“أنا بطلب من المصريين طلب.. يوم الجمعة الجاية.. يوم الجمعة الجاية.. لابد من نزول كل المصريين.. الشرفاء الأمناء.. ينزلوا ليه؟؟ ينزلوا عشان يدوني تفويض وأمر بإني أواجه العنف والإرهاب المحتمل”.


“فوضناك” هكذا أجابت العناوين الرئيسية الصحف المصرية – بلونها الأحمر المميز للعناوين المانشيت – على التفويض الذي طلبه الفريق عبد الفتاح السيسي آنذاك يوم 26 يوليو 2013، في اتساق واضح بين ما يطلبه نظام ما بعد 3 يوليو واتجاه الصحافة المصرية الخاصة والحكومية، وهو ما تكرر كثيرًا بعد بيان القوات المسلحة في الثالث من يوليو، فعندما اتجهت الحكومة لفض اعتصامي معارضي النظام في رابعة العدوية وميدان النهضة، عنوَنت الصحف “ساعة الصفر”، والواقعة الأقرب في هذا الصدد هو عنوان “مصر تستيقظ” الذي احتل الصفحات الرئيسية للصحف المصرية، عقب المؤتمر الاقتصادي تماشيا مع تصريحات الدولة الرسمية.

 

وبشكل مفاجئ وبعد أسابيع قليلة من المؤتمر الاقتصادي، ظهر عدولٌ عن هذا الاتساق بين الصحافة والنظام، في عدد من الصحف المصرية الخاصة والحكومية من خلال عدة تقارير وعناوين معارضة للنظام بشكل مباشر، نرصد في هذا التقرير أهم الوقائع التي خرجت فيها الصحافة المصرية عن “النص” الذي اعتاد القراء أن يروها عليه.

 

1- الدستور تبدأ بالتغريد خارج السرب

“تحرش الضباط بالفتيات.. والاعتداءات بالألفاظ الخارجة على المواطنين أصبح أمرا معتادا في معظم الأكمنة المرورية.. سوء المعاملة وتقاضي الرشوة السمة الأبرز في الكمائن”.


هكذا عنونت جريدة الدستور في 10 أبريل 2015 فيما وصفتها 
حملة للجريدة ضد تجاوزات الداخلية، لم يكد التقرير يمكث يومين على صفحات الجريدة، حتى اعتقلت قوات الشرطة كاتبه في 12 أبريل الجاري. وهذه كانت البداية.

2- بعد أكثر من 20 شهرًا من بيان 3 يوليو 2013.. المصري اليوم تكتشف “ثقوبا” بـ”البدلة الميري”

“يظن بعض الضباط (بدبورة ونسر وكاب) أن مخالفة عابرة أو غطرسة واحدة لن تضر، دون أن يدري أن زملاء غيره يفعلون مثله، وجميعهم، دون وعي أو عقل، يعيدون بناء الجدار العازل بين الشعب والسلطة… لن ينحني المواطن خوفًا من الشرطة مجددًا، ولن يغفر لها رفض خدمة الشعب، ولن يقبل أن تعود الشوارع مجددًا مسرحًا للملاحقات الأمنية والتجبر والتعالي من جانب رجال «الداخلية»، ولن يبالي بالانفجار القادم إذا استمرت فى سياستها”.

في 19 أبريل 2015 نشرت جريدة المصري اليوم تقريرا تحت عنوان “الشرطة شهداء وخطايا.. ثقوب في «البدلة الميري»”، وحوى تلك العبارات التي تحمل تصعيدا نسبيا في لهجتها ضد وزارة الداخلية المصرية، وأبرز ما تحدث عنه التقرير هو “5 قضايا هزت عرش الداخلية“على حد وصف البيان، نتج عن تلك القضايا الخمس، مقتل 3 مواطنين على يد الشرطة “شيماء الصباغ، المحامي كريم حمدي، شاب إخواني” بالإضافة إلى اغتصاب فتاة في سيارة النجدة، ومقتل مجند على يد ضابط.

وانتقد التقرير أيضًا ممارسات نسبها للداخلية من “نصب وسرقة ورشوة واغتصاب وخطف”، وعلى الجانب الآخر رصد التقرير وقائع الاعتداء على أفراد الأمن وعدد الضحايا وملابسات الأحداث بقصص خبرية إنسانية. ولكن هذا لم يَحُلْ دون أن يُحال 4 صحفيين ورئيس التحرير إلى التحقيق بنيابة أمن الدولة العليا قبل أن يخرجوا بكفالة 5 آلاف جنيه، بعدما أثار الملف ضجة واسعة وقدمت “الداخلية” على أثره بلاغا ضد الجريدة، تتحفظ فيه الوزارة على ما تضمنته الصحيفة من “تناولات غير مهنية قبل وزارة الداخلية، وتؤكد على أنها ستتخذ الإجراءات القانونية قبل تلك التناولات” بحسب وصف البيان.

3- الصحافة الرسمية تسخر من “الداخلية”

لم يكد يمر أسبوع واحد على ملف جريدة “المصري اليوم”، حتى نشر موقع الأهرام “الحكومي” تقريرًا ينتقد فيه ممارسات وزارة الداخلية داخل السجون وأماكن الاحتجاز تحت عنوان: “في أقسام الشرطة: من لم يمت بالتعذيب.. مات بالاختناق” بلغة لم تخلُ من الاستنكار وعلامات التعجب وعبارات السخرية، من تردي أوضاع المسجونين داخل قسم “مصر القديمة” بناء على تقرير النيابة العامة، مما أودى بحياة مسجونين.

وبدأ التقرير هكذا:

“اسودت الدنيا أمام أعيننا وباتت الحياة أمامنا أضيق من ثقب الإبرة، وأضحى الإنسان من أرخص وأبخس المخلوقات وخاصة داخل أقسام الشرطة، فمن لم يمت بداخلها بالقهر والتعذيب يمت بالاختناق أو بمرض معد”.

وانتهى بهذه العبارة:

“والسؤال الذي نطرحه لمسئولي الوزارة العريقة متى سيرتفع سعر المواطن لديكم، وللعلم المتهم بريء حتى تثبت إدانته”.

 

4- البوابة نيوز .. و”الممنوع من العرض”

“استكمالا لمسلسل تعذيب الشرطة للمواطنين داخل وخارج السجون، رصدت كاميرا “البوابة نيوز”، مجموعة من رجال الشرطة يعتدون على أحد المواطنين بصورة همجية أعلى محور 26 يوليو”.

البوابة نيوز ذلك الموقع الذي يرأس مجلس إدارته، الصحافي عبد الرحيم علي – المعروف بتأييده للأجهزة الأمنية المصرية – نشر هذه العبارات – في اليوم التالي لتقرير الأهرام – التي اعتبرت تعذيب الشرطة للمواطنين داخل وخارج السجون مسلسلا متواصلا لا يكاد ينتهي حتى “يُستكمل”، وتحدث عن همجية الشرطة وسحلها للمواطن بالرغم من أن الفيديو لم يظهر “سحلا” للمواطن.
ولكن سرعان ما حذفت العبارة الأولى في مقدمة الخبر، لتمنعها بشكل “مريب” من العرض. العبارة المحذوفة التي أظهرها بحث “جوجل” بعدما اختفت من الموقع:

وهذا هو الفيديو الذي لا يظهر “سحلا”:

5-حوادث كبرى خارج الحسبان

 

“كانت تلك أسوأ واقعة قتل جماعي غير مشروع يشهدها تاريخ مصر الحديث”.

هكذا وصفت منظمة العفو الدولية واقعة فض اعتصامي معارضي النظام في رابعة والنهضة ليسقط ما لا يقل عن 1000 قتيل على يد قوات الجيش والشرطة، وفقًا لتصريحات حازم الببلاوي رئيس الوزراء آنذاك، والواقعة على “دمويتها” خرجت من حسبان تقارير الصحف المصرية، هي وعدد من الوقائع التي خلفت مئات القتلى وآلاف المصابين منذ بيان 3 يوليو، تستطيع أن تطلع على تفاصيل أكثر لهم من هذا التقرير:

الأيام الأكثر دموية بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة
وحول أعداد المعتقلين وأماكن الاحتجاز، تجاهلت التقارير أيضا المعتقلين السياسيين التي قدرتهم العفو الدولية بـ”40″ ألف معتقل، ولم تتطرق التقارير إلى التقرير الذي أصدره المرصد المصري للحقوق والحريات في ديسمبر الماضي، الذي جاء تحت عنوان “المقابر الرسمية” في إشارة إلى أماكن الاحتجاز من سجون وأقسام ومحاكم ونيابات، والذي كشف عن مقتل 212 معتقلا ومحتجزًا في أماكن الاحتجاز جراء التعذيب والإهمال الطبي المتعمد وسوء الأوضاع وانتشار الأمراض وعدم وجود تهوية في تلك الأماكن منذ ال30 من يونيو 2013  بينهم 83 حالة قتلوا منذ أن تولى “السيسي” منصب الرئاسة رسميا حتى تاريخ إصدار البيان، لمزيد من التفاصيل في هذا الصدد من هنا.

إذًا أهلمت”تقارير الصحافة المصرية” كل هذه الانتهاكات والأرقام، ليكون حصيلة ما ركزت عليه تقارير الصحف المصرية – في انتقادها للداخلية – 6 قتلى بينهم 3 قُتلوا تحت التعذيب على يد قوات الشرطة.

 

 

6- هل كان تصعيد الصحف المصرية ضد “الداخلية” بالصدفة؟

يرى البعض أن التصعيد الإعلامي قد يبتعد عن كونه صدفة، بسبب أنه جاء بشكل مفاجئ فلم يسبقه مباشرة حادثة ضخمة تدين الداخلية، كما أن زمن التقارير كان متقاربًا في أسبوعين تقريبا، كما أن تجاهل حوادث سياسية مرتبطة بالداخلية أشد خطرا من الحوادث المذكورة كان الطاغي على تلك التقارير، بالإضافة إلى تجاهل ثقوب “البدلة” الميري المموهة المعبرة عن الجيش، ويتجه أصحاب ذلك الرأي إلى أن ذلك التصعيد كان “شكليا” للتنفيس حتى لا ينفجر الناس كبتًا.

فيما يراه آخرون صراعًا حقيقيًا بين أجهزة الدولة الإعلامية والأمنية ناتجة عن خلافات حول مفهوم “حرية التعبير”، وخصوصا عند ربطه باعتقال صحفي جريدة الدستور وإحالة صحفيي المصري اليوم إلى نيابة أمن الدولة العليا.

ويتجه رأي ثالث إلى أن التقارير تجاهلت ثقوب “البدلة” الميري المموهة المعبرة عن الجيش، للتركيز على بعض أخطاء الشرطة، ويظل “الجيش” خطًا أحمر. واتجه البعض إلى أن ماحدث قد يمسي تمهيدًا لقرار أو حدث ما في المستقبل القريب. تختلف الآراء ولعل الأيام هي الأقدر على إعطائنا الجواب الشافي على ذلك السؤال.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد