إن لم يكن في خانة النفاق الفاضح والجبن المهين والخنوع المذل فأين يمكن أن يصنف الناس في المغرب، بل وفي العالم العربي، رجلًا مثل سعد الدين العثماني، رئيس وزراء محمد السادس، ومن يقره على ما فعل داخل حزب العدالة والتنمية المغربي؟

فقط قبل شهور قليلة، وقف سعد الدين العثماني خطيبًا في أتباع حزبه ليعلن أن المغرب يرفض أي تطبيع مع الكيان الصهيوني، لأن ذلك يعزز موقفه في مواصلة انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني. وليؤكد على موقف المغرب، ملكًا وحكومة وشعبًا، والمتمثل في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والمسجد الأقصى المبارك، والرافض لأي عملية تهويد أو التفاف على حقوق الفلسطينيين والمقدسيين، وعروبة وإسلامية المسجد الأقصى والقدس الشريف. وليقول بكلمات لا لبس فيها: «هذه خطوط حمر بالنسبة للمغرب، ملكًا وحكومةً وشعبًا، وهذا يستتبع رفض كل التنازلات التي تتم في هذا المجال، ونرفض أيضًا كل عملية تطبيع مع الكيان الصهيوني».

وبالأمس جلس العثماني خانعًا ذليلًا ليوقع على صفقة التطبيع التي أبرمها ولي أمره، ملك المغرب، مع الصهاينة نزولًا عند رغبة ترامب، الذي وهبه اعترافًا بسيادة مملكته على الصحراء.

كنت أتوقع من العثماني الذي كنت أظن أنني أعرفه أن يفضل الاستقالة على أن يعرض نفسه لهذه المهانة.

كنت أتوقع من العثماني الذي كنت أظن أنني أعرفه أن يفضل الاستقالة على أن يعرض نفسه لهذه المهانة، وكنت أرجو من حزب العدالة والتنمية الذي كنت آمل منه خيرًا أن يزهد في المشاركة في سلطة ثبت أنه لا يملك فيها من الصلاحيات إلا دور عامل النظافة أو مسلك المجاري، وخاصة بعد تراجع ثورات الربيع العربي، وعودة الثقة لدى ملك المغرب، كما لدى غيره من طغاة العرب، بثبات حكمه في وجه العاصفة، وتجدد الإحساس لديه بالطمأنينة وقد زال – في ظنه – الخطر المحدق بعرشه من غضبة الجماهير التي خرجت تطالب بالحرية والكرامة والقضاء على الفساد.

لا أستبعد أن يكون العثماني فعل ما فعل عن قناعة، مبررًا ذلك لنفسه، كما يفعل بعض من ابتلي بهم التيار الإسلامي في مثل موقعه، بمختلف الحجج والمسوغات، من مثل «جلب المصلحة» أو «درء المفسدة» أو «الضرورات تبيح المحظورات» أو غير ذلك مما أقنع به المهزومون أنفسهم ويحاولون به إقناع غيرهم.

ولكنني أيضًا أفترض احتمال أن العثماني ربما كان يفضل ألا يكون هو من يوقع على الاتفاق، وخاصة أنه كان قد صرح قريبًا جدًا بمعارضته له. وأيضًا لأنه «إسلامي»، والإسلامي من حيث التعريف ومن حيث المبدأ لا يمكنه أن يعترف بشرعية الكيان الصهيوني ناهيك عن أن يطبع معه، فذلك في ملة الإسلاميين، بل وفي ملة كل الأحرار، ظلم وعدوان، وضلال وفساد.

لو صح افتراضي هذا، فإن جرم العثماني مضاعف، لأنه يكون قد أصغى لمن أمره بأن يأتي كبيرة ويرتكب جرمًا، فأذعن وتنازل عن مبادئه وقناعاته لمجرد أن يبقى في وظيفة وضيعة، ويحافظ على نعمة زائلة، وما هي بنعمة وإنما نقمة والعياذ بالله. حتى أنه قام بمهمة ما كان ينبغي له حتى بروتوكوليًا أن يكون صاحبها، وكان يفي بالغرض أن ينتدب صاحب القصر الذي أبرم الصفقة واحدًا من أذناب البلاط. فأبى العثماني بذلك إلا أن يكون واحدًا من هؤلاء الأذناب وأن يغدو مجرد موظف عند من يدعي أنه أمير المؤمنين.

قام بمهمة ما كان ينبغي له حتى بروتوكوليًّا أن يكون صاحبها.

لقد قبل العثماني مقابل البقاء في السلطة أن يوقع نيابة عن نظام جائر فاسد لا يمثل أهل المغرب الكرام ولا يعبر عن وجدانهم، ولا يملك هو فيه من أمره شيئاً، ولا يحكم فيه حتى على عقال بعير.

أحسب أن الملك حينما أمر رئيس حزب العدالة والتنمية، رئيس وزراء البلاط، بالقيام بتلك المهمة القذرة، إنما كان يريد أن يمعن في إذلاله وقهره، وإذلال وقهر أتباعه، رغبة في أن يضرب أبناء التيار الإسلامي العريض داخل المغرب بعضهم ببعض، ويثبت للجميع أنه تمكن من ترويض هؤلاء الذين كانوا يومًا يرفعون راية الإسلام في حراكهم السياسي ومطالبتهم بالإصلاح والتغيير، وإذا هم في سبيل إرضائه يخونون مبادءهم التي طالما دافعوا عنها ورفعوا شعاراتها.

نبرأ إلى الله أيها العثماني مما اقترفته يداك.

عرض التعليقات
تحميل المزيد