مع اتهامات التطبيع المثارة بشأنها، تنوعت الزيارات المعلنة من مصريين إلى إسرائيل، ما بين مسؤولين وشخصيات عامة ورجال دين، في الوقت الذي يقصد فيه آلاف الأقباط إسرائيل للسياحة الدينية، ويعيش آلاف المصريين في إسرائيل للعمل والزواج، دون وجود إحصاءات رسمية بشأن تعدادهم.

رؤساء ومسؤولون زاروا إسرائيل

منذ إعلان مصر حكمها الجمهوري عام 1952، زار إسرائيل العديد من الرؤساء والمسؤولين المصريين رفيعي المستوى، ذلك بغض النظر عن العاملين بالسفارة المصرية في تل أبيب، واستهل الرئيس محمد أنور السادات أول الزيارات المصرية والعربية إلى إسرائيل، في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1977، بذهابه إلى الكنيست الإسرائيلي، وهو ما أثار ردود أفعال محلية وعربية مناهضة لخطوة السادات؛ فعلّقت جامعة الدول العربية عضوية مصر من الجامعة، ونقلت مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس.

كما قدّم وزير الخارجية المصري إسماعيل فهمي استقالته من منصبه على إثر تلك الزيارة التي «حطمت دور مصر تجاه الفلسطينيين، وعزلت مصر عربيًّا، كما عزلت السادات داخل بلاده» على حد تعبير فهمي، وأعقب زيارة السادات بعد ذلك توقيع مصر اتفاقية السلام (كامب ديفيد) مع إسرائيل برعاية أمريكية.

وبعد اغتيال السادات، زار الرئيس المخلوع حسني مبارك إسرائيل في نفس الشهر الذي زار فيه السادات، نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1995، عندما ذهب مبارك إلى القدس لحضور جنازة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق رابين، مصطحبًا معه عددًا من المسئولين والوزراء المصريين حينها من بينهم: صفوت الشريف وزير الإعلام حينها، وعمرو موسى وزير الخارجية آنذاك، بالإضافة إلى رئيس الوزراء في عهد السادات مصطفى خليل.

وتعد تلك زيارة مبارك الوحيدة المعلنة لإسرائيل، في الوقت الذي أفادت فيه وثيقة أمريكية، ظهرت إلى النور في يناير (كانون الثاني) 2012، بعد نحو عام من تنحي مبارك، بأن صالة كبار الزوَّار الملحقة بمطار «بن جوريون» في إسرائيل، سجَّلت هبوط مبارك عليها ست مرات «ترانزيت»، في الفترة من عام 2005 إلى 2010.

وفي العام السابق لزيارة مبارك، زار عمرو موسى، وزير الخارجية المصري، إسرائيل، في أغسطس (آب) من عام 1994، ومر خلالها بمؤسسة «يد واسم». وأعقب زيارة موسى، ثلاث زيارات لوزيري خارجية في عهد مبارك، منهما اثنان أجراهما أحمد ماهر، واحدة في ديسمبر (كانون الأول) 2001، عقب الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والثانية في نفس الشهر من عام 2003، للتحدث مع المسؤولين الإسرائيليين بشأن استئناف محادثات السلام مع فلسطين، وفي 27 ديسمبر (كانون الأول) 2006 زار أبو الغيط إسرائيل ليوم واحد التقى خلاله بنظيرته الإسرائيلية تسيبي ليفني، ورئيس الوزراء، ووزير الدفاع الإسرائيليين.

وفي يوليو (تموز) الماضي، زار سامح شكري، وزير الخارجية الحالي، إسرائيل، والتقى برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبعد أقل من ثلاثة أشهر، زار شكري إسرائيل في نهاية سبتمبر (أيلول) للمشاركة في جنازة الرئيس الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز.

شخصيات عامة

لم تتوقف الزيارات المصرية لإسرائيل على المسؤولين المصريين فقط، وإنما زار عدد من الساسة والكتاب والصحافيين إسرائيل أيضًا، فزار الأديب علي سالم إسرائيل عام 1994، بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو، والتقى عددًا من الشخصيات اليهودية، وبعد ذلك كتب كتاب «رحلة إلى إسرائيل» حكى فيه عن تفاصيل زيارته لإسرائيل، وتُرجم الكتاب بعد ذلك للإنجليزية والعبرية.

كما زار أسامة الغزالي حرب، رئيس مجلس أمناء حزب المصريين الأحرار، إسرائيل عام 1990، لافتًا في حوار تلفزيوني في يونيو (حزيران) 2015، إلى أن مصر في حالة تطبيع مع إسرائيل بعد معاهدة السلام.

ولا يتردد، حسن سراج، الكاتب الصحافي بمجلة أكتوبر، عن إعلان زيارته لإسرائيل 25 مرة، التقى خلالها بمسؤولين إسرائيليين، وترجم كتبًا إسرائيلية ناشرًا إياها في مجلة أكتوبر من بينها: كتاب الحصار حول رئيس الوزراء، ومذكرات زوجة أول سفير إسرائيلي في القاهرة الياهو بن اليسار، وكتاب اليوم الذي قُتل فيه السادات.

وبدوره، يدعم المؤرخ المصري فؤاد السراج بصراحة التطبيع مع إسرائيل، وزار إسرائيل في 2015، لحضور معرض لفنانة مصرية يهودية، وقال السراج حينها إنه لا يخجل من زيارة إسرائيل، وأن السلطات المصرية على علم بهذه الزيارة.

رجال دين

زار إسرائيل خلال السنوات القليلة الماضية اثنان من أعلى المناصب الدينية في مصر، وهما مفتي الجمهورية المصرية، وبابا الكنيسة الأرثوذوكسية في مصر، ومع الانتقادات المحلية الواسعة التي صاحبت الزيارتين، حاول الأول تبريرها بوصفها «غير رسمية»، فيما لم يعتبرها الثاني «زيارة».

ففي أبريل (نيسان) عام 2012، زار الشيخ علي جمعة القدس، أثناء شغله منصب مفتي الديار المصرية، وذهب خلال زيارتها لعدد من الأماكن الدينية من بينها المسجد الأقصى، وكنيسة القيامة، وبطريركية الروم الأرثوذكس.

وأثارت الزيارة الكثير من الجدل والغضب في الأوساط الدينية والسياسية المصرية، وأعرب الأزهر الشريف عن تفاجئه بالزيارة، ورفضه لزيارة «القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي»، وحاول جمعة تبريرها باعتبارها زيارة «غير رسمية».

«لن نزور القدس وهي واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي» هكذا أكد تواضروس الثاني، بابا الكنيسة الأرثوذكسية، وبطريرك الكرازة المرقسية، في تصريحات له تعود ليناير (كانون الثاني) 2013، بعد أسابيع قليلة من خلافته، للبابا شنودة الثالث، الذي اشتد الخلاف بينه، وبين السادات عقب إبرام الأخير معاهدة السلام (كامب ديفيد ) عام 1979،

ففي 26 مارس (آذار) من عام 1980، اتخذ المجمع المقدس للكنيسة قرارًا بمقاطعة زيارة الديار المقدسة، أثناء احتلال إسرائيل للقدس، واعتبرت أن أي زيارة للقدس التي تضم أغلب الأماكن المقدسة المسيحية، تُعد تطبيعًا مع إسرائيل.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، زار تواضروس القدس، لعزاء مطرانها الأنبا أبرام، وهي أول زيارة من بابا الكنيسة المصرية للقدس منذ عام 1967، وخلّفت الزيارة الكثير من الجدل والانتقادات؛ مما دفع تواضروس للتأكيد في رسالة تلفزيونية أن سبب وجوده في القدس هو تأدية واجب العزاء وعدم التقصير فيه، مضيفًا: «لا أعدها زيارة».

سياحة دينية للأقباط

يكسر مئات الأقباط بين الحين والآخر الحظر الذي تفرضه الكنيسة على زيارة القدس المحتلة، ليزوروا القدس، ودائمًا ما يحاوط تلك الأخبار السرية والكتمان، وبالأخص في المواقع المصرية والعربية، وخلال رصدنا للزيارات القبطية للقدس خلال أكثر من سنة مضت، تبين إجراء أكثر من زيارة قبطية للقدس المحتلة بحسب ما أفادت به «مواقع إسرائيلية» أفصحت عن تلك الزيارات، وسط تكتم ملحوظ في وسائل الإعلام المصرية.

ففي أبريل (نيسان) 2013، أفاد موقع عربيل الإسرائيلي بزيارة 380 قبطيًّا مصريًّا لإسرائيل، لزيارة الأماكن المقدسة في القدس، احتفالًا بعيد القيامة المجيد، وخروجًا عن الصمت الإعلامي المصري، أفادت صحيفة «الوطن» المصرية، في نفس الشهر والعام، بوجود 40 شركة سياحية مصرية تنظم رحلات لإسرائيل، وفي نفس الشهر من العام التالي، توقعت إحدى الشركات المنظمة لتلك الرحلات ارتفاع عدد الأقباط المتجهين للقدس إلى ثلاثة آلاف زائر.

ويبدو أن السياحة في إسرائيل لا تتوقف على الدينية فقط، وتمتد للسياحة العلاجية أيضًا للمصريين والعرب، إذ أفاد موقع إسرائيل بالعربي في مارس (آذار) من العام الماضي، بذهاب آلاف المرضى من «مصر والكويت وقطر والأردن والسعودية وسوريا والعراق لإسرائيل لتلقي العلاج في المستشفيات الإسرائيلية في نطاق السياحة العلاجية».

وفي العام التالي لزيارة تواضروس لإسرائيل، كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في تقرير لها نشرته في أبريل (نيسان) 2016، وصول 6 آلاف سائح قبطي مصري إلى إسرائيل في إطار السياحة الدينية المصرية لإسرائيل.

ولفت الموقع العبري إلى ارتفاع حاد في أعداد الحجاج الأقباط المصريين الذين يصلون إلى القدس في السنوات الماضية، بعد سنوات كثيرة من الحظر، وأشار الموقع إلى أن وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الحكم «ساهم في كسر المحرمات ضد زيارة القدس. وهناك شعور في الأشهر الأخيرة بدفء العلاقات الإسرائيلية المصرية» على حد تعبير الصحيفة.

وأشارت الصحيفة أيضًا إلى عرض ثلاثة كتب لكُتّاب إسرائيليين في معرض الكتاب بالقاهرة، والتعاون الأمني المصري الإسرائيلي في سيناء، ومشاركة إسرائيل في قرار السيسي الذي تخلى فيه عن ملكية مصر لجزيرتي تيران وصنافير.

اقرأ أيضًا: الصحف الإسرائيلية: نتنياهو اطّلع على اتفاقية جزيرتي تيران وصنافير قبل أسبوعين من إبرامها

الجالية المصرية في إسرائيل

لا توجد أرقام رسمية بشأن عدد المصريين الذين يعيشون في إسرائيل، وهو ما أكدته سلفًا، نبيلة مكرم، وزيرة الهجرة المصرية التي قالت في يونيو (حزيران) الماضي «ليس لدي معلومات عن الجالية المصرية في إسرائيل».

وفي هذا الصدد، يحكي هشام فريد، الصحافي المصري المقيم في إسرائيل، عن طبيعة عيش الجالية المصرية وأعدادهم، ويقول فريد، إن حجم الجالية المصرية في إسرائيل كان يُقدر بـ33 ألفًا، عندما كان السفر إلى إسرائيل يتم من خلال المرور من معبر رفح دون أي معوقات من السلطات المصرية، بداية من عام 1992 في عهد رابين.

ولفت فريد إلى أنه مع صعود اليمين إلى الحكم في إسرائيل بوصول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سدة الحكم عام 1996، بدأ التوتر في العلاقات المصرية الإسرائيلية؛ مما دفع العديد من المصريين إلى العودة إلى مصر، ليتبقى نحو ثلاثة آلاف مصري في إسرائيل. يعرفون بحسب فريد بالجيل الأول من الجالية المصرية في إسرائيل، 98% منهم تزوجوا من فلسطيني 48، و2% منهم تزوجوا من يهوديات ارتدى معظمهن الحجاب.

وهو رقم قريب من الرقم الذي أفصح عنه رئيس الجالية المصرية في مدينة الناصرة، لصحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، عندما قال بأن عدد الجالية المصرية يتراوح من ثلاثة إلى سبعة آلاف يعيشون في أحياء عربية، ومعظمهم متزوجون من عرب إسرائيل، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، من بينهم ما لا يزيد على 12 حالة تزوجوا من يهوديات.

وقسّم فريد والموقع العبري المصريون في إسرائيل إلى ثلاث مجموعات:

الأولى: عبارة عن مصريين بلا إقامة يهدفون بشكل أساسي لجمع ما يستطيعون من أموال قبل عودتهم إلى مصر مرة أخرى.

والثانية: تتكون من مصريين لديهم إقامة إسرائيلية بلا جنسية، ويتمتعون بمعظم الحقوق والواجبات، فيدفعون الضرائب، ويحصلون على التأمين الصحي مثل المقيمين من أصحاب الجنسيات، ولكنهم ليس لديهم الحق في التصويت، أو المشاركة في الحياة السياسية.

والثالثة: تتكون من مصريين لديهم الجنسية الإسرائيلية، ويقدرهم فريد بـ3% من إجمالي نسبة الجالية المصرية في إسرائيل، ويرى فريد أن الجنسية الإسرائيلية سلاح ذو حدين، موضحًا أن جواز السفر الإسرائيلي يمنح حامله حق السفر إلى الكثير من دول العالم بلا تأشيرة، ولكن حمله يسقط الجنسية المصرية، وهو ما يعني فقدان القدرة على زيارة المصريين المقيمين في إسرائيل عائلاتهم في مصر، ومصادرة أملاكهم في مصر.

وتتمثل أحد أكبر المشاكل التي تواجه المصريين في إسرائيل بحسب فريد، في صعوبة العودة إلى إسرائيل بعد زيارة أسرهم في مصر، لافتًا أن ذلك يتطلب تصريح سفر قد يستغرق شهرين أو ثلاثة لتلقيه، مما يتسبب في فقدان الكثير من مصريي إسرائيل وظائفهم لتجاوز فترة العطلة المتعارف عليها.

وكان البرلمان المصري قد طالب بوضع قاعدة بيانات للمصريين في إسرائيل، واعتبرتهم النائبة نانسي نصير «قنبلة موقوتة للأمن القومي المصري»، وهو ما رفضه فريد الذي رد: «لا يوجد تعريف دقيق لمصطلح الأمن القومي، وأنه يتحدى أي نائب أن يذكر ما تمثله الجالية المصرية في إسرائيل من خطورة على الأمن القومي المصري، فهل مثلًا سوف نخبر إسرائيل بما تمتلكه مصر من طائرات ودبابات؟ فإسرائيل تعلم ذلك دون الحاجة إلينا؛ لأن مصر تستورد سلاحها من أصدقاء إسرائيل. هل سوف نخبر إسرائيل بالحالة الاقتصادية والاجتماعية؟ يكفي المسؤولين في إسرائيل أن يشاهدوا برامج التوك شو في مصر كي يعلموا ذلك».

عرض التعليقات
تحميل المزيد