من منا لا يعرف – أو على الأقل سمع – العالم الأمريكي من أصول ألمانية الشهير، ألبرت أينشتاين؟ ربما أقل القليل، وذلك بسبب نظريته النسبية التي كانت أحد أعظم ما أنتجه العقل البشري في القرن العشرين في مجال فيزياء وعلوم الفضاء والجاذبية. لكن النسبية لم تكن اختراعه الكبير الوحيد، بل حتى فوزه بجائزة نوبل لم يكن نتيجة للنظرية النسبية.

قبل قرن من الزمان تقريبًا، قلب ألبرت أينشتاين المجتمع العلمي رأسًا على عقب بعد اكتشافه «التأثير الكهروضوئي»، والذي أثبت من خلاله أن الضوء عبارة عن جسيم وموجة، وليس موجة فقط كما كان المجتمع العلمي يظن وقتها. حصل أينشتاين على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1921 نتيجة لهذا الاكتشاف المهم. بعد ذلك، ساهم أينشتاين في النظريات المتعلقة بالاندماج والانشطار النووي، مما مهد الطريق لاختراع وتفجير الأسلحة النووية والتحكم في الطاقة النووية.

فتحت الطاقة النووية الباب على مصراعيه لاكتشاف العديد من العناصر الجديدة التي لم تكن معروفة سابقًا. اكتشف العلماء أحد العناصر المدهشة التي لم تكن معروفة من قبل للعلم في الحطام الكيميائي لأحد الانفجارات النووية التي وقعت قبل 69 عامًا. كان من المناسب في رأي العلماء آنذاك، إطلاق اسم أينشتاين على ما وجدوه، فأضافوا عنصر «أينشتينيوم» إلى الجدول الدوري.

الآن، وبعد 100 عام من فوز أينشتاين بجائزة نوبل، تمكن الكيميائيون أخيرًا من النظر في السلوك الكيميائي لهذا العنصر المراوغ عالي النشاط الإشعاعي، والذي صعب على العلماء دراسته باستمرار خلال السنوات الماضية لتحلله السريع. هذا الأمر يمكن أن يساعد على توسيع فهمنا للجدول الدوري بما في ذلك العناصر التي لم تجر إضافتها إليه بعد.

فما قصة هذا العنصر؟ وما الذي اكتشفه العلماء بشأنه؟ وما أهمية هذا الاكتشاف؟ وما دور أينشتاين في هذا كله؟

قصة عنصر «أينشتينيوم»

أينشتينيوم (Es) هو العنصر رقم 99 في الجدول الدوري. اكتشف لأول مرة في عام 1952، عندما فجرت عبوة نووية حرارية أطلق عليها اسم «Ivy Mike» في جزيرة Elugelab في المحيط الهادئ (الآن هي جزء من جزر مارشال). كان تفجير Ivy Mike أول عرض حي لتفجير قنبلة هيدروجينية في التاريخ. ينتج من مثل هذا الانفجار طاقة أكبر بأربعة أضعاف من الطاقة التي تنتجها القنابل الانشطارية النووية (مثل تلك التي أُلقيت على اليابان عام 1945).

وسط الحطام الكيميائي لهذا الانفجار، عثر العلماء على العنصر ذي الرقم الذري 99 لأول مرة. اكتشف العلماء آنذاك حوالي 200 ذرة فقط من هذا العنصر وسط بقايا الانفجار، وهو ما يدل على مدى ندرته. بعد ذلك، استغرق العلماء تسع سنوات من العمل الشاق حتى يتمكنوا من تصنيع عنصر «أينشتينيوم» في المختبر، وهو ما حققوه في عام 1961.

في البداية، اقترح العلماء تسمية هذا العنصر باسم «pandemonium»، وذلك لأن فريق مشروع تفجير قنبلة Ivy Mike الهيدروجينية كان يعمل تحت الاسم المختصر «PANDA». لكن في النهاية قرروا تكريم العالم الذي وضع حجر الزاوية لتصنيع القنابل النووية، ألبرت أينشتاين.

تعامل صعب.. حرارة وإشعاع مرتفعان

لكن، إذا كان العلماء تمكنوا من تصنيع هذا العنصر في المختبر بالفعل، فلماذا ذكرنا أنهم لم يتمكنوا من دراسة هذا العنصر عن كثب، والتعرف إلى الكثير من سلوكه سوى الآن، بعد قرابة 70 عامًا من اكتشافه؟ السبب بسيط، طاقته العالية وإشعاعاته المميتة. فهذا العنصر الذي ولد في انفجار نووي حراري، من الصعب للغاية عمل التجارب عليه بسبب نشاطه الإشعاعي الشديد. الأمر هنا لا يقتصر على أنه يصدر أشعة جاما الضارة، بل إن العنصر نفسه ساخن جدًّا لدرجة يصعب التعامل معه حرفيًّا.

جرام واحد من الآينشتينيوم ينتج ألف واط من الطاقة، لذا فإن العمل مع العنصر يتطلب من الباحثين ارتداء معدات واقية في جميع الأوقات. علاوة على ذلك، فإن الشكل الأكثر شيوعًا لأينشتينيوم (يُسمى Es-253، استنادًا إلى عدد النيوترونات في نواة الذرة) له عمر نصف يبلغ 20 يومًا فقط. هذا يعني أنه بعد 20 يومًا، تتحلل ذرات أينشتينيوم بمقدار النصف. بعد شهرين تقريبًا، تختفي عمليًّا الكميات الضئيلة من العنصر التي يستطيع العلماء التعامل معها.

لذلك فلا عجب أن استغرق الأمر 70 عامًا تقريبًا حتى تمكن العلماء من التعامل مع هذا العنصر. الآن، تمكن فريق أمريكي من التعامل مع ما يكفي من «أينشتينيوم» لإجراء بعض الاختبارات الأساسية على العنصر، وهو ما فتح آفاقًا جديدة في الكيمياء التجريبية والعلوم الأساسية.

شرح الباحثون في ورقتهم البحثية كيف تمكنوا من استخدام 200 نانوجرام فقط من Es-254 (وهو شكل آخر نادر من الآينشتينيوم بعمر نصف يبلغ 275.5 أيام) لإجراء تجاربهم. فترة عمر النصف الطويلة هذه هي ما مكنهم من التعامل معه ودراسته. لكن في الوقت ذاته هذا الشكل من أشكال العنصر نادر أيضًا لدرجة دراسة العلماء لكمية ضئيلة جدًّا جدًّا منه. فالنانوجرام هو واحد من المليار من الجرام، لذلك أجريت هذه التجارب على نطاق صغير للغاية.

ما الذي نعرفه عن «أينشتينيوم»؟

تمكن الفريق البحثي من تصنيع مركب كيميائي يتضمن في تركيبه عنصر «أينشتينيوم» من أجل دراسة كيفية تفاعله مع العناصر الأخرى في هذا المركب (فكرة حاجتنا لدراسة الصوديوم نفسها مثًلا، فنقوم بأخذ كلوريد الصوديوم أو ملح الطعام واستخدامه في التجارب).

كان أحد أبرز ما اكتشفه العلماء هو المسافة بين الروابط بين ذرات أينشتينيوم والذرات الأخرى المحيطة به، مثل الكربون والأكسجين والنيتروجين. معرفة هذا الأمر يجعل العلماء يتنبؤون بشكل المركبات الأخرى لهذا العنصر. تمكن العلماء أيضًا من قياس حالة التكافؤ لأينشتينيوم، ويقصد بها مقدار الشحنة الموجودة على الذرة. تتحكم شحنة الذرة في عدد الذرات الأخرى التي يمكن أن ترتبط بها.

علوم

منذ 3 شهور
5 إخفاقات علمية تثبت لك أن الفشل لا علاقة له بمعدل الذكاء

هذا الأمر له أهمية أساسية في الكيمياء، حيث تحدد شكل وحجم اللبنات الأساسية التي يتكون منها الكون. خصوصًا وأن أينشتينيوم يقع في موضع غامض في الجدول الدوري، فيما يتعلق بأرقام التكافؤ، لذا فإن تحديد رقم التكافؤ له يساعدنا على فهم المزيد حول كيفية تنظيم الجدول الدوري نفسه.

يعد أينشتينيوم حاليًا أثقل عنصر كيميائي أمكن فحصه بهذه الطريقة. التحدي الذي يواجه الكيميائيين المستقبليين هو محاولة تصنيع عناصر أثقل بكميات قابلة للقياس، وكشف المزيد عن المواد الكيميائية التي يتكون منها عالمنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد