بعدما أعلن الـ«يوتيوبر» المصري أحمد الغندور، يوم السبت الماضي 12 يونيو (حزيران) 2021، موعدًا لعرض الحلقة الأولى من الموسم الجديد لبرنامج «الدحيح»، كان جميع متابعيه ينتظرون ظهوره بشغفٍ بعدما اختفى لأكثر من عام، عقب عرض خمس حلقات من برنامج «متحف الدحيح» على منصة «شاهد»، إلا أنهم فوجئوا بعودته متعاونًا مع أكاديمية الإعلام الجديد الإماراتية «نيو ميديا أكاديمي»، المُتهمة بالتطبيع مع إسرائيل.

دشن ناشطو مواقع التواصل الاجتماعي وسم «#قاطعوا_الدحيح» – الذي أصبح من أكثر الوسوم تداولًا خلال الـ48 ساعة الأخيرة – لمقاطعة البرنامج طوال فترة عرضه على «نيو ميديا»، وذلك بعد مهاجمة الغندور بسبب التعاون مع المنصة الإماراتية التي أدانت اللجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة (BDS) أنشطتها؛ بوصفها تتواطأ مع الجهود الإسرائيلية للتطبيع وتلميع جرائم إسرائيل، فما الذي نعرفه عن منصة «نيو ميديا أكاديمي» الإماراتية؟ وما حقيقة اتهام الغندور وبرنامجه «الدحيح» بالتطبيع مع إسرائيل؟

علامات استفهام حول منصة «نيو ميديا» الإماراتية

جاءت الحلقة الأولى من برنامج الدحيح بعنوان «الملل»، وتناولت معنى «السجن» في مفهومه الشامل، وقد أخذ بعض المعلقين على الغندور في البداية عدم التطرق لأي سجين عربي أو فلسطيني؛ إذ أشيع أن الحلقة تدور حول مآسي السجناء. لكن الحقيقة أن محتوى الحلقة لم يتناول حياة السجناء كما أشيع، إلا من خلال أمثلة صغيرة تمهد لشرح الشعور بـ«الحبس»، ليتوسع فيما بعد ليشمل السجن داخل الجسد بالأمراض التي يعجز فيها المرضى عن تحريك أجسادهم، أو سجن المخ بصفته عضوًا وحيدًا داخل الجمجمة.

ولكن في الواقع، لم يكن محتوى الحلقة هو السبب وراء تدشين حملة المقاطعة، بل كانت عودة الغندور من خلال منصة «نيو ميديا أكاديمي» بكل ما تحمله من إشارات استفهام حول أنشطتها، وما يدور حولها من اتهامات بالتطبيع مع إسرائيل.

في يونيو 2020، افتتح الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي «أكاديمية الإعلام الجديد»، والتي تعد هي الأولى من نوعها في الشرق الأوسط؛ إذ تتعاقد مع أشهر صانعي المحتوى لعرض ما يقدمونه من برامج، كما تتيح فرصًا تدريبية من أجل تخريج كوادر إعلامية مواكبة للتطور في هذا المجال، بحسب ما أعلنت عن نفسها.

رغم ذلك، جاءت الكواليس الخاصة بنشأة أكاديمية الإعلام تربط اسمها بفتح نافذة إعلامية ترحب بالتطبيع مع إسرائيل، بدايةً من افتتاحها بالتزامن مع اتفاقية التطبيع الإماراتية مع إسرائيل، واتهامها باستهداف المؤثرين من جنسياتٍ مختلفة لإدارة حساباتهم ومتابعة المحتوى الذي يقدمونه بما يتماشى مع أهدافها، وصولًا إلى تمويل المحتوى التطبيعي والترويج له.

«ناس ديلي».. الحقيقة وراء دعوة «BDS» لمقاطعة المنصة الإماراتية

كانت المنصة الإماراتية تمثل للجمهور العربي قوة الإعلام الناعم لتمرير أفكار الاحتلال الإسرائيلي وتلميع جرائم إسرائيل، خاصةً مع الاتهامات التي لاحقتها بشأن اختراق وعي الشعوب العربية واستعمار العقول من أجل تصفية القضية الفلسطينية، وذلك بالترويج للمحتوى التطبيعي بعدما عقدت اتفاقية شراكة مؤقتة مع برنامج «ناس ديلي»، بحسب «بي دي إس».

هذا البرنامج الذي يديره شاب يدعى نصير ياسين، ويعده البعض دُمية لـ«تلميع» جرائم الاحتلال، بحسب ما جاء في تقرير «متراس»، يهدف إلى تدريب 80 من صانعي المحتوى العربي، من خلال «أكاديمية ناس»، والتي تضم بين أعضائها في الإشراف والتدريب إسرائيليين يرأسهم الإسرائيلي جوناثان بيليك.

اتهم البرنامج بالترويج للتطبيع مع إسرائيل، من خلال تقديم محتوى «ناعم» ينتزع إسرائيل من سياقها الحقيقي بوصفها محتلًّا، ويخدم أهدافها في فرض ذاتها كيانًا طبيعيًّا في المنطقة العربية. كان هذا ضمن ما نشرته «اللجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة» والمعروفة اختصارًا «BDS» في بيانها الصادر 14 سبتمبر (أيلول) 2020، والذي دعت فيه لمقاطعة برنامج «ناس ديلي» بصفته «مشروعًا تطبيعيًّا»، يهدف إلى توريط صانعي المحتوى والمؤثرين العرب في التطبيع مع إسرائيل.

بحسب الحركة، هذا الدعم الإماراتي من قبل «نيو ميديا أكاديمي» يمثل تواطؤًا مع الجهود الإسرائيلية لمد جسور التطبيع، رسمية كانت أو غير رسمية، وهو ما يشمل الإعلام وتأثيره في الرأي العام، من خلال إظهار القضية الفلسطينية معركة متكافئة القوى، ولوم الفلسطينيين على عدم قبول السلام الإسرائيلي، وغير ذلك من الأفكار التي تعمل على وأد القضية الفلسطينية، وانتزاعها من جذورها.

حقيقة الصفحات المحذوفة من وكالة الأنباء الإماراتية عن «ناس ديلي»

تشير منصة «رصيف 22»، إلى أن فريق عملها تمكن من استعادة بعض الصفحات المحذوفة من وكالة الأنباء الإماراتية عبر أداة «Wayback Machine»، وهي صفحات خاصة ببرنامج التدريب الأول الذي قدمته «ناس ديلي» بالتعاون مع المنصة الإماراتية في يوليو (تموز) 2020 واستمر أسبوعين.

كانت الصفحات المحذوفة خاصة ببرنامجين تدريبيين، هما: «يوتيوبر الشباب» و«البرنامج المفتوح لابتكار المحتوى»، وكلاهما بالتعاون مع أكاديمية «ناس ديلي»، وقد أظهرت الصفحات مشاركة عدد من المدربين الإسرائيليين منهم جوناثان بيليك، وآجون هيير، والمحاضر بافل بيتروف.

وبحسب «رصيف 22» فإن الصفحات المحذوفة قد تناولت إعلان «البرنامج المفتوح لابتكار المحتوى» عن بدء دورة جديدة في مطلع العام الحالي، وهو ما يؤكد – بحسبها – استمرار التعاون الإماراتي مع «ناس ديلي»، بعكس تصريحات أكاديمية الإعلام الجديد بإنهاء التعاقد مع المؤسسة.

«قاطعوا الدحيح».. علاقة برنامج تبسيط العلوم بالتطبيع الإسرائيلي

أمس الاثنين، نشر اليوتيوبر أحمد الغندور بيانًا عبر الصفحة الرسمية لـ«برنامج الدحيح» على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» للرد بشكلٍ مباشر وواضح على الاتهامات التي طالت برنامجه لتبسيط العلوم، مدافعًا عن موقفه من «القضية الفلسطينية» والذي أظهره في عدة مواقف سابقة بحسبه، كان آخرها عندما تضامن مع «أحداث الشيخ جراح» وأعلن رفضه لعمليات التهجير القسري للمواطنين الفلسطينيين من منازلهم.

«هل ده كلام يصدر عن شخص مُطبع»، كان هذا جزءًا مما قاله الغندور بالمنشور، مُشيرًا إلى أنه قد تحرى الدقة قبل التعاقد مع المنصة الإماراتيَّة، وقد انضم إليها بصفتها منصة تعليمية في المقام الأول، أما عن علاقتها ببرنامج «ناس ديلي» فلم يكن تمويلًا بقدر ما كانت شراكة بخصوص كورس تدريبي صيفي، وهو العقد الذي انتهى العام الفائت، وهي المعلومات التي أكد أن لولاها لما تعاقد مع المنصة.

كان هذا البيان متماشيًا مع البيان الآخر الذي أصدرته منصة «نيو ميديا أكاديمي» حول إطلاق برنامج الدحيح على منصاتها. مُعلنة أن المنصة لا تنتج أية برامج ذات طبيعة سياسية. أما عن تعاونها مع مؤسسة «ناس ديلي» ومقرها الرئيسي سنغافورة، يقول البيان إن ذلك كان للاستفادة منها في بعض البرامج التدريبية، وبحسب الأكاديمية، انتهت فترة التعاقد خلال العام الفائت، ولا توجد الآن أية صلة تربط المنصة بمؤسسة «ناس ديلي».

على الرغم من تصريحات الدحيح وتوضيح أكاديمية الإعلام الجديد، فإن الصفحات المحذوفة بشأن التعاون الإماراتي مع «ناس ديلي»، والتي أشرنا إليها في فقرة سابقة – وفقًا لتحقيق رصيف 22 – قد أثبتت استمرار التعاون بين المؤسستين، المنصة الإماراتية و«ناس ديلي» في سنغافورة، وهو الأمر الذي يبدو أن الغندور لم يعلم شيئًا بشأنه أو أراد تجاهله، في البيان الرسمي الصادر عن حسابه.

في الوقت ذاته، انتقد المدونون في حملة المقاطعة ظهور «الدحيح» على المنصة الإماراتية؛ إذ اعتبروا عودته من خلالها تبييضًا لوجه الأكاديمية بعد ما طالها من اتهامات خلال الفترة السابقة، كما أن برنامجه والذي يقدم محتوى شعبيًّا لتبسيط العلوم ويحظى بشهرة واسعة، سيعمل على جذب ملايين المتابعين للمنصة.

عن ذلك تشير منصة «متراس» الإعلامية إلى أن: «الدحيح جلب للقناة أكثر من مليون ونصف مشاهدة بأقل من 24 ساعة، بينما متوسط مشاهدات 85 فيديو نشرت طوال العام الفائت 15 ألف مشاهدة، ففيديو واحد للدحيح يساوي ربع مشاهدات القناة طوال السنة»، وتضيف المنصة أن ما يبدأ بالعلوم «منزوعة السياسة»، قد يستثمر فيما بعد لتمرير الرسائل المسمومة.

وهو ما رد عليه الغندور في بيانه قائلًا إنه يقدر خوف الناس وقلقهم، إلا أن ما يقدمه برنامج «الدحيح» لتبسيط العلوم لن يتغير ولن يتحول بمرور الوقت إلى شيء آخر، أو محتوى تطبيعي، مؤكدًا حرصه على عدم استخدام البرنامج بوقًا إعلاميًّا لأية جهة.

كانت تلك التصريحات تمثل ذروة الجدل الحادث على مواقع التواصل الاجتماعي، خلال اليومين الفائتين، إذ يرى معارضو ظهور «الدحيح» مع المنصة الإماراتيَّة، أنَّ في تعاونه معهم إعادة إحياء لمؤسسة نالت منها اتهامات التطبيع قبل مرور عام على إنشائها.

في الوقتِ ذاته، يحاول صانع المحتوى أحمد الغندور فصل السياسة عن المحتوى العلمي الذي يقدمه، مسوغًا ذلك بأن المؤسسة التي اختارها للتعاون، تعليمية في المقام الأول، وليس هناك فرصة لتسييس الأمور، فهل تتفق معه «عزيزي المشاهد»؟

علوم

منذ 3 سنوات
العلوم بشكل كوميدي.. مُبسطو العلوم العرب يجتاحون مواقع التواصل الاجتماعي

المصادر

تحميل المزيد