هناك ثوراتٌ تتقدمُ بالشعوب إلى الأمام، وثوراتٌ تتراجع بالشعوب إلى الخلف، وهناك ثوراتٌ لا تبرحُ مكانها فلا هي تقدمت، ولا هي تأخرت، الأحلامُ دائمًا ما تبيتُ في السجون حين ينصرفُ دعاة الثورة المُلهِمين، حينها تعودُ «فوهات البنادق» إلى الميادين، وتُرفع الأعلام الرمادية في الشوارع، فلا نستطيع تمييز الثائرين من أتباع الطُغاة، وأعنف ما قد تواجهه طموحات الشعوب بعد ثوراتها، تحديات الفساد السياسي، والتعثر الاقتصادي، وبقايا الحُطام القديم، إضافة إلى حكم الضعفاء المنتصرين الذين لا يُشبهون «الطغاة» في محاربة أعدائهم؛ لذلك فالثورات المضادة غالبًا ما قد تُعيد الاستبداديين إلى القصر الحاكم.

في هذا التقرير أخطاءٌ من الأرشيف، حتى لا يخسر المصريون ثورتهم القادمة.

 

1- لا تترك أبدًا ورقةً رابحة

بينما كان آخرُ حشدٍ يستعدُ لمغادرة ميدان التحرير خلال الاحتفالات التي استمرت عدة أيام عقب تنحي مبارك عن السلطة في 11 فبراير (شباط) من عام 2011، بقي عدد من النشطاء دعوا المواطنين لعدم التفريط في أهم مكتسبات الثورة، في إشارة إلى استمرار الاعتصام حتى تتحقق المطالب، وصعد شابٌ مجهول المنصة والتقطته عدسات الكاميرات حين ناشد الثوار قائلًا: «لا تتركوا الميدان أبدًا من أجل وعود ساذجة، أو انتصارات صغيرة، لا تثقوا في النخبة حين يخبرونكم أن مطالبكم سوف تتحقق، وأن الأوضاع الحالية لا تسمحُ بمزيدٍ من الفوضى».

لم تستمع القوى الثورية إلى التحذيرات التي جاءت من آخر الصف، والتي تقول: «لا تترك أبدًا ورقةً رابحة»؛ لأن الجميع ربما لم يصدق فكرة وجود الثورة المضادة، كان أغلبهم منتشين بالفوز، واعتقد بعضهم أن نظام مبارك قد سقط للأبد.

بعدها بأقل من أسبوعين دعت القوى الثورية إلى التظاهر في ميدان التحرير في جمعة الوفاء؛ لتأكيد مطالب الثورة، وإقالة رئيس الوزراء، الفريق أحمد شفيق، حينها تحركت الشرطة العسكرية في منتصف الليل، وقامت بفض الميدان بالقوة، إضافة إلى اعتقال العشرات وتقديمهم للمحاكمات العسكرية بتهمة حيازة الأسلحة، وخرق حظر التجوال، وبعدما نجحت المدرعات والدبابات في مهمتها الأساسية، وهي تطويق الميدان، ومنع وصول الأصوات المعارضة، تقدم المجلس العسكري باعتذار رسمي للشعب؛ مبررًا العنف المفرط الذي واجهه المتظاهرون بأنه غير مقصود.

في نظر البعض، كانت تلك لحظة فارقة عبرت عن فقدان الثوار لأهم مكتسباتهم، وهي الميدان، وفي نظر البعض، فهم لم يجدوا منبرًا آخر يعبر عنهم بعد تلك اللحظة، في رحلة التيه، وحين حاولوا العودة إلى الميدان مرة أخرى، واجهوا الرصاص الحي والاعتقالات، وحين أصروا على استرجاعه واجهوا قانون، وعندما قرروا دخول البرلمان حصلوا على سبعة مقاعد فقط؛ وربما أدرك الجميع حينها الدرس المُستفاد في «توقيت متأخر جدًّا».

 

 

 

 

بالعودة إلى التاريخ ودروسه، فإن ذلك الخطأ ارتكبته أيضًا الثورة الفرنسية التي اندلعت في عام 1789، وأدى إلى تعرض الثوار لحملات التشويه المنظم التي قادتها الثورة المضادة بقيادة الملك لويس السادس عشر، وبمساعدة النبلاء الذين غدروا بالثوار أكثر من مرة، وكانت خطيئة الثوار الفرنسيين في نظر الكثير من المؤرخين أنهم تركوا ميدان الباستيل؛ وانشغلوا بالاتهامات المتبادلة بينهم بالتشويه والتخوين، لتبدأ مرحلة الصراع الدموي التي انتهت إلى إعدام بعض رموز الثورة وعلمائها في نفس الميدان الذي ثاروا فيه على الملك، وكانت أكبر خسارة لرمز ثورتهم التي وصلت لمرحلة الإرهاب في عام 1792، لتنتهي الثورة المضادة بتنصيب الجنرال نابليون بونابرت، ليصبح أول رئيس جمهوري يمارس حُكمًا ديكتاتوريًّا بصلاحيات الملك القديم.

فخسارة الميدان في التاريخ تعني ضياع الثورة أمام أعدائها، وانقسام الصوت الواحد الذي يعبر عن تماسك القوى الثورية في مطالبها وأهدافها؛ مما يحفظ مكتسبات الثورة على المدى البعيد أمام تحركات أعدائها، كما يجبر الإعلام الرسمي على تبني خطاب شعبي يمهد للمرحلة الانتقالية، بعيدًا عن التخوين والتشويه، وهو ما لم يحدث.

 

2- الثورة الناجحة تبدأ بالاستيلاء على ماسبيرو

طريق الانقلابات العسكرية يبدأ دائمًا بمحاصرة «مبنى الإذاعة الرسمي»، هذه هي الخطة الناجحة التي نفذتها الفصائل المتمردة للاستيلاء على السلطة، وأشهر نموذجين: حركة الضباط الأحرار في مصر عام 1952، ومحاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا العام الماضي، وهدف تلك الخطوة أن يدرك الناس أن هناك خطابًا إعلاميًّا جديدًا على التلفزيون الرسمي، وأن كافة الوجوه القديمة قد رحلت للأبد؛ فالثورات التي تشتعل في الميادين تحتاج دائمًا إعلامًا وطنيًّا يقود الثورة، ويمارس دوره التحريضي ضد الحكومات الفاسدة.

اشتعلت الثورة الفرنسية بكتابات عدة أشخاص مثل فولتير، وروسو، ومونتسكيو الذين نشروا فكرة «الحرية» ضد الاستبداد، وفكرة «المساواة» في الحقوق أمام القانون مع النبلاء، وفكرة «الإخاء» بين كل أفراد المجتمع ضد العبودية والإذلال، ورسخوا نظرية العقد الاجتماعي.

انتهج التليفزيون المصري الرسمي سياسة التعتيم طيلة أيام الثورة، وكانت مذيعاته يبدأن النشرة الإخبارية دائمًا بعبارة: «عاد الهدوء مُجددًا إلى شوارع القاهرة»، فيما كان يُسمع دوي الرصاص من ميدان التحرير.

بدأت الثورة المضادة حين نسج الإعلام الرسمي قصته منذ الساعات الأولى للثورة تحت عنوان «كل شيء هادئ»، وكرر الرسائل التطمينية بأن كل شيء على مايرام؛ فالعاهل السعودي بعث برقية إلى مبارك يثق فيها بقدرته على تجاوز الأزمة، والجيش يُحكم قبضته ويحذر المواطنين من التجمعات، ومراسلو التليفزيون المصري في المحافظات يؤكدون أن الهدوء يُخيم على أرجاء الوطن، لا سيما محافظة السويس والإسكندرية -سيطر عليهما الثوار في جمعة الغضب-، فيما كانت الصورة الأرشيفية لكوبري قصر النيل وهو فارغ، مشهدًا لا يتغير، مع التأكيدات المستمرة بأن البلاد تشهد حالة من السيولة المرورية، وحين بدأت القنوات العربية والأجنبية والصحف الخاصة تنقل صورة مختلفة لميدان التحرير، وتصف القاهرة أنها «منطقة حرب»، تبنى التليفزيون الرسمي استراتيجيات أعنف ضد الثوار.

حين فشل النظام في حسم المعركة لصالحه إعلاميًّا باستراتيجية التعتيم، بدأ في تمرير الرسائل التحذيرية المكثفة والمتواصلة على شاشات التليفزيون؛ فالاحتياطي النقدي لا يكفي، والاقتصاد ينهار بسبب المظاهرات، ومخزون القمح لا يكفي سوى لستة أشهر، والجماعات الإجرامية والهاربون من السجون يخربون الممتلكات العامة والخاصة، وبعد خطاب مبارك الأول الذي جاء فيه: «إن خيطًا رفيعًا يفصل بين الحرية والفوضى، وإنني أتمسك بالحفاظ على أمن مصر وعدم الانجراف لمنزلقات خطيرة تهدد النظام العام والسلام الاجتماعي»، تحول الخطاب الرسمي للهجوم المباشر، فرفع الإعلام شعار «التحرير مش مصر»، و«مصر أكبر من التحرير»، في دعوة للندم، وحث المتظاهرين على العودة إلى بيوتهم.

(خطاب مبارك الأول)

ففي مكالمة هاتفية للتليفزيون المصري، ادعى شاب يبكي أنه قابل أشخاص في ميدان التحرير يتحدثون الإنجليزية جيدًا، وأنهم ينوون إسقاط مصر.

مقطع الشاب الباكي

وفي السياق ذاته، استضافت قناة المحور فتاة تم إخفاء معالم وجهها، زعمت أنها تدربت مع أعضاء حركة السادس من أبريل، وشباب الإخوان المسلمين، على يد أعضاء من الموساد الإسرائيلي، والمخابرات الأمريكية في قطر، وصربيا لإسقاط النظام، كما أطلق الفنان حسن يوسف شائعة «الكنتاكي» على شباب التحرير، وأكد الفنان طلعت زكريا ممارسة المتظاهرين داخل الميدان للعلاقات الجنسية كاملة، إضافة إلى تعاطيهم المخدرات.

الفنان حسن يوسف متحدثًا عن الثوار وكنتاكي

لم يدرك الثوار أن ثورتهم التي لم يكن لها قائد، كانت بحاجة ضرورية إلى السيطرة على الأجهزة الأيديولوجية والدعائية للدولة، للحفاظ على بقاء الجو الثوري الذي كان من متطلبات المرحلة؛ فالسيطرة على ماسبيرو كانت تعني ضمان خطاب إعلامي يراقب تحقق الأهداف، وربما كانت أكبر أخطاء القوى الثورية أنها تركت سلاحها عندما «غادرت الميدان»، ولم تسيطر على الإعلام الذي تبنى سياسة القتل العمد للثورة؛ مما سمح للمجلس العسكري بأن يمارس دورًا كبيرًا في إفشال المسار الديمقراطي بعد ذلك في نظر الكثير من المحللين.

بقى الإعلام بعيدًا عن سلطة القوى الثورية، التي تركت الميدان بعد تنحي مبارك مباشرةً، ومارس بدوره سياسة التفريق، وتبنى سياسة القتل العمد للثورة؛ ففي أحداث الغضب القبطي في أكتوبر (تشرين الثاني)، دعا الإعلام الرسمي المواطنين إلى حماية الجيش من الاعتداءات التي يتعرض لها من الأقباط بحسبه أمام ماسبيرو، وكانت الاشتباكات بين الأقباط، والشرطة العسكرية؛ مما فوت فرصة أخرى لاستعادة الميدان، وجمع الحشود التي تفرقت.

 

 

3- مبارك أيضًا كان يثق في الجنرالات

في الأيام الأولى للثورة أكد المجلس العسكري أن «الميدان للثورة، والسلطة للثوار، والجيش يحمي الاثنين، ويحفظ المكتسبات، ويرعى الانتقال السلمي للسلطة من بعيد»، واحتفل الثوار بالظهير الوطني الثقيل الذي التف حول ثورتهم، ورفعوا شعار «الجيش والشعب إيد واحدة»، وحصل المجلس على شرعية دستورية مكنت له إصدار الإعلانات الدستورية حتى انتخاب مجلس الشعب. وعلى مدار عام ونصف هو عمر المرحلة الانتقالية، حدثت مواجهات دموية بين الجيش، وقطاع من الثوار رأوا أنه يحاول عرقلة الانتقال الديمقراطي بخطة محكمة، واستخدم الجيش في تلك المواجهات الرصاص الحي، واتهمت محكمة القضاء الإداري الجيش بأنه ينتهك الدستور، ويهتك حُرمة الجسد، وبعد أن تمت محاكمة 12 ألف شاب أمام المحاكم العسكرية، رفع قطاع عريض من الثوار شعار «يسقط حكم العسكر».

 

 (اشتباكات بين الشباب والجيش)

 

استخدم الجيش العنف بعد 11 يومًا فقط من رحيل مبارك؛ إذ هجمت الشرطة العسكرية في جمعة الوفاء، على مئات المعتصمين بميدان التحرير، ثم اعتقلت العشرات منهم وحاكمتهم عسكريًّا بتهم تراوحت بين حيازة سلاح، وخرق حظر التجول، والتعدي على قوات الجيش، وهو ما سبب استياءً جعل المجلس العسكري يتقدم برسالة اعتذار إلى الشعب المصري، مبررًا ما حدث بأنه احتكاكات غير مقصودة بين الشرطة، وأبناء الثورة.

تكرر المشهد مرة أخرى في أحداث 9 مارس (آذار)؛ فتعرض ثوار التحرير لاعتداءات متكررة من قبل الشرطة العسكرية التي أرادت فض الميدان بالقوة، واستخدمت الرصاص الحي، وقتلت عددًا من النشطاء السياسيين، إضافة إلى الاعتداءات على القنوات الأجنبية. وتفاقمت الأوضاع على خلفية أحداث السفارة الإسرائيلية، حيث تم تمديد قانون الطوارئ لأجل غير مُسمى، وبرر المجلس العسكري أن القانون سيتم تطبيقه على «البلطجية»، والذين يمكن للمجلس تحديدهم كما يرغب.

وعلى خلفية القانون، خضع ما يقرب من 12 ألف مدني أمام المحاكم العسكرية، واستخدم الجيش القوة المفرطة، والرصاص الحي في التعامل ضد المتظاهرين، ففي أحداث ماسبيرو قُتل 24 بسبب احتجاجات نظمها الأقباط، وسمح الجيش بكشوف العذرية، كما قام أيضًا بسحل فتاة مُحجبة وتجريدها من ملابسها في أحداث مجلس الوزراء، واقتحم جنوده مسجد العباسية بالأحذية.

وكانت خُطة الجنرالات مُعلنة منذ البداية، فالجيش أراد البقاء خارج المراقبة القانونية، والاحتفاظ باستقلاله عن الإشراف المدني؛ فسمحت مادة في وثيقة السلمي بحق الجيش فقط في مراجعة ميزانيته، وفي عام 2011 قام الجيش بدفع مليار دولار إلى البنك المركزي المصري لدعم احتياط النقد المتراجع لديه، كما أراد ضمانات في حق احتفاظه بالسيطرة على المساعدات العسكرية الأمريكية البالغة 1.3 مليار دولار سنويًّا، وألا تتم رقابة مدنية على تفاصيل المساعدات، وحجم المصالح التجارية.

فالجيش إذا لم يُعلن فعليًّا مشاركته في الثورة المضادة، فقد شارك وناضل في ثورته الخاصة لفرض سلطته، ودعم حصانته عن طريق الإعلان الدستوري المُكمل، وفر من الملاحقة القضائية بحق الانتهاكات التي ارتكبها على الرغم من كونه حافظًا لمكتسبات الثورة، بحسب بيانه الأول.

فيديو سحل الفتاة

 

4- فخ الأغلبية.. لماذا لا نتعلم من درس الثورة الفرنسية؟

«التيار الإسلامي هو المسؤول الأكبر عن إجهاض الثورة المصرية؛ لأنهم وقعوا في فخ الأغلبية، وحاولوا إقصاء بعض القوى السياسية التي أرادت إنهاء وجودهم، إضافة إلى تورطهم في إقحام الهوية الدينية في الصراع السياسي، واستخدامهم أسلوب الحشد بدلًا من الشراكة مع القوى الأخرى»، تلك كانت اعترافات بعض قادة القوى الإسلامية التي جاءت متلاحقة بعد فوات الأوان، وتعد مليونية «الشريعة والشرعية» هي المثال الأبرز. على الجانب الآخر مارست القوى الليبرالية سياسات رأى بعض المحللين مثل الأكاديمي، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، جوزيف مسعد، أنها أسهمت في إفشال الثورة، أثناء محاولاتهم منع وصول الإسلاميين للحكم.

دعا قطاع عريض من القوى الليبرالية الجيش للتدخل لإنقاذ الموقف من أغلبية الإسلاميين، كما قام بتحالفات مع رموز النظام القديم في الانتخابات البرلمانية، وبذلك وجدت الثورة المضادة طريقها في جسم الثورة الذي لم يكن له رأس منذ البداية.

ويبدأ تاريخ صراعات القوى الثورية في مصر رسميًّا اعتبارًا من 16 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، بتشكيل لجنة التعديلات الدستورية المنوط بها صياغة تعديلات دستورية ترسم خارطة طريق لوضع دستور جديد؛ إذ اعترضت الأحزاب المدنية على عدم التمثيل السياسي في اللجنة، فيما دفعت جماعة الإخوان المسلمين بالمحامي المثير للجدل صبحي صالح ليكون بين أعضاء اللجنة.

 

وبدأت موجة من الاتهامات بين القوى الليبرالية، والإسلامية، حيث اتهمت جماعة الإخوان بالتواطؤ مع الجيش لسرقة الثورة؛ وبدلًا من أن تحتوي التيارات الإسلامية انشقاق الصفوف، دخلت حرب استعراض قوى في استفتاء 19 مارس (آذار)، وحشد الإسلاميون أنصارهم للتصويت بـ«نعم» مقابل «لا»، حيث وصف الشيخ محمد عبد المقصود، أحد مشايخ السلفية الاستفتاء بالمعركة بين الإسلاميين، والعلمانيين، قائلًا: «على كل طرف أن يُري الآخر ثقله في الشارع»، فيما وصف الشيخ محمد حسين يعقوب، الاستفتاء بـ«غزوة الصناديق»، وسقط الإسلاميون فعليًّا في فخ الأغلبية حين سيطروا على مجلس الشعب عام 2012 -بينما حصل شباب الثورة على سبعة مقاعد فقط-، واستعدوا للاستحواذ على الجمعية التأسيسية لوضع الدستور.

 

الثورة الفرنسية تعثرت أيضًا في ذلك الطريق المسدود، وأدى الانقسام الذي تحول إلى عنف مُسلح بعد ثلاث سنوات فقط؛ نتيجة تجييش الطبقات والأفراد ضد القوى المنافسة، ورفع شعارات التخوين التي وصلت إلى إعدام بعض رموز الثورة. والدرس المستفاد من الثورة الفرنسية أن الأغلبية وحدها غير قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية، والتصدي لهجمات الثورة المضادة، كما أن فصيلًا واحدًا لا يستطيع تحقيق مطالب الثورة، وعلى رأسها العدالة الاجتماعية، والتعثر الاقتصادي دون مشاركة من كافة الفصائل الأخرى.

 

 

5- هل كان حرق أقسام الشرطة خطيئة كما صوره الإعلام؟

حين أحرق الثوار مبنى الحزب الوطني إضافة إلى 80 قسم شرطة في جمعة الغضب، اعتبر محللون سياسيون أن هناك مؤشرًا يدل على أن الثورة تعرف طريقها الصحيح نحو التغيير؛ مبررين ذلك بأن هدم قلاع النظام القديم والسيطرة على ممتلكاته الخاصة، وإعادة هيكلة المؤسسات الفاسدة التابعة له، ومحاسبة الوزراء الفاسدين، وإصدار تشريعات استثنائية بمنع مزاولة الحياة السياسية لكبار رجاله، ومصادرة أموال رجال الأعمال الذين زاولوا احتكارًا أو فسادًا، أو أيًّا من تلك الخطوات التصعيدية، هي الكفيلة بحفظ مكتسبات الثورة من أعدائها، وأحد أبرز أخطاء ثورة يناير أنها اكتفت برأس النظام، وحاكمت رموزه جنائيًّا، وليس سياسيًّا.

عادت وزارة الداخلية إلى سابق عهدها بقوة في أحداث محمد محمود 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011؛ إذ اعتدت الشرطة على المتظاهرين الذين دعوا للتظاهر لسرعة تسليم السلطة على خلفية وثيقة السلمي التي تعطي صلاحيات كبيرة للجيش، وقامت الشرطة بتصفية المتظاهرين جسديًّا باستخدام الرصاص الحي، وقنابل الغاز بكثافة شديدة، والرصاص المطاطي والخرطوش، واشتعل الرأي العام بسبب قيام ضابط بتصفية عيون الثوار في القضية الشهيرة «قناص العيون»، وتم إحالة الضابط المتهم إلى القضاء، وحصل على البراءة.

أما على الجانب القضائي، فمعروف إعلاميًّا تعبير «مهرجان البراءة للجميع»؛ فقد قضت المحكمة ببراءة مبارك، ونجليه، وستة من مساعديه من كافة التهم الموجهة إليهم، كما قضت أيضًا ببراءة كل من وزير البترول سامح فهمي من تهمة تصدير الغاز لإسرائيل، ووزير الإعلام أنس الفقي من الكسب غير المشروع، ووزير الداخلية حبيب العادلي، من تهمة قتل المتظاهرين، وأمين سياسات الحزب الوطني المنحل أحمد عز من تهمة احتكار الحديد، كما قضت محكمة أخرى ببراءة رئيس مجلس الشعب المنحل فتحي سرور، ورئيس مجلس الشورى المنحل صفوت الشريف، ورجل الأعمال أبو العينين من تهمة موقعة الجمل.

وقد عاد معظم فلول مبارك لممارسة الحياة السياسية بدءًا من عام 2012؛ فنائب الرئيس المخلوع اللواء عمر سليمان ترشح لانتخابات الرئاسة، حتى استبعدته اللجنة العليا للانتخابات، ثم ترشح بدلًا منه الفريق أحمد شفيق، وكان خصمًا قويًّا ضد الرئيس المعزول محمد مرسي، وعلى الرغم من ضغط القوى الثورية لإصدار قانون العزل السياسي، إلا أن فلول النظام ظلوا في المشهد، وبعد عام 2013، عاد معظم فلول نظام مبارك إلى الحياة السياسية، وحصدوا مقاعد كثيرة في مجلس الشعب، كما تم اختيار وزراء في حكومة المهندس شريف إسماعيل، وحتى الآن فالثورة لم تحاكم على الأرجح سوى شبابها.

 

لقد أعطت الثورة المضادة درسًا تاريخيًّا ثمينًا للشعوب الخاسرة، ومتى أدرك المصريون دروسهم المستفادة، فربما لن يتبقى لهم سوى «إشارة البدء».

اقرأ أيضًا:

سياسة

منذ 3 سنوات
«الإيكونومست»: الدولة المصرية تنهار

قالت مجلة الإيكونومست في مقال تحليلي لأوضاع الدولة المصرية إن القمع المتزايد وانعدام كفاءة نظام السيسي يهيئ الأوضاع لاندلاع ثورة جديدة.

فريق العمل

 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد