هذه ترجمة مقال لـ هبه صالح بعنوان “سلفيو مصر يخاطرون بمصداقيتهم بدعم النظام الجديد”، نشرته فاينانشيال تايمز بتاريخ 18 ديسمبر 2013.. مرَّت أربعة أشهر منذ ذلك الحين، وجرت مياهٌ كثيرة تحت الجسور، وأريقت دماء أكثر فوق أرض مصر، فهل تغيَّر المشهد؟

فور انتهاء صلاة الجمعة، انسابت صفوف المصلين من مسجد العزيز بالله في القاهرة إلى الشارع، والتهبت حناجرهم بالهتاف ضد الحكم العسكري، مرددين “يسقط يسقط حكم العسكر”، ملوحين بأصابعهم الأربعة، وهي الإشارة التي يروِّج لها الإخوان المسلمون تضامنًا مع المئات من أنصارهم الذين قتلتهم الشرطة التي أرسلتها الحكومة المدعومة من الجيش لتفريق اعتصام الإسلاميين الضخم في أغسطس.

يقع مسجد العزيز بالله السلفيّ في حي الزيتون الفقير، ويتردد عليه الإسلاميون المحافظون الطامحون إلى تطبيق الإسلام بمفهوم أكثر صفاء مما يتبناه الإخوان الواقعيون، لكن العديد من المصلين هنا غاضبون من “النور”، الحزب السلفي الرئيس؛ لأنه دعم الانقلاب الشعبي في يوليو، الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين. ويبدو أن موقف الحزب السياسي نفَّر شريحة من أنصاره السابقين، حيث يقول صلاح أبو عبد الرحمن، أحد المصلين في المسجد: “لقد خان حزب النور التيار لإسلامي بأكمله”.

قبل عامين تقريبًا فاجأ حزب النور المراقبين بفوزه في أول انتخابات برلمانية بعد الثورة- التي حلت المحكمة مجلسها قصير العمر- حصد “النور” ربع الأصوات، ليحل ثانيًا بعد حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين، وعلى عكس كوادر الإخوان الذين يخوضون غمار الانتخابات على مدى عقود، كان إنجاز “النور” الانتخابي أكثر إثارة للدهشة؛ لأنه جاء بعد أشهر قليلة من إنشائه عبر منظمة دينية غير رسمية مقرها الإسكندرية، تسمى “الدعوة السلفية”. لكن بعد منحه الدعم للإطاحة بالرئيس الإسلامي المنتخب هذا الصيف، وقبوله الضمني- على الأقل- بالقمع الوحشي في كثير من الأحيان ضد جماعة الإخوان المسلمين، يبدو أنه دخل مقامرة ضخمة بقاعدته الداعمة.

يقول محسن نبهان، رجل أعمال كان بين المصلين في المسجد:” أعطيت صوتي لصالح حزب النور في الماضي، لكني لن أفعل مرة أخرى”، مضيفًا: “أنتمي لأسرة إسلامية. هناك قرابة 300 فرد منا، لا أحد منهم سيصوت لصالح النور”. أيضًا خسر حزب “النور” دعم المدرس محمد سيد لأنه “اختار مسارًا بديلاً عن الذي اختاره الشعب”.

وخلُص استطلاع للرأي أجرته مؤسسة زغبي الأمريكية لخدمات البحوث في سبتمبر 2013، إلى انخفاض ثقة الجمهور في حزب النور إلى 10% من 29% في مايو، و22% في يوليو، لكن رئيس حزب النور يونس مخيون يختلف مع أولئك الذي يجادلون بأن حزبه أضرَّ بفرصه الانتخابية، قائلاً: “وَضَع النور “المصلحة العامة” فوق مصلحته الحزبية الضيقة، ويُقَدِّر الناس صنيعه”، وأضاف:” نحن لم نتملق مرسي لانتمائه للتيار الإسلامي… والإخوان المسلمون … هم السبب وراء تدخل الجيش في السياسة، نصحناهم مرارًا وتكرارًا، وقلنا: إننا نخشى أن يتدخل الجيش، لكنهم منحوهم الفرصة (بسوء إدارتهم)”.

وبعدما أصرَّ الحزب الذي يعتبر نفسه مدافعًا عنيدًا عن هوية مصر الإسلامية، على إدخال الصبغة الدينية بكثافة إلى دستور 2012 المكتوب خلال حكم الإخوان القصير، معتزمًا تمهيد الطريق لتنفيذ أكثر صرامة للشريعة، انحنى أمام الواقع الجديد بعد الإطاحة بمرسي، ورضي بمقعد واحد في لجنة كتابة الدستور. و(حثَّ) قادته أنصارهم على التصويت بـ”نعم” في الاستفتاء على الدستور الجديد، الذي مُيِّعت فيه الأحكام الإسلامية مقارنة بوثيقة العام 2012، لكن السيد مخيون يقول : “إن  الدستور يحافظ على الهوية والشريعة الإسلامية. ولا يوجد فيه ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية، ولا يسمح بإصدار تشريع يتصادم مع أحكام الإسلام”.

ومع تهميش الإخوان المسلمين، هناك القليل من اليقين حول كيفية تصويت دائرة الإسلاميين الانتخابية حينما تُعقد الانتخابات البرلمانية القادمة، في ظل خشية بعض المراقبين من أن تأتي زيادة قمع الإخوان بنتائج عكسية، تدمر مصداقيتها. ومع ذلك، يرى المحللون أن حزب النور لا ينبغي أن يسقط من الحسابات، حيث يقول ستيفان لاكروا، الأستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس، والخبير في شئون السلفيين: “أعتقد أن بإمكانهم استعادة قوتهم”، مشيرًا إلى أن مجتمع الدعوة السلفية لديه بنية تحتية، ما يزال بإمكانها الحشد للتصويت.

ويعتبر إبقاء حزب النور على متن السفينة هدفًا هامٍّا للسلطات المصرية المدعومة من الجيش. كما أن تأييد السلفيين “للنظام السياسي الجديد ضروري (لتحسين) الصورة الشاملة بعد قمع الإخوان”، لذلك بُذِلت جهود لاستيعاب بعض مطالب “النور”، وأُدخِلِت تغييرات على الدستور في اللحظة الأخيرة تتعلق بمصطلحات أصرّ على الاعتراض عليها. ويضيف السيد لاكروا: “إستراتيجية السلفيين أكثر توافقًا مع الدولة، فهم لا يريدون أن يحكموا، بل أن يكون لديهم وجود ديني في البرلمان.. إنهم يريدون مجالاً دينيٍّا في مقابل بعض التصوف السياسي”.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد