يتعلم الأطفال اللغة فطريًّا، فيولد الطفل ولديه قدرة على إصدار 150 صوتًا يستطيع أن يطورها خلال السنوات الثلاث الأولى من عمره من أصوات إلى مقاطع صوتية، ثم إلى كلمات، وأخيرًا إلى جمل ذات تراكيب لغوية بسيطة. فيبدأ الطفل الطبيعى نطق أولى كلماته عند عمر سنة، وأحيانًا قد يطور بعض الأطفال مهارات النطق والكلام في وقت أقل؛ فيبدأ الطفل عملية الكلام عند عمر تسعة أشهر علامةً على الموهبة والذكاء، لكن ماذا إذا عانى الطفل من التأخر اللغوي، ونطق أولى كلماته عند عمر الخامسة فهل هذا يدل على افتقاره إلى الموهبة والذكاء؟

يعتقد الكثير من الآباء أن التأخر اللغوي لأبنائهم مؤشر على تأخر مهارات الطفل المختلفة وقدراته الأكاديمية في المستقبل؛ لكن في الحقيقة لا يعني غياب اللغة دائمًا أن الطفل ليس موهوبًا.

ففي عام 1997 أصدر الاقتصادي الأمريكي توماس سويل  كتابًا بعنوان «التأخر اللغوي عند الأطفال» يناقش فيه حالات التأخر اللغوي المختلفة عند الأطفال، وأشار إلى فئة من الأطفال تتميز بتفوقها في الجوانب الأكاديمية والمهارات والفنون المختلفة على الرغم من تدني مهارات اللغة المنطوقة لديهم، وأطلق عليهم اسم أطفال «متلازمة أينشتاين».

ما هي متلازمة أينشتاين؟

تعرف متلازمة أينشتاين بأنها قدرة الطفل على تطوير مهارات التحليل والتفكير الإبداعي والتواصل لكن فى ظل غياب أو تأخر الكلام حتى سن خمس سنوات، ثم يبدأ الطفل بعدها في التحدث بدون مشكلات لغوية.

جرى تسمية هذه المتلازمة على اسم عالم الفيزياء ألبرت أينشتاين، الذي كان يعاني من التأخر اللغوي حتى عامه الخامس، على الرغم من تفوقه وذكائه الحاد.

لكن.. هل يمكن اعتبار متلازمة أينشتاين تشخيصًا طبيًّا؟

على الرغم من عدم إدراج متلازمة أينشتاين بوصفها تشخيصًا واضحًا ومحددًا في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية؛ فإنها لاقت رواجًا كبيرًا لأنها قدمت تفسيرًا لحالة الأطفال الموهوبين المتأخرين لغويًّا.

Embed from Getty Images

طفل يعاني من تأخر لغوي 

ففى عام 2001 أصدر البروفيسور توماس سويل بجامعة ستانفورد الأمريكية كتاب «متلازمة أينشتاين» وناقش فيه نتائج دراستين عن الأطفال المتأخرين لغويًّا حتى سن الخامسة.

شملت الدراسة الأولى عينة من 46 طفلًا والتي أجراها بنفسه، بينما شملت الدراسة الأخرى عينة من 239 طفلًا أجراها دكتور ستيفن كاماراتا أستاذ السمعيات والتخاطب بجامعة فاندربيلت.

أظهرت النتائج أن الأطفال محل الدراسة، على الرغم من تأخرهم اللغوي فإنهم يتمتعون بمستوى عالٍ من القدرات التحليلية، وحل الألغاز، وألعاب الكمبيوتر، بالإضافة إلى قدرتهم الجيدة على التذكر وتفوقهم في الفنون المختلفة كالموسيقى والرسم.

في عام 2002 أجرى دكتور ستيفن أبحاثًا موسعة ومتخصصة في علاج اضطرابات النطق واللغة لدى الأطفال، بما في ذلك التوحد، ومتلازمة داون، والاضطراب الصوتي، واضطراب اللغة، وأبرز الفارق بين هذه الاضطرابات وبين التأخر اللغوي، وأشار إلى ضرورة إعادة النظر في تشخيص حالات التأخر اللغوي والتقييم الكامل قبل التشخيص حتى لا يتم الخلط بينها وبين حالات التوحد والاضطرابات اللغوية الأخرى.

والكلام يختلف عن اللغة!

في البداية لا بد من معرفة الفرق بين الكلام واللغة، فالكلام هو الإنتاج اللفظي للغة، في حين أن اللغة هي الوسيلة التي تستخدم للتعبير عن الأفكار والمشاعر وتشمل «اللغة الاستقبالية» وهي القدرة على فهم الكلمات ومعالجة المعلومات السمعية والرموز التي يتلقاها الطفل، و تشمل أيضًا «اللغة التعبيرية» التي تعني الطريقة التي يعبر بها الطفل عما يدور في عقله وعن احتياجاته ورغباته، والتي يعتقد خطأً أنها اللغة المنطوقة فقط؛ لكنها تتضمن أيضًا تعبيرات الوجه، والإيماءات، ولغة الاشارة.

ما الفرق بين التأخر اللغوي والاضطراب اللغوي؟

سلطت متلازمة أينشتاين الضوء على الفرق بين التأخر اللغوي والاضطراب اللغوي، خاصة وأن الخلط بين المفهومين يؤدي إلى سلسلة من التشخيصات الخاطئة التي تضر بالطفل في نهاية الأمر.

فيشير مصطلح التأخر اللغوي إلى الطفل الذي يطور مهارات اللغة بشكل طبيعي لكنه يطور مهارات الكلام بمعدل أقل من الطفل الطبيعي، فيبدأ في إنتاج الكلام أو اللغة المنطوقة متأخرًا عن أقرانه المتطورين.

بينما يشير مصطلح الاضطراب اللغوي إلى الطفل الذي يعاني من مشكلات في تطور اللغة، سواء اللغة التعبيرية أو اللغة الاستقبالية.

Embed from Getty Images

تدريب طفلة على معرفة صوت الحروف ومخارج الحروف

في كثير من الأحيان يكون السبب وراء التأخر اللغوي غير معروف أو يرجع للحرمان البيئي الذي يعيشه الطفل في البيئة التي ينمو وينشأ فيها، والتي لا تساعده على تطوير مهارات الكلام لديه، بينما يمكن تفسير الاضطرابات اللغوية وفقًا لعدة احتمالات منها الوراثة، أو مشكلات في السمع كضعف السمع أو الصمم، أو تلف الجهاز العصبي المركزي، أو قد يكون الاضطراب اللغوي مصاحبًا لبعض الإعاقات أو الاضطرابات الأخرى، كمتلازمة داون، أو اضطراب التوحد وغيرهم.

كيف يجري تشخيص اضطرابات اللغة عند الطفل؟

تعلم اللغة هو أمر طبيعي وفطري، إذ يولد الأطفال ولديهم القدرة على تطوير اللغة وإنتاج الكلام. تمر مرحلة تطور اللغة بثلاث مراحل مختلفة، فيبدأ الطفل بتعلم الأصوات في هذه المرحلة، ويطور الطفل ما يسمى بالوعي الصوتي، وهو القدرة على التعرف إلى الأصوات وإصدارها، ثم ينتقل إلى مرحلة تكوين الكلمات بإضافة المقاطع الصوتية المختلفة إلى بعضها لينتج كلمة، ثم تأتى المرحلة الأخيرة فيضع الطفل الكلمات في ترتيب صحيح ومفهوم ليكون الجملة.

في حالات التأخر اللغوي أو اضطراب اللغة لا يمر الطفل بتلك المراحل، ويمكنك بصفتك أحد الوالدين ملاحظة ذلك بوضوح، ولا بد من تشخيص طبي دقيق يحدد حالة طفلك من قبل طبيب السمعيات والتخاطب، وعادة سيطلب منك الطبيب المعالج إجراء مجموعة من الاختبارات كاختبار الذكاء واختبار السمع، كما سيجري تقييم الطفل بناء على قدراته على الاستجابة إلى الإيماءات والإشارات والصور.

وكيف تُعالج اضطرابات اللغة عند الطفل؟

سيقوم طبيب السمعيات والتخاطب بعد التشخيص الدقيق لحالة الطفل بعمل برنامج علاجى يتوافق مع سن الطفل وحالته باستخدام الألعاب التعليمية والكتب المصورة، وأحيانًا بعمل تدليك لعضلات الفم واللسان والبلع وتقويتها؛ حتى يساعد الطفل على تقوية مخارج الحروف المختلفة وإصدار الأصوات.

Embed from Getty Images

طفل أثناء جلسة تخاطب

إذن.. كيف تساعد طفلك الذي يعاني من التأخر اللغوي؟

يعاني الأطفال المتأخرون لغويًّا بسبب عدم قدرتهم على التواصل مع المحيطين بهم، الأمر الذي يدفعهم في بعض الأحيان إلى إساءة التصرف، والانطوائية، وعدم الرغبة في ممارسة أي أنشطة اجتماعية حتى مع أقرانهم. فخلال رحلة البحث عن الكلام يحتاج الطفل إلى الكثير من الدعم من قبل الأهل؛ حتى يستطيع أن يجتاز هذه المرحلة بسلام دون أى أضرار نفسية. تاليًا بعض النصائح التي قد تساعدك على دعم طفلك:

1. مهما حدث لا تخبره بأنك لا تفهمه

يبني الأطفال صورتهم الذهنية عن أنفسهم عن طريق والديهم، فمهما حدث لا تخبر طفلك بأنك لا تفهمه. حاول أن تجد طريقة للتواصل معه عن طريق الإشارات أو الإيماءات. كرر على مسامعه دائمًا أنك تفهمه وقادر على التواصل معه، هذا الأمر يزيد من ثقته في قدراته على إنتاج اللغة المنطوقة والتعبير عن نفسه دون قلق أو توتر.

 2. اخلق له لغته الخاصة

معظم الأطفال الذين يعانون من التأخر اللغوي يعانون من الانطوائية والعزلة الاجتماعية. أخرج طفلك من هذه العزلة، وساعده على خلق لغة يتواصل بها مع الآخرين.

Embed from Getty Images

عادة ما تكون الأنشطة المنظمة كالرسم والموسيقى والفنون والرياضة، هي الاختيار الأمثل لخلق مساحات من التواصل مع الطفل ومن حوله وإكسابه مزيدًا من الثقة.

3. تحدث مع طفلك

ركز على التواصل مع طفلك، تحدث معه وغنِّ له أغنيات ذات كلمات بمقاطع صوتية بسيطة ومتقاربه ومنغمة، يمكنك أيضًا تشجيعه على تقليد الأصوات والإيماءات.

اقرأ له وساعده على تسمية الصور، واستغل المواقف اليومية البسيطة في تعليمه المزيد من الكلمات والأصوات.

4. ابحث عن القوة بداخله

يتميز الأطفال المتأخرون لغويًّا بأنهم يمتلكون مهارات تحليليه ونقديه، بالإضافة إلى ذاكرة أقوى من أقرانهم، فساعدهم على اكتشاف تلك المهارات بداخلهم وحدثهم عنها. اجعل طفلك يرى نقاط قوته ولا يلتفت إلى نقاط ضعفه؛ حتى يستطيع أن ينطلق إلى العالم من قاعدة صلبة.

5. لا تخجل منه أبدًا

تعتمد الكثير من البرامج العلاجية للأطفال الذين يعانون من التأخر اللغوي على أسلوب الدمج؛ إذ يُدمج الطفل المتأخر لغويًّا مع الأطفال المتطورين، الأمر الذي يساعده على اكتساب وتطوير مهارات التواصل والكلام بشكل طبيعي في وقتٍ أقل. لذا ساعد طفلك على الاختلاط بالأطفال المحيطين به ولا تخجل منه؛ فدمج الطفل مع أقرانه لا يساعد فقط على تطوير الكلام؛ لكنه مفيد أيضًا لتنمية مهاراته الاجتماعية والعاطفية والأكاديمية.

تربية

منذ شهر
مهارة أم إعاقة نمو؟ ما معنى أن يكون طفلك مُصابًا بفرط القراءة و6 نصائح لمساعدته

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد