نشر موقع ستراتفور المتخصص في الشئون الأمنية والجيوسياسية مقالاً حول تصنيف القوى السياسية المعارضة في مصر وأشكال التفاعلات فيما بينها وبين السلطة، وبخاصة بعد الحكم مؤخرًا ببراءة الرئيس المخلوع حسني مبارك ونجليه ووزير داخليته ومساعديه من تهم قتل المتظاهرين إبان ثورة يناير عام 2011.

تحليل

هناك 3 قوى تحاول إشعال موجات من الاحتجاجات في مصر، ولكنها تبدو حتى الآن وكأنها تسير في طرق بعيدة عن بعضها البعض، طوال الأشهر السبعة عشرة الماضية، واصلت جماعة الإخوان المسلمين احتجاجاتها ضد الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013، والذي أطاح بحكم الرئيس محمد مرسي، كما قام كيان سلفي “جديد” يسمى “الجبهة السلفية” بتنظيم احتجاجات والدعوة إليها يوم 28 نوفمبر الماضي، على الرغم مما هو متوقع من عدم إمكانية حشد عدد كافٍ لتحقيق نتائج معتبرة، والآن ومع تبرئة المحكمة للرئيس الأسبق حسني مبارك ونجليه ووزير داخليته من تهم التورط في قتل المتظاهرين إبان انتفاضة يناير 2011 بدأت المجموعات العلمانية بدورها بالتحريض على الاحتجاج.

انقسامات بين الإسلاميين

في الأساس، فإن المشهد السياسي في أكبر الدول العربية يبدو مجزءًا للغاية، وينقسم الإسلاميون بشكل عام إلى معسكرين، على أحد الجانبين تقع جماعة الإخوان المسلمين أكبر وأقدم الجماعات الإسلامية إضافة إلى حلفائها، وعلى الجانب الآخر هناك السلفيون.

منعت الحملة الضخمة التي شنها الرئيس الحالي – وقائد الجيش آنذاك- عبدالفتاح السيسي الإخوان المسلمين من زعزعة استقرار الحكومة الحالية على الرغم من استمرار حراكهم بمستوى منخفض، مع توقعات بأن السيسي لن يكون قادرًا على تجاوز المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد خاصة في ظل اعتماده على التدفق النقدي من المملكة العربية السعودية وحلفائه في دول مجلس التعاون الخليجي.

على الجانب السلفي هناك العديد من الانقسامات، ثاني أكبر الأحزاب الإسلامية “النور” والذي جاء ثانيًا في الانتخابات التشريعية 2011- 2012 يتطلع إلى الجولة القادمة من الانتخابات المقررة أواخر مارس، تخلى النور عن تماهيه السابق مع حكومة الإخوان المسلمين ودعم الانقلاب ضد مرسي على الرغم من معارضة القوى العلمانية في الدولة والمجتمع، انتقد جمهور السلفيين وباقي الإسلاميين مواقف “النور” واعتبروه براجماتيًّا بشكل أكثر من اللازم، ويشكل خروجًا واضحًا على المباديء الإسلامية.

بعض طوائف السلفيين لم تختر الانحياز إلى أي من الإخوان أو النور واستمروا على نهجهم غير المهتم بالأوضاع السياسية، في المقابل هناك السلفيون الجهاديون وعلى رأسهم جماعتا “أنصار بيت المقدس” و”أجناد مصر” اللتان ما تزالان تشنان هجماتهما في سيناء وأماكن أخرى، مع وجود أدلة على التحاق العديد من العناصر الجهادية بتنظيم “الدولة الإسلامية”، ومؤخرًا ظهرت على الساحة “الجبهة السلفية” التي دعت إلى احتجاجات بهدف تأجيج ثورة إسلامية.

الجانب العلماني

على الجهة الأخرى ، هناك القوى ما بعد الإسلامية “Post Islamists” ويمثلها أحد الأحزاب القوية في مصر “حزب الوسط” بصحبة بعض الشخصيات الأخرى التي تسعى إلى خلق موقف وسطي عبر التحالف مع العلمانيين الديمقراطيين، أما العلمانيون فقد انقسموا بعمق وبشكل كبير بين المؤيدين للديمقراطية، والمساندين للحكم العسكري. وتشمل الجماعات الموالية للحكومة العسكرية كل من “حركة تمرد” و”الجبهة المصرية” و”مصر العروبة” و”تحالف الوفد المصري”، أما الحركات المؤيدة للديمقراطية فتشمل “التحالف الديمقراطي المدني” و”حركة شباب 6 أبريل”، بدأ هذا المعسكر المؤيد للديمقراطية في الظهور ببطء بعد اصطفافهم ضد الإخوان المسلمين، وعلى العلمانيين الديمقراطيين أن يقرروا الآن إذا ما كانوا يحبون الديمقراطية أكثر من كرههم للإخوان والسلفيين.

وهنا تكمن مشكلة محتملة بالنسبة للحكومة التي تجمع أكبر مكونات المعسكر العلماني، لكنها تعاني من التصدعات الخاصة بها كذلك. السيسي والقادة العسكريين يدركون أن عليهم العمل مع بعض القوى الإسلامية، وفي ذات الوقت المحافظة على مسافة آمنة مع الحرس القديم، ولكن السيسي وجنرالاته يرأسون دولة من العناصر “المتشددة” ، كثير منهم كانوا من المسئولين في عهد مبارك أو ممن تربطهم علاقة مع الرئيس المخلوع وحلفائه، تتوزع هذه العناصر في جميع أنحاء الدولة وتنتشر في القطاعات الأمنية والإدارية من البيروقراطية المصرية، ومن المرجح أنها هي المسئولة عن براءة مبارك ونجليه ووزير داخليته وستة مساعديه إضافة إلى بعض رجال الأعمال المقربين منه من الذين تورطوا في اتهامات بالقتل والفساد.

ومن الجدير بالذكر هنا أن السيسي قد تجنب التعليق على الحكم ببراءة مبارك من تهم قتل المتظاهرين إبان انتفاضة الربيع العربي في 2011، بينما تمسك رئيس وزرائه بدوره بمبدأ الفصل بين السلطات كوسيلة للتهرب من الانتقادات من قبل المجموعات العلمانية المعارضة للحكم، والتي أبدت استعداداتها للنزول إلى الشارع، فالسيسي والجيش لا يريدون أي شيء بإمكانه أن يوحد الجماعات المختلفة من المحتجين في الشوارع؛ لأن ذلك يمكن أن يخلق حالة من الاضطراب لا يمكن السيطرة عليها. هناك أيضًا المخاوف بشأن عدم تحسن الاقتصاد، والذي سوف ينعكس بالسلب على شعبية السيسي في نهاية المطاف.أضف إلى ذلك قيام لجنة شئون الأحزاب برفض الطلبين المقدمين من كل من رئيس الأركان الأسبق سامي عنان وحركة “تمرد” المسئولة عن الإطاحة بمرسي لتشكيل أحزاب سياسية . هذا الرفض السياسي إذا وضع جنبًا إلى جنب مع الحكم ببراءة مبارك فإنه يؤشر بوضوح إلى أن الدولة في خلاف مع نفسها، الأمر الذي لا يبشر بالخير فيما يتعلق بقدرتها على احتواء اضطربات اجتماعية.

وبينما تتعامل السلطة مع خلافاتها الداخلية يجب أن تتأكد من منع أي ظروف تمهد لظهور تعاون عابر للأيدولوجيا، وبخاصة إذا تزامن مع نفاذ صبر العامة بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية. بعبارة أخرى فإن الحكومة تريد أن تعمق من خطوط الصدع بين الإسلاميين والعلمانيين وبين الجماعات الإسلامية وبعضها البعض من أجل منع نشوء تحالف «اللاعبين الديمقراطين مقابل اللاعبين الاستبداديين» وبخاصة قبل الانتخابات البرلمانية، وبعدها سيكون لدى السيسي هيئة تشريعية مقسمة يمكنه التعامل معها بسهولة، لكن بقاء التشرذم هو العملية التي لا يمكن السيطرة عليها من قبل أي حكومة استبدادية خاصة إذا كان التشرذم ذاته يسري في أوصال المعسكر الحاكم.

الخلاصة

عودة الاحتجاجات إلى مصر هو أحد علامات الاضطراب الكامنة بالنسبة لحكومة عبد الفتاح السيسي ذات الخلفية العسكرية، وبخاصة في الفترة التي تسبق الانتخابات البرلمانية في مارس 2013، وطالما أن القاهرة تستطيع المحافظة على الاستقطاب الأيدولوجي الحالي في البلاد فإنها لا تواجه تهديدًا كبيرًا.

تستفيد الحكومة من التوتر القائم بين الإسلاميين والعلمانيين وبين الحركات الإسلامية وبعضها البعض، ومع ذلك فإن تفتت المعسكر العلماني يحمل مخاطر إعادة تنظيم القوى المؤيدة للديمقراطية عبر تحالف عابر للأيدولوجيا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد