في الخامس من ديسمبر (كانون الأول) 2016، قال وزير القوى العاملة المصري، محمد سعفان، إن الحكومة بدأت تنفيذ خطة للنهوض بالقطن المصري كي يعود إلى سابق عهده، جاء ذلك خلال مؤتمر «دعم زراعة القطن والنهوض بصناعة الغزل والنسيج».

شدد سعفان على «اهتمام الدولة، وقيادتها السياسية برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، بزراعة القطن، باعتباره المادة الخام الرئيسية لصناعة الغزل والنسيج في البلاد».

من جانبه قال عصام فايد وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، بداية هذا العام بعد شهر تقريبًا من حديث سعفان، إن «2017 سيكون عام القطن المصري»، كما أوضح أن وزارته تعمل من خلال أربعة محاور أساسية، في مقدمتها «استنباط أصناف جديدة عالية الإنتاجية، وتنفيذ هذه الاستراتيجية سوف يكسب القطن المصري السمعة العالمية الجيدة ويعيده إلى قمة صفات جودة القطن على مستوى العالم».

ولكن بعيدًا عن خطط الحكومة ومحاولات النهوض، يبرز السؤال: هل حقًا يمكن أن يعود القطن المصري لسابق عهده أم فات الأوان على ذلك؟

هناك من يرى أن إهمال إنتاج القطن المصري «جاء ضمن إطار مخطط تخريبي للإنتاج المصري بصفة عامة»، بالتوازي مع عمليات خصخصة شركات الحلج والنسيج، من بين هؤلاء الأكاديمي المصري والخبير الاقتصادي أحمد ذكر الله.

ما الذي يحتاجه القطن المصري ليعود للحياة؟

تتوقف إعادة إحياء زراعة القطن في مصر، كما غيرها، إلى وضع خطّة تطويرية، تشتمل في هذا السياق على «تطوير وهيكلة المصانع التي تعتمد على القطن»، وفقًا لذكر الله الذي أشار إلى توقف ضخ الاستثمارات في هذه الصناعات منذ نهاية الثمانينيات.

إذًا يبدأ الأمر من برامج التطوير لمصانع الغزل والنسيج التابعة الوطنية، مرورًا بوضع تسعيرة تحفيزية للمزارع، مع دعمه بلوجيستيات زراعة القطن. «لا يجب أن يتوقف دور الدولة عن التسعير بل يجب أن يمتد لدعم المزارع بداية من توفير التقاوي الجيدة والأسمدة بأسعار عادلة بالإضافة إلى الإرشاد الزراعي»، بحسب ذكر الله.

رابطة أصحاب مصانع الغزل بالمحلة، أهم مدن مصر في صناعة الغزل والنسيج، كان لها رأي آخر، إذ طالبوا باستحداث وزارة لقطاع الغزل والنسيج، كما طالبوا بإعادة الدورة الزراعية مرة أخرى وزراعة القطن متوسط وقصير التيلة.

ويُشار إلى أن نحو 480 مصنعًا من بين 1200 من أكبر مصانع الغزل والنسيج المسجلة في مدينة المحلة، قد أُغلقت لتعثّر أصحابها وتراكم الديون عليهم، بسبب تدهور سوق صناعة الغزل والنسيج في مصر.

قال صلاح بديوي، الكاتب والصحافي المصري، «إن المحطة الأولى لإنقاذ محصول القطن المصري الذي كاد أن يصبح تاريخًا، الآن هو تطهير كافة الجهات التي لها علاقة بزراعته وصناعته وتجارته من العناصر التي لها علاقة بالولايات المتحدة وتل أبيب، ووقف التطبيع تمامًا في هذا المجال».

وتابع: «يجب اعتبار تقنيات زراعة القطن أمنًا قوميًا، وتحديث مصانع الغزل والنسيج لتعمل على الإنتاج المصري، وتكليف مجموعة من الباحثين الوطنيين ضمن استراتيجية زراعية وصناعية واضحة لإعادة إنتاج بذور القطن المصرية الأصيلة، بالإضافة إلى التنسيق بين الوزارات والجهات المعنية لوضع خطة تحدد حاجات الدولة السنوية من المحصول، ووقف استيراد القطن الأجنبي فورًا، وتجميد اتفاقات الكويز التخريبية».

في المقابل، يرى مفرح البلتاجي، رئيس اتحاد مصدري الأقطان في مصر، أن عدم وجود استراتيجية ثابتة لزراعة القطن في مصر أدى إلى تدهور الزراعة، وخروج قطن معيوب، ولذلك قرر المزارعون الابتعاد عن زراعة القطن، خاصة في ظل غلاء الأسعار وزيادة تكلفة الإنتاج وهذا يؤدي إلى انخفاض إنتاجية الفدان.

هل مصر جادة في النهوض بالقطن؟

قال مجدى ملك، عضو بلجنة الزراعة والري بمجلس النواب، إن مساحة زراعة القطن تراجعت من مليونين و360 ألف فدان، إلى 150 ألف فدان، موضحًا أن هذا الأمر يشكل انهيارًا كبيرًا في زراعة هذا المحصول الاستراتيجي. الغريب في الأمر أن البرلماني قال إن لجنة الزراعة لم تتطرق لمناقشة أي مشكلة تخص مجال الزراعة، في الوقت الذي نسب فيه انهيار زراعة القطن الهيكل الإداري لوزارة الزراعة، وكذلك «نتيجة الإهمال وعدم الإحساس بالمسؤولية وتعيين عمال غير زراعيين في المقام الأول»، بحسب ملك.

وعلى ما يبدو فإنّ حديث عضو لجنة الزراعة بالبرلمان يكشف عن أن البلاد قد لا تكون جادة في  النهوض بهذه الزراعة الاستراتيجية، فالبرلمان لم يستخدم سلطته التشريعية والرقابية في دعم أو متابعة المبادرة التي تتحدث عنها الحكومة، وهو ما يقلل من احتمالات نجاح مصر في إعادة القطن في مصر لسابق عهده.

ومؤخرًا باعت وزارة الصناعة العلامة التجارية للقطن المصري رغم أن مصر تستورد القطن للصناعة، إذ إن البلاد لا تمتلك ما يكفي من القطن للاستهلاك المحلي. ويعتبر المحللون هذا الأمر غشًّا للسوق العالمي، كما أنه يُسيء لسمعة القطن المصري، حتى لو نجحت خطة الحكومة في إعادته للمنافسة، فإن مثل هذه التصرفات ستقضي على آمال عودة القطن المصري لسابق عهده.

وفي التاسع من فبراير (شباط) الجاري شهد طارق قابيل وزير التجارة والصناعة، توقيع اتفاق تعاون بين جمعية قطن مصر وشركة «ولسبان» الهندية صاحبة فضيحة غش القطن المصري، بقيمة تتجاوز 50 مليون جنيه، إذ قالت الوزارة في بيان لها إن هدف الاتفاقية «الترويج للقطن المصري».

هذه الاتفاقية التي اعتبرها الكثيرون بمثابة غش للأسواق العالمية، جاءت بعد فضيحة «ولسبان» في أغسطس (آب) الماضي، التي باعت 750 ألف ملاءة تحمل إشارة لأنها مصنوعة من القطن المصري طويل التيلة، ولكن ثبت أنها مصنعة من مواد أخرى، وليس من القطن المصري.

هكذا انهار القطن المصري

«إنتاج القطن المصري عام 2016 يبدأ في الانهيار»، كان هذا عنوان تقرير نشر بموقع الخدمات الزراعية الأجنبية التابع لوزارة الزراعة الأمريكية، في 23 مايو (أيار) 2016، مُتحدّثًا عن انهيار شديد لمحصول القطن المصري في 2016، وذلك بنسبة بلغت 50% مقارنة بالعام السابق.

وأشار التقرير إلى أن التراجع في زراعة القطن المصري عائد إلى قلق المزارعين في مصر من زراعة القطن دون وجود التزامات حكومية قوية بتسويق المحصول، ليتراجع إنتاج القطن في مصر تراجعًا من متوسط 395 ألف بالة إلى 160 ألفًا فقط، في رقم هو الأقل في كل العصور، إذ كانت المؤشرات تفيد ببقاء الحال على ما كان عليه عام 2015، على أسوأ التقديرات.

يرى صلاح بديوي، صاحب كتاب «الاختراق الإسرائيلي للزراعة المصرية»، أن ما وصل إليه القطن المصري يرجع إلى اختراق «تل أبيب» لقطاع الزراعة، إذ صدرت توصيات أمريكية بالتخلص من الزراعات الاستراتيجية كالقطن والحبوب، واستبدال الزراعات الحديثة بها مثل الفراولة والكنتالوب التي تسوق بأوروبا وبثمنها تشتري مصر الحبوب.

«القطن كان هدف واشنطن وتل أبيب الأول، إذ أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية الملايين على بحوث مشروع (النارب)، وقامت بالسطو على أصناف القطن المصري طويل التيلة، وتسببت تلك البحوث في محو وراثي لسلالات القطن المصري وخلط لها، ثم قام مركز البحوث الزراعية بتوزيع بذور قطن نتاج بحوث (النارب) كانت وبالًا على زراعة القطن المصري»، هكذا يقول بديوي.

اتفاقية الكويز ودورها في انهيار القطن

الأزمة أننا نزرع قطنًا لا نصنعه، ونصنع قطنًا لا نزرعه.

دائمًا ما يرتبط انهيار زراعة القطن باتفاقية الكويز، إذ كشفت دراسة حديثة أن شركات استيراد القطن المصري غالبيتها تابعة لاتفاقية الكويز الموقعة بين مصر والولايات المتحدة وإسرائيل. وتمثل الكويز، بحسب الخبراء، الضربة الموجعة التي وجهت للقطن المصري في السنوات الماضية.

وتقوم اتفاقية الكويز في الأساس على إنشاء مناطق صناعية في مصر لتصدير منتجاتها إلى الولايات المتحدة، ‏شرط مشاركة نسبية للمنتج الإسرائيلي من الغزل ومصنوعاته، إذ تتميز هذه المناطق بإمكانية دخول منتجاتها إلى السوق الأمريكية بدون جمارك بشرط مساهمة كل طرف بمكونات محلية تقدر بـ‏11.7%‏ على الأقل.

وبناءً على الاتفاقية تستورد مصر أقطانًا أمريكية، وكذلك منتجات غزل إسرائيلية، وهو ما يجعلها تهمل زراعة القطن في البلاد ولا تكون أولوية بالنسبة للحكومة، وهو الأمر الذي يبرر تغير السياسات الزراعية في البلاد، فيما يؤكد عبد الغني الأباصيري، عضو مجلس إدارة غرفة الصناعات النسيجية باتحاد الصناعات المصري، أن الأقمشة المستوردة التي غزت الأسواق المحلية بفعل الكويز، تسببت في تدمير الصناعة الوطنية وغلق ما يقرب من 2400 مصنع وورشة، أو كما لخّص محمد عبد المجيد خبير القطن في مركز البحوث الزراعية، الوضع الناشئ عن الكويز في: «الأزمة أننا نزرع قطنًا لا نصنعه، ونصنع قطنًا لا نزرعه».

وفي 20 سبتمبر (أيلول) 2016، كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن أنّ إجمالي صادرات مصر من الأقطان خلال الفترة من مارس إلى مايو من الموسم الزراعي (2015- 2016) تراجعت بنسبة قدرها 16.5%، إلى 145.6 ألف قنطار متري، مقابل 174.3 ألف قنطار متري العام السابق عليه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد