5,548

في محافظة نجع حمادي بصعيد مصر، اكتفت سميرة – وليس هذا اسمها الحقيقي – بتربية صغارها بعد وفاة زوجها ووالديها، وبعد أن وجدت نفسها وحيدة تتحمل مسؤولية 6 أيتام لا مصدر دخل لهم إلا معاش والدهم، ولا مأوى لهم سوى المنزل غير مكتمل البناء الذي تركهم الوالد فيه قبل رحيله.

قررت سميرة أن تقلل كل النفقات الممكنة وأن يكون تعليم الصغار هو الأولوية الأولى في الإنفاق وأي شيء هام آخر من مأكل أو ملبس أو علاج، يأتي بعد توفير مصروفات التعليم والدروس الخصوصية وليس قبلها، واستطاعت بالفعل بمعاش الزوج وبعد كثير من المجاهدة أن تصل بالصغار إلى التعليم الثانوي والجامعي.

الآن لم يعد هذا ممكنًا، فبعد موجات الزيادة في أسعار صرف الدولار وقرار تعويم الجنيه المصري الذي اتخذه المسؤولون المصريون في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2016 لم يعد المعاش الذي تولى تعليم الصغار وإطعامهم، كافيًا لأن يقوم بمهامه السابقة.

طبقت مصر يوم الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2016، ولأول مرة فى تاريخ سوق الصرف المصرية، نظام التعويم الكامل للجنيه، أى أن يتحدد سعره في البنوك وفقًا لقوى العرض والطلب، وأن يتم التسعير وفقًا لآليات العرض والطلب.

لا تعرف سميرة شيئًا عن معنى زيادة سعر الدولار، ولا تشغل نفسها كثيرًا بمحاولة فهم تعويم الجنيه، فهي لم تحصل علي شهادتها الابتدائية ولم تنشغل في حياتها بأمر سوى تعليم الصغار والعبور بهم لبر الأمان، ولكنها وجدت نفسها متماسة مع هذه الأمور حينما بدأت تمس بشكل مباشر «لقمة عيش» صغارها، إذ وجدت نفسها كلما ذهبت لشراء أي شيء من السوق تجد سعره يرتفع، تسأل الباعة عن الأمر فيقولون لها: «الدولار غلي» وهي لا تعرف على وجه التحديد ما هي علاقة الدولار بالليمون؟ لكن لا شيء يثبت سعره لمدة يومين متتاليين كل يوم الأسعار في ازدياد، وكان هذا ناقوس الخطر بالنسبة لسميرة الذي أنذرها بأنها لابد وأن تتحرك.

وصل خط الفقر العالمي لـ1.9 دولار بدلًا من 1.25 دولار في آخر تحديث دوري أقامه البنك الدولي، وتقدر نسبة الفقر بمصر بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بـ27.8%، بينهم 5.3% تحت خط الفقر المدقع، وبعد قرار الحكومة بتحرير سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية سجل الدولار 18 جنيهًا بالبنوك الرسمية، وبحساب نسبة خط الفقر العالمي مع سعر الدولار بمصر نجد أن من يتقاضي 34.2 جنيهًا يوميًّا، أي ما يعادل 1026 جنيهًا شهريًّا يعد تحت خط الفقر العالمي.

تربية الطيور كانت الحل

استغلت سميرة أن المنزل غير المسقوف في جوانب كثيرة منه هو ملكها هي وأبنائها، فاستغلت سطح منزلها لفعل تلك العادة القديمة التي كانت تفعلها بصحبة والدتها منذ ما يزيد عن الثلاثين عامًا، أتت بمجموعة من الدواجن والطيور صغيرة الحجم وقررت أن تتولى أمر تربيتها، الهدف الأول كان توفير الحد الأدنى من احتياجات البيت من الطيور والبيض، وهو ما يضمن توافر الوجبات الغذائية الثلاث مع قليل من الجبن والخضراوات والأرز، وهذا يحل نصف عقدة الغلاء بالنسبة لها دون المحاولة الفاشلة في اللهاث وراء السلع التي لم يعد متاحًا توفيرها.

أما الهدف الثاني فكان محاولة توفير بعض الدخل الإضافي للبيت عن طريق بيع بعض الطيور والبيض للجيران. تقول سميرة: «كل ما أحاول فعله أن استدعى من ذهني خبرة تربية الطيور والدواجن التي تعاملت معها منذ ما يزيد عن 30 عامًا، فقد كففت عن هذا الأمر منذ كل هذا الوقت لكي أتفرغ للصغار فقط، وعدت أفعله الآن بعد موجات الغلاء وزيادة الدولار التي يقولون عليها أيضًا من أجل الصغار، وما يعيقني الآن هو أنني لا أملك المعرفة الكاملة فالطيور في أحيان كثيرة تموت مني، ولكني علي أي حال أحاول وأستمر في المحاولة».

الغلاء يدفع للأسوأ

يدفع الغلاء الناس إلى فعل أشياء لا يتوقعون فعلها، بعضهم يهديه تفكيره مثل سميرة أن يُقلب في دفاتره القديمة ليُخرج منها أي شيء يجيده ليستغله في توفير احتياجاته ومحاولة كسب أي دخل إضافي، ولكن البعض الآخر لا يجد لديه دفاتر ولا خبرات ولا أي شيء يُمكنه من حل أزمته مع الغلاء، فتحدث مثل تلك الحادثة التي تداولتها الصحف بعد وقوعها في فبراير (شباط) عام 2017، حيث هاجم عدد من أهالي مدينة القرين، التابعة لمركز أبو حماد بمحافظة الشرقية، مخزن أحد بقالي التموين، وتمكنوا من الاستيلاء على كميات كبيرة من السلع التموينية، وصرح الأهالي الذين فعلوا هذا للمواقع الإخبارية التي تحدثت إليهم قائلين: «إحنا معذورين في اللي عملناه.. بقالنا كتير مصرفناش تموين»؛ «خدنا حقنا واللي عاوزين يعملوه يعملوه».

لم يسمح الغلاء للأهالي بتحمل تأخر حصصهم التموينية لأنه لا طاقة لهم بتوفير سعرها الحر في الأسواق، فقاموا بالهجوم على سيارة التموين وأخذوا ما فيها، لتأخر صرف الحصص التموينية الخاصة بهم، فحصلوا على مستحقاتهم التموينية بطرقهم الخاصة وبكميات كبيرة، وذلك فور دخول السيارة بالقرب من محل البقال التمويني.

في تقرير التنمية البشرية لعام 2016 الذي أصدرته وزارة المالية، نجد أن خط الفقر المدقع الغذائي، الذي يمثل كلفة البقاء على قيد الحياة، يقدر بنحو ألفين و570 جنيهًا في عام 2013/2012، ويعتبر الشخص فقيرًا فقرًا مدقعًا على المستوى الغذائي، إذا قل إنفاقه عن ذلك الخط، وهو ما لا يتوافر بالطبع لدى شريحة عريضة من المصريين الذين يتقاضون راتبًا لا يتجاوز الـ1200 جنيهًا، وشريحة أعرض منها لا تعمل بالأساس أو تعتمد في دخلها علي «رزق اليوم بيومه».

فيديو انفعال الناس بسبب غلاء أسعار الخضار واللحوم 2016

فتحية والمفتقة والأجهزة الكهربائية

ومن سميرة إلى جارتها فتحية المرأة الخمسينية التي تقطن بمحافظة نجع حمادي أيضًا، فقد كانت ظروفها مختلفة عن سميرة قليلًا، فهي موظفة حكومية، توفي زوجها وهي لازالت فتاة صغيرة في منتصف العشرينيات من عمرها، تاركًا لها فتاتين لم يكتمل عمر أكبرهما السبعة أعوام بعد. استطاعت فتحية وحدها أن تربيهما إلى أن تخرجتا من الجامعة.

بعد مأزق التعليم وجدت فتحية نفسها أمام مأزق تزويج الفتاتين وتجهيزهن في ظل غلاء الأسعار الحالي، فمن أين لها أن تأتي لكل فتاة منهما بأجهزة كهربائية فقط قد تصل إلى 40 ألف جنيهًا، بعد أن كانت يمكنها أن تأتي بنفس الأجهزة منذ عام واحد بنحو 20 ألف جنيهًا فقط، الصبر الذي يتحدث عنه المسؤولون والإعلاميون المصريون بأن أزمة الغلاء ستنفرج خلال شهور وربما في بدايات العام المقبل، لن تتمكن فتحية من الوصول إليه لأن إحدى الفتاتين تحدد موعد عقد قرانها بالفعل.

لم تجد فتحية أمامها إلا استخدام يدها ومهاراتها القديمة التي تعلمتها وكفت عن استخدامها منذ سنوات طويلة انشغالًا بالوظيفة والبيت وتربية الصغيرتين، فجعلت مطبخها ورشة عمل طوال الليل لصنع أنواع المربى والمفتقة والجبن القريش، وأصبحت تبيعها لجيرانها بأسعار أقل من تلك التي يجدونها في المحلات، ومنتج – تصفه – بأنه أكثر نظافة وصحي أكثر وبلا مواد حافظة ولا خامات غير مضمونة.

وجدت فتحية جارة لها كان لديها رأس مال قليل، فقررت هي الأخرى أن تواجه الغلاء بطريقتها، وتشتري لجيرانها ما يحتاجونه من أجهزة كهربائية، ثم تقسط ثمنها لهم مضافًّا إليه سعر الفائدة، ورأت فتحية فيما تفعله جارتها بغيتها، واتفقت معها على أنها ستكون من عملها مقدم كل جهاز كهربائي على حدة ثم تعطي المقدم للجارة لتشتري الجهاز لها وتقوم بتقسيط باقي سعره، وهكذا إلى أن يتم تجهيز ابنتها.

المقاطعة حل مؤقت

طريقة أخرى لمواجهة الأزمة تمثلت في مقاطعة أنواع من الأطعمة، فتحت شعار «تقدر متاكلش سمك لمدة أسبوع؟» دعا نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بالإسماعيلية لمقاطعة شراء الأسماك لمدة أسبوع تبدأ من 30 مارس (آذار) 2017، لمواجهة غلاء الأسعار الذي سجل ارتفاعًا كبيرًا منذ بداية العام الحالي، وتزامنًا حينها مع قرب الاحتفال بشم النسيم.

وقال محمد موسى أحد المنظمين للحملة في تصريح لموقع مصر العربية: «إن الحملة هدفت للقضاء على جشع التجار وتخفيض الأسعار والتأكيد على التحرك الشعبي الإيجابي تجاه مواجهة زيادة الأسعار غير المبررة، مشيرًا إلى أن الدعوة موجهة لتناول الفول الحراتي بديلاً عن الأسماك واللحوم والدواجن والتي شهدت هي الأخرى ارتفاعًا جنونيًا».

وأعلن عدد من أهالي مدينة بورسعيد عن تدشين حملة مقاطعة لشراء الأسماك بعد ارتفاع أسعارها في الأسواق، وقال محمد مصطفى، موظف، لموقع الإسماعيلية أون لاين: «تضامنت مع الدعوات التي أطلقها البورسعيدية على موقع فيسبوك، لأنه من غير المعقول أن يصل سعر كيلوجرام الشبار إلى 70 جنيهًا»، مشيرًا إلى أن الأسعار لم تتأثر بارتفاع الدولار.

وننطلق الآن إلى جزء جديد من رحلتنا، ومن الصعيد إلى القاهرة، ومن ربات بيوت تعلمن تربية الطيور وصنع المربى والمفتقة إلى فتيات جامعيات عشن طوال أعمارهن في العاصمة، ولم يجيدوا أي خبرات في حياتهن سوي دخول المدارس والجامعات وتحصيل الشهادات، ولكنهن مع ذلك لم يستسلمن.

الرزق باستخدام «فيسبوك»

رضا هي فتاة في أواخر العشرينيات من عمرها، تزوجت بمجرد تخرجها من الجامعة، وعاشت نحو السنوات الخمس في بداية حياتها لا تفعل شيئًا سوى الاعتناء بالبيت ورعاية الطفلة الصغيرة التي أنجبتها، إلى أن اخترقت حياتها الهادئة كلمات مثل «زيادة سعر صرف الدولار» و«تعويم الجنيه»، في البدء لم تلق للأمر بالًا، ورغم تعليمها الجامعي، قالت لنفسها ومالنا والدولار، نحن نشتري بالجنيه ولا نتعامل بالدولار.

لكن رضا أدركت الأمر كاملًا حين وجدت أن طبق البيض يقفز قفزات سريعة متتالية ويتجاوز الـ30 جنيهًا مرة فمرة، ووجدت أن المائة جنيه لم تعد تكفي لتوفير وجبات يوم واحد، بخلاف أجرة السكن والمياه والكهرباء ومصروفات الصغيرة، ووجدت زوجها الذي كان يعمل حتى التاسعة مساءً و يعود ليلعب مع صغيرته قليلًا ثم ينام، وجدته أصبح لا يعود إلا في الثالثة صباحًا ليغطي فارق الطفرات في الأسعار.

كل هذا أشعر رضا بعمق الأزمة، وجعلها تفكر أنها يجب أن تفعل شيئًا، وما هداها إليه تفكيرها، أن تقوم بأخذ دورة تعليمية على الإنترنت لتتعلم كيفية صناعة الإكسسوارات.

صبرت رضا حتى تعلمت تمامًا دون أن تخرج من بيتها، وبدأت في اقتراض رأس مال صغير يُمكنها من شراء الخامات المبدئية.

تمكنت رضا بالفعل من إنتاج أول مشغولاتها والتي رحبت بها صديقاتها وجيرانها، بدأ الأمر يتسع شيئًا فشيئًا ليشمل المعارف، ثم انطلقت لتنشئ مجموعة على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، كل هدفها أن تنشر من خلالها منتجاتها وتجمع عليها أكبر عدد من الأعضاء، وتتلقى رغباتهم في الشراء من خلال الرسائل الخاصة للمجموعة.

«كل ما هنالك هو أن الحياة تدفعك لأن تتحرك، أنا جالسة في البيت لا أفعل شيئًا، والحياة كلها تسير الآن في طريق ألا نستطيع توفير طعامنا خلال اليوم ولا نستطيع توفير حياة مريحة لصغيرتنا، فكان عليّ التحرك لمساعدة الزوج الذي أصبح يعمل 16 ساعة في اليوم»، هكذا قالت لنا رضا.

ومن خلال إنشاء مجموعة على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك أيضًّا، تمكنت كريمة من أن تروج لمشغولاتها اليدوية هي الأخرى، ولكن كريمة تختلف عن رضا في أن منتجاتها من الصوف، حيث تجيد صنع التريكو والكروشيه، فتصنع الكوفيات والشرابات الشتوية ومفارش السرائر، وفي الصيف يقتصر عملها على مفارش المناضد وبعض الدواسات التي يمكن تزيين الأرضيات بها.

كريمة لا تختلف ظروفها كثيرًا عن رضا، فهي خريجة إحدى الجامعات المصرية، ووجدت نفسها تواجه الحياة وحيدة بعد تخرجها لوفاة والدها، مما يضطرها إلى محاولة العمل من كل طريق للإنفاق على نفسها ووالدتها وتجهيز نفسها للزواج الذي أصبح يحتاج إلى إمكانيات مادية مرتفعة بعد موجات الغلاء الأخيرة، وهو ما دفعها إلى بدء مشروعها الصغير.

ملابس بالتقسيط

عصمت، إمرأة أربعينية، يعمل زوجها سائقًا على سيارة ربع نقل، لا يكفي دخله بالطبع لتوفير احتياجات البيت اليومية وتلبية طلبات طفل واحد، مما يدفع عصمت في أحيان كثيرة للاقتراض من إخوتها، لأنها لا تعمل ولم تحظ بأي قدر من التعليم. ضيق الحال وغلاء الأسعار دفع عصمت لمحاولة البحث عن فرصة عمل تعرف أنها مستحيلة في ظل أن خريجي الجامعات لا يجدون عملًا.  

«كنت في هذا الوقت أسمع شكاوى جاراتي المستمرة من غلاء أسعار الملابس، وعدم مقدرتهم على دفع ثمنها بشكل فوري، حتى في المناطق الشعبية التي تبيع الملابس بأسعار رخيصة كالعتبة أو وكالة البلح، أصبحت أسعارها تعلو أيضًا، ولم تعد لديهم المقدرة المالية للشراء منها»، هكذا تقول عصمت.

وعلى سبيل المزاح كانت تقول لها إحدى جاراتها ذات مرة «ياريتهم يقسطوا لنا ثمن الملابس» فأخذت عصمت كلامها محمل الجد، وبدأت في التفكير في شراء بعض الملابس من العتبة ووكالة البلح وبيعها بالتقسيط لجيرانها مع الحصول على الفائدة على المال الذي ستقوم بدفعه، وبالفعل بدأت في توفير مبلغ صغير يكون نواة مشروعها، وقامت بشراء بعض الملابس المنزلية، وأغلبها للأطفال، وعرضت الأمر على جيرانها الذين رحبوا جدا بالفكرة، وقبلوا موضوع الفائدة التي حددتها، كوسيلة لمساعدة بعضهم البعض، فعصمت تساعد الجيران في حل أزمة ملابس الصغار في ظل الغلاء، وتساعد نفسها بتوفير دخل شهري ثابت لتوفير نفقات بيتها وابنها.

تعليقات الفيسبوك