يتكرر في مصر ما يمكن وصفه بـحوادث «العدالة المتأخرة»، وتتمثل تلك الحالات في إنصاف القضاء لمتهمين، يرى ذووهم أن الشرطة المصرية تسببت في مقتلهم بالتعذيب أو الإهمال الطبي أو التصفية الجسدية، وتتنوع صور إنصاف القضاء ما بين براءة المتهمين في القضية المتهم فيها الشخص المتوفي أو المقتول، أو إلغاء أحكام صدرت ضدهم.

براءة المتهمين في قضية أحمد مدحت

في مساء الاثنين الماضي، الموافق 14 نوفمبر (تشرين الثاني)، قضت محكمة جنح ثان مدينة نصر ببراءة سبع متهمين في تكوين شبكة دعارة منافية للآداب، تلك الشبكة التي اتهمت فيها وزارة الداخلية طالب كلية الطب «أحمد مدحت» بالانضمام إليها، وقالت إنه قفز من الدور الثاني عند مداهمة الشرطة لتلك الشبكة؛ مما تسبب في وفاته.

هكذا قالت الداخلية، ولكن رواية أهالي أحمد كانت مختلفة؛ إذ أفاد المهندس «مدحت» والد «أحمد» باختفاء نجله مساء يوم الاثنين الموافق 29 أغسطس (آب) الماضي، وبعد محاولات البحث عنه وجد ابنه جثةً في مشرحة زينهم، واتهم الداخلية بتعذيبه حتى الموت، لأسباب سياسية، رافضًا رواية الداخلية.

القضاء

صورة للطالب أحمد مدحت قبل وفاته وبعدها (المصدر فيتو)

 

 

ووصف مدحت جثة نجله في المشرحة «لابس هدومه كاملة، ليس عليها أي آثار تراب أو بهدلة نتيجة ارتطامه مثلًا بالأرض عندما حاول القفز، يداه الاثنان ورجلاه وبطنه عليها آثار تعذيب بالكهرباء، دماغه متكسرة، وهناك خبطات جنب أذنه اليمنى بآلة حادة، ونزيف دم من الأنف والفم، ورغاوي كثيرة من الفم».

ثلاث براءات لفريد إسماعيل بعد وفاته

في 25 أغسطس (آب) الماضي، قضت دائرة الإرهاب بمحكمة جنايات الزقازيق، ببراءة الدكتور «فريد إسماعيل»، البرلماني السابق عن حزب الحرية والعدالة، من تهمة التحريض علي العنف، وكانت الدائرة ذاتها حكمت على اسماعيل بالسجن المشدد سبع سنوات، قبل أن تقبل النقض على الحكم وتقضي ببراءة «إسماعيل».

وكانت الشرطة المصرية قد ألقت القبض على اسماعيل، في الثاني من سبتمبر (أيلول) 2013، ولقي مصرعه في 13 مايو (أيار) 2015، إثر غيبوبة كبدية داخل زنزانته الانفرادية، واتهمت أسرة إسماعيل، وزارة الداخلية بالتسبب في وفاة إسماعيل بـ«الإهمال الطبي» . وذكر محامي إسماعيل، في وقت سابق، أن إسماعيل حصل على ثلاث براءات بعد وفاته.

وتنفي الداخلية التسبب في وفاة اسماعيل، ولكن «محمد أبو هريرة»، عضو هيئة الدفاع عن متهمي جماعة الإخوان، أكد أن الداخلية تتحمل مسؤولية وفاته، وقال «إن وفاة فريد إسماعيل جاءت نتيجة سوء الرعاية الطبية داخل السجن، ومنع دخول الطعام والدواء»، ولفت أبو هريرة إلى أن «المادة 36 من قانون تنظيم السجون (المتعلقة بالإفراج الصحي) لم تطبق عليه». موضحًا «تقول المادة كل محكوم عليه يتبين لطبيب أنه مصاب بمرض يهدد حياته بالحظر أو يعجزه عجزًا كليًا، يعرض أمره على مدير القسم الطبي للسجون لفحصه بالاشتراك مع الطبيب الشرعي للنظر فى الإفراج عنه».

براءة المتهمين في قضية الفلاحجي بعد وفاته

ويبدو أن الأمر لم يختلف كثيرًا بين حالة اسماعيل، وحالة زميله في البرلمان المنحل عن حزب الحرية والعدالة، محمد الفلاحجي، فقبل يوم من تبرئة إسماعيل، حصل المتهمين حضوريًا في قضية «الفلاحجي» المعروفة باسم أحداث المركز الإسلامي على البراءة، في 24 أغسطس( آب) الماضي، وقضت محكمة جنايات دمياط بانقضاء الدعوة للفلاحجي بسبب وفاته.

القضاء

صورة تجمع بين إسماعيل والفلاحجي قبل وفاتهما (المصدر: مصر العربية)

 

 

وفي 26 أغسطس (آب) 2013، اعتقلت قوات الأمن المصرية، الفلاحجي، من مقر عمله، «وهو بكامل صحته، ولا يشكو من مرض غير السكري»، كما تحكي زوجته التي اتهمت قوات الأمن المصرية بالتسبب في وفاة زوجها، بسبب الإهمال الطبي، في 25 من مايو (آيار) الماضي.

وتفصل زوجته لـ«ساسة بوست»، مراحل تدهور حالته الصحية، وتعامل وزارة الداخلية تجاهه «حُبس الفلاحجي انفراديًا داخل مقر فرق الأمن، بمحافظة دمياط، قبل أشهر قليلة من ترحيله إلى سجن جمصة العمومي، مطلع عام 2014، حيث صعوبة إدخال العلاج، أو منعه تمامًا في بعض الأحيان»، ذاكرة قضية اعتقال أحد أبنائها مطلع 2015، ورفض إدارة السجن نقله إلى والده في سجن جمصة، بالرغم من ترحيل كل من كان معه في القضية إلى سجن جمصة، «حتى لا يرى الابن والده».

وتقول الزوجة: إنه في الرابع من مارس (آذار) 2015، بدأ الفلاحجي يشعر بآلام في الكلى، مع رفض إدارة السجن نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج، ومع ضغوط المعتقلين على إدارة السجن، نُقل الفلاحجي إلى المستشفى التخصصي، في التاسع من مارس (آذار)، ولكن «الأمن أعطى أوامره للمستشفى بعدم علاجه»، بحسب زوجته، التي لفتت إلى أنه ظل على الأرض في غرفة الحجز ثلاثة أيام، قبل عودته إلى السجن. وفي أبريل (نيسان)، ذهب إلى نفس المستشفى مرة أخرى، حيث أجرى تحاليل تُفيد بتدهور وظائف الكلى، قبل أن يعود مرة أخرى للسجن، دون تلقي علاج، بحسب ما أكدت زوجته.

القضاء

صورة الفلاحجي في الأيام الأخيرة قبيل وفاته مع انتفاخ بطنه؛ بسبب الاستسقاء وتقييد يده في السرير (المصدر: بوابة القاهرة).

وتحكي الزوجة عن الأيام الأخيرة لزوجها، وتدهور حالته الصحية، ففي 12 مايو (أيار) الماضي، ظهر بداية الفشل الكلوي، حاولت الزوجة إدخال ثلاث حقن ألبومين دون جدوى، «بكيت أمام أمين الشرطة لإدخال الحقن، لكنه استهزأ ببكائي، وأخذ مني الحقن دون أن يوصلها لزوجي»، تقول الزوجة، مُشيرةً إلى أنه مع يوم 19 مايو (أيار) الماضي، وصلت الحالة الصحية لزوجها إلى مرحلة الفشل الكلوي والكبدي.


«ظلت عربة الترحيلات تقتله»، هكذا تروي الزوجة في الإشارة إلى نقله من مستشفى لآخر، «مع إعطاء الأوامر الأمنية للمستشفيات بعدم احتجازه بها»، قبل أن يُحجز في مستشفى الأزهر بدمياط الجديدة، يوم 20 مايو (أيار)، ليتوفى فجر 25 مايو (أيار)، بعد نحو أربعة أيام من احتجازه بالمستشفى.

إلغاء الحكم الصادر ضد طارق الغندور بعد وفاته

وقبل أيام من التقاط الفلاحجي أنفاسه الأخيرة، ألغت محكمة النقض المصرية، في 21 مايو)أيار( 2016 حكم بالسجن خمس سنوات، للدكتور «طارق الغندور» القيادي الإخواني والأستاذ بجامعة عين شمس، وأمرت بإخلاء سبيله، وجاء هذا الحكم، بعد وفاة الغندور داخل محبسه في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 عقب إصابته بنزيف حاد بدوالي المريء، أودى بحياته، ودخل الغندور السجن في 18 ديسمبر (كانون الأول) عام 2013 بعدما وجهت إليه تهم ذات طابع سياسي.

القضاء

طارق الغندور بعد وفاته بين زوجته ونجله (مصدر الصورة بوابة القاهرة)

وبالرغم من نفي الداخلية كالعادة وجود إهمال طبي منها تسبب في مقتل الغندور، إلا أن شقيقه أسعد اتهم الشرطة بتصفية طارق عمدًا، وقال إنها تركت شقيقه «ينزف ثماني ساعات دون مغيث (…) وبعد وفاته ركّبت أجهزة تنفس له لـ«شرعنة الجريمة»، بحسب أسعد الذي أضاف «هذه الأجهزة ركبت بعد وفاته بالسجن، في مسرحية تهدف لتغطية ما حدث»، لإظهار أن طارق كان تحت الرعاية.

و قال أسعد: إن شقيقه ظل ينزف ثماني ساعات وهو مكبل اليدين، قبل أن يزوره الطبيب المناوب «بعدما تأكد أنه توفي إكلينيكيا وانخفض «الهيموغلوبين» من 11 الى 3.5 ، أي إنه توفي تمامًا بحسب التقارير التي حصلت عليها العائلة».

لا علاقة قوية بين ريجيني والعصابة التي صفتها الشرطة

«إن النائب العام المصري اعترف لنظيره في روما بعدم وجود روابط قوية بين مقتل الطالب (جوليو ريجيني) والعصابة التي قتلها الأمن في مصر، وعثر على بعض متعلقات الطالب الإيطالي جوليو لدى أحدهم»، هكذا قال فريق التحقيقات الإيطالي في بيان صحافي أصدره في سبتمبر (أيلول) الماضي، بعد لقائه بالنائب العام المصري وهو اعتراف قضائي يُبرئ الخمسة أشخاص الذين صفتهم الشرطة، في 24 مارس (آذار) الماضي، تحت دعوى علاقتهم بقتل ريجيني.

وفي سياق أوسع، أفادت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، بأن عدد حالات القتل خارج نطاق القانون التي رصدتها خلال الثلاث سنوات الماضية، بلغ 2978، ولفت التقرير الذي نشرته في 25 أغسطس (آب) الماضي، إلى أن حالات القتل تلك تضمنت 91 حالة قتل بالتعذيب، و180 جراء الإهمال الطبي في السجون، و102 تصفية جسدية.


عرض التعليقات
تحميل المزيد