزت انحيازات السيسي الاقتصادية من خلال إستراتيجياته التي أرساها لتعويض التناقص في الإيرادات، وعجز الموازنة، من المنح الخارجية من دول الخليج، على خلفية الدعم الكامل منهم بسبب عزل جماعة الإخوان المسلمين من الحُكم، والتي بلغت أكثر من 20 مليار دولار، كذلك في مُقترحه بتأسيس صندوق “تحيا مصر” بقرار سيادي، والذي اعتمد على تمويل رجال الأعمال بالأمر المباشر.

تأكدت هذه الإستراتيجية مع تراجع الدعم الخليجي لأسباب تتعلق بالوضع المالي والسياسي لهذه الدول؛ خاصة المنتجة للنفط، بعد تراجع أسعاره عالميًّا، وتراجع تصدير الخطر «الإخواني» و«الحرب على الإرهاب»، والذي كانت الحكومة تسوقه خارجيًا لاستجلاب هذه المنح، بالتزامن مع تراجع رجال الأعمال عن تمويل صندوق “تحيا مصر” كأحد آليات الضغط على نظامه الجديد، فكانت آليته هي استقطاع الضرائب من أموال الشعب كوسيلة لإنقاذ دولته خصوصًا مع فشل المشاريع القومية التي أطلقها في توفير مصادر مالية له.

بلغت نصف مساهمة الضرائب غير المُباشرة، والتي تأتي من مدفوعات هيئات عامة على رأسها الهيئة العامة للبترول، وقناة السويس والبنك المركزي، زادت لهذا العالم المالي بنحو 18% خلال العام الحالي، بزيادة نحو 18% عن العام الماضي بما يتعدى 14 مليار جنيه فرقًا.

وحسب أحدث دراسة صادرة عن البنك الدولي، فالحكومة المصرية كانت من أكثر حكومات العالم الثالث استخدامًا لضريبة التضخم، وهي الأموال التي تستقطع من أموال الأفراد لكي تدخل خزينة الدولة، فخلال فترة الثمانينات اعتمد النظام السياسي على هذه الضريبة لتمويل عجز الموازنة.

كذلك وفقًا للتقرير الصادر عن البنك المركزي المصري، في شهر مارس، لهذا العام ذكر أن ديون مصر المحلية ارتفعت إلى 1924.7 مليار جنيه – 1.9 تريليون جنيه – في نهاية شهر ديسمبر 2014، منه 87.9% مستحق على الحكومة و0.3% على الهيئات الاقتصادية العامة و11.8% على بنك الاستثمار القومي. وهو نوع جديد من الضرائب، يعتبره الخبراء حصول الدولة على موارد وصناديق التأمين والمعاشات يبتعد عن مفهوم الاقتراض ويقترب من مفهوم الضريبة. لأن إقراض المواطنين للدولة يفتقد للطابع الحُر والتعاقدي، لأن صناديق التأمين والمعاشات لم تقرر بشكل طوعي أن تُقرض الدولة. وليس باستطاعة المساهمين فيها أن يغيروا هذا الأمر. كما يرى الخبراء كذلك أن هناك اعتبارًا آخر يجعل من هذه القروض أشبه للضريبة وهو سعر الفائدة السلبي الذي كانت تدفعه الدولة للصناديق.

ومن المُستهدف أن تزيد حصيلة ضريبة المبيعات في العام 2015 /2016 بمعدل نمو ضخم يتعدى 34% عن قيمتها المُستهدفة في عام 2014 /2015.

كذللك شملت الضرائب المفروضة من نظام السيسي “ضريبة المصريين في الخارج”، وتعديل القانون بشأن الضريبة على تذاكرالسفر.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد