علاء الدين السيد

4

علاء الدين السيد

4

5,679

«أحفاد الفراعنة»، عبارة كانت – ولاتزال – تسمع على ألسنة العديد من الإعلاميين والشخصيات العامة في مصر، على سبيل الفخر والتباهي بأنهم امتداد حضارة كانت قائمة منذ سبعة آلاف سنة. يحب العديد من المصريين التغني بأمجادهم وإنجازاتهم، لذلك فإنهم يصرون على تأكيد انتمائهم للفراعنة، خصوصًا وأن آثار الفراعنة لاتزال قائمة تبهر أعين العالم كله.

يقول البعض: إن المصريين يحبون التحدث عن أن وراءهم حضارة سبعة آلاف سنة، وينسون سؤال أنفسهم عما أضافوه هم إلى ما خلفه لهم الأسلاف، وماذا سيفعلون بأنفسهم في المستقبل الذي تتطاحن فيه الثقافات والشعوب التي تحاول الهيمنة على العالم، بالرغم من أنها لا تستند إلى مثل حضارتهم ذات السبعة آلاف سنة.

وفي المقابل، نلاحظ وجود تيار آخر من المصريين يرفض فكرة أنهم ينتمون إلى الفراعنة، ويصرون على أنهم عرب، وقد زادت هذه النغمة بقوة في أعقاب حكم الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي كان يصر دائمًا على فكرة العروبة والوحدة العربية، حتى تشبع الكثير من المصريين بمفهوم العروبة.

فكرة العروبة نفسها – التي ترسخت في الأذهان والسياسات – كانت سببًا في قيام الكثير من الصراعات التي وصلت إلى حد شن الحروب، حيث نلاحظ كيف ظهر على إثرها تقييدات على ثقافات أخرى، مثل الأكراد والأمازيغ وغيرهم، وكيف وصل الأمر حاليًا إلى صراعات سياسية مبنية على أسس عرقية أو سياسية بطابع عرقي مع إيران أو عربي تركي مثلًا.

والسؤال هنا، ما هو أصل المصريين الحاليين الذين يتباهون دومًا بأصولهم؟ أهم عرب أم فراعنة؟

أحفاد الفراعنة

أحدث دراسة بحثية تتعلق بالفراعنة والمحتوى الجيني الخاص بهم أظهرت مفاجأة كبيرة للمصريين؛ فقد ذكر علماء – في شهر مايو (أيار) 2017 – أنهم فحصوا بيانات الخريطة الجينية (الجينوم) لـ 90 من المومياوات الفرعونية من أحد المواقع على بعد نحو 115 كيلومتر جنوبي القاهرة، في دراسة جينية هي الأكثر تطورًا على الإطلاق للمصريين القدماء.

العلماء الذين تمكنوا من الحصول على تسلسل الجينوم الكامل للمصريين القدماء لأول مرة، خلصوا إلى أن شعب الفراعنة كانوا أكثر ارتباطًا مع الأوروبيين المحدثين وسكان الشرق الأدنى بدلًا من المصريين الحاليين.

وطبقًا لما ذكرته وكالة رويترز، فقد جرت عملية استخلاص الحمض النووي من أسنان وعظام المومياوات في مقابر شاسعة مرتبطة بالإله أوزيريس، ويرجع أقدمها إلى عام 1388 قبل الميلاد تقريبًا، أي في عهد الدولة الحديثة، وهي مرحلة بلغ فيها نفوذ مصر وثقافتها أوجهما، أما أحدث المومياوات فترجع تقريبًا إلى العام الميلادي 426، أي بعد عدة قرون من تحوّل مصر إلى أحد أقاليم الإمبراطورية الرومانية.

وقال العالم يوهانس كراوسه، من معهد ماكس بلانك لعلوم التاريخ البشري في ألمانيا، والذي قاد الدراسة التي نشرتها مجلة «نيتشر» المتخصصة، «كان هناك الكثير من النقاش عن الأصول الجينية للمصريين القدماء»، وأضاف: «هل ينحدر المصريون المعاصرون مباشرة من نسل المصريين القدماء؟ هل كانت هناك استمرارية وراثية في مصر على مدار الزمن؟ هل غيّر الغزاة الأجانب التركيبة الوراثية؟ على سبيل المثال: هل أصبح المصريون أكثر أوروبية بعد أن غزا الإسكندر الأكبر مصر؟ يستطيع الحمض النووي القديم التعامل مع هذه الأسئلة».

وأظهر الجينوم أن المصريين القدماء يختلفون عن المصريين المعاصرين في أن صلتهم الجينية بشعوب إفريقيا جنوبي الصحراء تتراوح بين محدودة ومنعدمة، ومن المعروف أن بعض هذه الشعوب مثل الإثيوبيين القدامى كانت لهم تفاعلات كبيرة مع مصر.

أما الصلات الوراثية الأقرب فكانت بشعوب الشرق الأدنى القديم، ويشمل ذلك أجزاء من العراق وتركيا، بالإضافة إلى فلسطين وسوريا ولبنان، ورصد الباحثون استمرارية وراثية تشمل عصر الدولة الحديثة والعصر الروماني، ووجدوا زيادة كبيرة في الأصول التي ترجع لإفريقيا جنوبي الصحراء قبل نحو 700 عام لأسباب غير واضحة.

وقال كراوسه: «لم يكن هناك تغيّر ملحوظ في تلك الأعوام الـ 1800 من التاريخ المصري.. التغير الكبير حدث بين ذلك الحين والآن».

يذكر أن هذه النتائج أثارت شكوكًا من أحد كبار علماء المصريات، الذين تساءلوا عما إذا كان التحليل الجيني يمكن أن يبرر هذا البيان الكاسح، وأشار إلى تاريخ طويل من المحاولات الزائفة لفصل المصريين القدماء عن السكان المعاصرين، واعترف الباحثون أن عيناتهم «قد لا تكون ممثلة بالفعل لكل الفراعنة في مصر القديمة».

وأظهرت الدراسة أيضًا أن للمصريين المحدثين مكونًا جينيًا من منطقة جنوب الصحراء الإفريقية (ذوي البشرات السمراء) بنسبة 8%، والذي يعزى إلى هجرات العبيد التي جرت مؤخرًا، بشكل نمطي، حددت الدراسة محتوى جيني معين هو المسؤول عن البشرة الفاتحة نسبيًا للمصريين

أصل المصريين

قد تكون عمليات تطفل الميكروبات وسوء عمليات التعامل والتسليم مع الحفريات والجثث خلقت عقبات أمام إمكانية استعادة الحمض النووي للحضارات القديمة، ونتيجة لذلك، جرت معظم دراسات الحمض النووي على السكان المصريين المحدثين بهدف التعرف على تأثيرات الهجرات التاريخية على سكان مصر، وأجريت دراسة نشرت في عام 1993 على مومياوات قديمة من الأسرة الثانية عشرة، والتي حددت خطوط متعددة من النسب، بعضها نشأ في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

في عام 2013، قام العالم المصري خيرت وزملاؤه بإجراء أول دراسة وراثية تستخدم الجيل التالي من التسلسل للتأكد من نسب الأجداد لدى الفرد المصري القديم. واستخرج الباحثون الحمض النووي من رؤوس خمس مومياوات مصرية، ويعود تاريخ جميع هذه العينات إلى ما بين عامي 806 قبل الميلاد و124 ميلادي، وهو إطار زمني يتناسب مع الفترات المتأخرة من العصر البطلمي، ولاحظ الباحثون أن أحد الأفراد المحنطين على الأرجح ينتمي – طبقًا لجيناته – إلى أصول يعتقد أنها نشأت في غرب آسيا.

ويكشف التحليل الوراثي للمصريين المحدثين أن لديهم نسبًا أبوية مشتركة بين السكان الأصليين من أصل أفريقي – آسيوي في شمال شرق وشمال غرب إفريقيا (المغرب العربي والقرن الإفريقي)، وإلى شعوب الشرق الأوسط لحد أقل، وهذه الأنساب قد انتشرت خلال العصر الحجري الحديث، وتم الحفاظ عليها خلال فترة ما قبل الأسرات.

ووجدت دراسة نشرت عام 1999 عن الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا على طول وادي النيل، أن هناك عرقًا أوروبيًا – آسيويًا يمتد من شمال مصر إلى جنوب السودان، وعرقًا من جنوب الصحراء الكبرى يمتد من جنوب السودان إلى شمال مصر.

وفي دراسة أخرى عام 2004، أظهرت عينة من 147 من الذكور المصريين أن المحتوى الجيني لهم يظهر سمات لبعض المتحدثين من أصل إفريقي – آسيوي ويعتقد أنهم نشأوا إما في الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا أو القرن الإفريقي.

وقد أظهرت دراسات أخرى أن المصريين المحدثين لديهم ارتباطات وراثية في المقام الأول مع سكان آسيا وشمال وشمال شرق إفريقيا، وإلى حد أقل الشرق الأوسط والأوروبيين السكان.

وتشير بعض الدراسات الجينية التي أجريت على المصريين الحديثين إلى وجود علاقة أبعد بالأفارقة جنوب الصحراء الكبرى. وروابط أوثق مع غيرهم من أبناء شمال إفريقيا. وبالإضافة إلى ذلك، تشير بعض الدراسات إلى وجود روابط أقل مع السكان في الشرق الأوسط، فضلًا عن بعض المجموعات في جنوب أوروبا.

مصر القديمة

نعود لما بدأنا به موضوعنا، ما هو أصل المصريين؟ أهم عرب أم فراعنة؟

في عهود ما قبل التاريخ، حدثت هجرات من أماكن كثيرة بالعالم بحثًا عن المرعى والصيد، مثل الهجرات التي حدثت من الهند لأوروبا ونتجت عنها شعوب كثيرة في آسيا وأروربا، ومثل ذلك الهجرات التي جرت من وسط وشمال إفريقيا بعد تصحر الأراضي وتكون الصحراء الكبرى، لوادي النيل وساحل إفريقيا الشمالي، ونتج عنها شعوب إقليمية تعيش في هذه المناطق حتى اليوم.

وفي وادي النيل، حيث يوجد المرعى والماء والجو المعتدل، تشجع كثيرًا على الاستقرار، وعدم استكمال الهجرات لأماكن أخرى، فتكونت ثلاثة شعوب قريبة من بعضها، هم: المصريون، والكوشيون (السودانيون)، والبجّا (شعوب أعالي النيل الذين يطلق عليهم العلماء: السلالات الحامية نسبة لحام بن نوح).

وكانت صحراء جنوب أسوان وشلالات النيل الأول والثاني والثالث حواجز طبيعية ترسخت عبر السنين بين شمال وجنوب الوادي، مثلها مثل صحراء وجبال الجهة الشرقية، وصحراء ووادي الرمال في الجهة الغربية، وهذا الأمر شجع على زيادة تركيز السكان في ضفاف نهر النيل.

كما حدثت هجرات في عصور لاحقة من شعوب البحر (سكان الجزر في البحر المتوسط وجنوب آسيا الصغرى واليونان) إلى منطقة شرق المتوسط (ساحل الشام) وشمال مصر، فسكنوا سواحل وأواسط الدلتا وانصهروا مع سكان الوادي الذين هاجروا من الصعيد نحو الشمال عبر آلاف السنين.

ومع بداية التاريخ المصري في عام 3500 ق.م. وجدنا شعبين، في الشمال؛ (الدلتا) يعتبر خليطًا من الشعوب الحامية وسكان البحر المتوسط، والجنوب (مصر العليا) وأغلبه من سلالات حامية، ثم جرى توحيد هذين الشعبين عبر حروب طويلة وقيام المملكة المصرية الموحدة على يد مينا موحد القطرين.

وخلال العصور اللاحقة لعصر توحيد مصر كانت لا تزال الهجرات مستمرة، لكنها كونت شعوبًا أخرى سهل تمييزها عن المصريين أصحاب البلد الأصليين، فتميز المصريون عن الشعب الكوشي (نوبي أو سوداني) والأشوري (سكان الشام وشمال العراق) والليبي (سكان ساحل إفريقيا الشمالي برقة وطرابلس)، بل الأوربيين سكان آسيا الصغرى والجزر اليونانية وجنوب اليونان.

وكانت الطبقة الحاكمة في مصر غالبًا ما تكون من حكام مصريين أبًا عن جد، إلا في حالات معينة مثل احتلال الهكسوس لمدة 150 عام، حينما كانت الطبقة الحاكمة من الأجانب، وفي نهاية عصر الدولة الحديثة وبداية عصر الاضمحلال، تملك العرش بعض الأسرات من أصل ليبي، مثل: بسماتيك. يتضح لنا هنا أن الشعب الفرعوني كان خليطًا من شعوب مختلفة تركزت في مصر.

في العصر البطلمي حدث نزوح كبير لسكان جنوب اليونان لاستيطان المملكة الجديدة في شمال مصر في ظل القيادة البطلمية اليونانية العرق والثقافة، وهو ما شجع شعوب أخرى للهجرة لمصر والإقامة في مدينة الإسكندرية، والتي جرى توسيعها أكثر من مرة في خلال العصر البطلمي. وسكن اليونانيون مناطق عديدة في شمال الدلتا، في حين ظل الصعيد (مصر العليا) بعيدًا عن تأثير الثقافة البطلمية من حيث اللغة والعادات والآداب والملابس والديانة، وظل محتفظًا بصورته المصرية القديمة حتى عصر دخول المسيحية في مطلع القرن الأول الميلادي.

وعلى الرغم من وقوع مصر تحت الاحتلال الروماني لأكثر من 600 عام، إلا أن مصر كانت بالنسبة للرومان مجرد أرض عبيد تعتبر غنيمة، ولم تكن يومًا ضمن الأراضي الرومانية التي ينال أهلها الجنسية الرومانية، مثل: آسيا الصغرى، وبعض مناطق شمال سوريا، وهو ما ساعد المصريين أكثر على الاحتفاظ بثقافتهم وهويتهم المصرية والخروج بها سليمة بعد فترة طويلة من الاحتلال.

أضف إلى هذا صعوبة زواج المصري من الأجنبية نظرًا للتقاليد التي لاتزال موجودة حتى اليوم في كثير من المناطق، كما كان من الصعب على المصري ترك أرضه والهجرة لمناطق أخرى، لكن التركيبة السكانية تغيرت في أعقاب الفتح الإسلامي.

الفتح الإسلامي والعرب.. وتغير التركيبة السكانية

كيف كانت التركيبة العرقية للمصريين خلال فترة الفتح الإسلامي وما تلاها؟ هذا السؤال كثيرًا ما يدور في أذهان الناس، خصوصًا وسط حالة الجدل المتعلقة بأصل المصريين العربي.

في ذلك الوقت، تكونت التركيبة السكانية للمصريين من الأقباط وهم أهل البلد الأصليين، والعرب وهم الفاتحون القادمون من شبه الجزيرة، وبقايا من الروم – الذين كانوا يحتلون مصر في ذلك الوقت – ومنهم من بقي في مصر ومنهم من دخل في الإسلام، وجاء مع جيش عمرو بن العاص، بالإضافة لبعض الفرس الذين جاءوا من بلاد فارس والعراق وطاب المقام لهم في مصر.

كل هذه التركيبة الغريبة والمتباينة هي التي خلقت التركيبة السكانية الحالية للشعب المصري.

كان قوام الجيش العربي بقيادة عمرو بن العاص الذي جاء لمحاربة الروم وفتح مصر – في أغلب الروايات – يقارب 12 ألف جندي، وكان يتكون من القبائل العربية المختلفة، بدءًا من قبائل عك وغافق من قبائل الجنوب ولاحقًا ممن وفدوا من غسان وكندة ولخم، بالإضافة إلى بعض الذين دخلوا في الإسلام من الفرس والروم، خصوصًا في فترة الفتوحات الإسلامية في الشام والعراق.

لاحقًا في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، جرى تهجير العديد من قبائل قيس لأغراض سياسية، وهؤلاء كانوا أضعاف قبائل الجنوب (اليمن ونجد) الذين بدأوا في النمو في مصر. يقول الكندي في كتابه (الولاة والقضاة) إن المسؤول عن خراج مصر، وكان اسمه عبد الله بن الحبحاب، بعث برسالة للخليفة يشكره على إعلاء شأن بني قيس بعدما استوفد منهم الكثير، وأقطعهم بلبيس وما حولها وأمرهم بالزراعة، و شراء الإبل والخيل.

واستمر توافد القبائل على مصر خلال حكم العباسيين والفاطميين، فيقول المقريزي في كتابه (البيان والإعراب عمن نزل أرض مصر من الأعراب) إن في زمن خلافة المستنصر (تقريبًا عام 1010م) حصلت ثورات من قبائل جنوب الجزيرة الذين نزلوا في بادية الشام وغزة ضد الولاة، فأمر الوزير أبو الحسن البازوري باستدعائهم إلى مصر وأقطعهم إقليم البحيرة وما حولها، فاتسعت أحوالهم وعظم شأنهم.

كما وفدت قبائل أخرى من جذام ولخم ونزلت في دمياط والبرلس وزفتى وميت غمر في زمن الوزير الصالح طلائع بن رزيك (العصر الفاطمي)، ولما ضاقت الدلتا بالوافدين، نزلت قبائل عديدة إلى صعيد مصر وانتشرت على ضفتي النيل وبالأخص في الأشمونين ومنفلوط وأخميم والصحراء الشرقية بين النيل والبحر الأحمر وكذلك أسوان وما حولها.

وكان العرب الوافدين في بادئ الأمر جنودًا مقاتلين استقروا في عدة مناطق لاستكمال أعمال الفتوحات بعد الحصول على استراحة محارب، ولكن لما طال المقام وكثرت الأعداد وتوالت الهجرات، اشتغل بعضهم بالرعي والتجارة واجتذبتهم الحياة في وادي النيل فاختلطوا بأهله من الأقباط الذين دخلوا في الإسلام.

ولما قلت العمليات الحربية بعد استيلاء العباسيين على السلطة، نظرًا لدخول العنصر الفارسي في قيادة الجيوش وإدارة الدولة، اتجه العرب أكثر إلى الزراعة والرعي والتجارة والانخراط في الحياة والمعيشة كأهل البلد، لكن في عهد الخليفة العباسي المعتصم، قام بتغيير العنصر المسيطر على الدولة من الفرس والعرب إلى الأتراك؛ مما قلل من وجود العرب في الوظائف الإدارية، وزاد الأمر أيضًا في عصر أحمد بن طولون، وكلما قل شأن العرب في الجيش والدولة كلما زاد انخراطهم في الحياة بمصر، فينتشرون أكثر بين الأهالي ويدخلون ضمن التركيبة السكانية حتى صار من الصعب تفرقهم عن أهل البلد الأصليين.

ليسوا عرب ولا فراعنة

الاستنتاج الأبرز الذي يمكن أن يظهر لنا من كل ما سبق يشير إلى أمر مهم للغاية، فالمصريون المحدثون هم مصريون أكثر من كونهم عرب أو فراعنة، فقد اختلطت الأنساب والجينات في الشعب المصري على مر التاريخ بشكل كبير حتى أصبح للعرق المصري ميزته النسبية التي لا يمكن تتبعها إلى أصل جيني أو عرقي واحد بعينه.

ربما يكون هذا الأمر أكثر تقبلًا إذا ما نظرنا إلى الخريطة التي نشرها موقع ناشيونال جيوغرافيك. فقد نشر الموقع أول خريطة للتاريخ البشري في العالم، وذلك ضمن مشروع كبير لدراسة متعددة السنوات تقوم على فحص أصول البشر، ومدى التداخل في الأصول والأعراق البشرية. وقد أظهرت الدراسة بعض النتائج الصادمة على كافة المستويات، وبينت حجم التداخل الكبير ودرجة التجانس بين الأمم والشعوب في مختلف أنحاء الكرة الأرضية.

واعتمدت الدراسة على تحليل عينات ضخمة من الـ(DNA) من أجل رسم الخارطة الجينية لسكان كل دولة، أو سكان كل منطقة من العالم، وهو ما استغرق وقتًا طويلًا، فقد بدأ هذا المشروع عام 2005، وانتهى العمل به عام 2017.

لو أخذنا إيران كمثال، وهي التي تروج لنفسها على أنها «الأمة الفارسية»، وتتحدث بلغة مميزة، فالنتيجة كانت مفاجأة لكثيرين كونها في الحقيقة أمة ذات أصول عربية في أغلبها. فتشير التحليلات إلى أن 56% من الإيرانيين من أصول عربية، وأن 24% منهم تعود أصولهم إلى جنوب آسيا، بينما باقي الإيرانيين هم مجرد أقليات من أصول وأعراق ومنابت مختلفة.

وإذا جئنا إلى مصر، فإن الخريطة البشرية والتحليلات العلمية تُثبت أن أغلب المصريين ليسوا عربًا، فقد أظهر الخريطة الجينية أن 17% فقط من المصريين أصولهم عربية، أما الآخرون فهم من أصول ومنابت مختلفة وغير عربية، والأغلبية (68%) من المصريين تعود أصولهم إلى شمال إفريقيا، بينما أصول 4% منهم يهود، وأصول 3% من آسيا الصغرى، و3% آخرون من جنوب أوروبا.

تعليقات الفيسبوك